أنا الفضل بن محمدٍ، قال: نا علي بن سهلٍ الرملي، قال: نا حجاج بن محمدٍ الأعور، قال: نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنسٍ، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة، أو غيره، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه لما صعد إلى السماء السابعة، إذا هو برجلٍ أشمط جالسٍ على كرسيٍّ عند باب الجنة، وعنده قومٌ جلوسٌ، بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقومٌ في ألوانهم شيءٌ، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيءٌ، ثم دخلوا نهراً آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم، فصارت مثل ألوانهم، فجاؤوا فجلسوا إلى أصحابهم،فقلت: يا جبريل! من هذا الأشمط؟ ومن هؤلاء، وما هذه الأنهار التي دخلوها؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقومٌ لم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيءٌ، فقوم خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، فتابوا، فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأدناها: رحمة الله، والثاني: نعمة الله، والثالث: {وسقاهم ربهم شراباً طهوراً}.قال: والمؤمن أمين الله على معرفته في دنياه وآخرته، والخيانة في الدنيا كائنة، وقد رفعت الخيانة في الآخرة.قال أبو عبد الله رحمه الله:تأويل هذه الأنهار عندنا -والله أعلم-:أن الأول: نهر التوبة، والثاني: نهر الطاعة، والثالث: نهر الحياة، من شرب منها، حيي قلبه بالله، فهذا مقابل للحديث الأول الذي قال: ((الإيمان على ثلاثة أجزاءٍ)).فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول ما يرفع من الناس الأمانة))؛ لميل الناس عن الله إلى النفوس، على سبيل ما وصفنا المؤمن أمين الله على معرفته في دنياه وآخرته، والخيانة في الدنيا كائنة، وقد رفعت الخيانة في الآخرة.وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا دين لمن لا عهد له)).فالدين: اسم جامع منتظم لجميع الإسلام، إلا أن ترجمة الإسلام هو: تسليم النفس إلى الله تعالى عبودة، وترجمة الدين هو: الخضوع، وأن تجعل نفسك دون أمره، فأمره عالٍ، ونفسك دونه، فهذا الدين، فمن تمكن الدين فيه، فهذه صفته، ومن قبله في مبتدئه فهذا شرطه مع الله أن يكون كل أمره عالياً على قلبه ونفسه، وشهواته وإرادته كلها تحته، فمن وفى بهذا في جميع الأوقات، فهو صادق مطيع قد وفى إليه بما قبل منه، ومن وفى ببعضها، وضيع بعضاً، فقد خلط، ودينه منقوص، وعلى حسب ذلك يقتضي الجزاء من الديان يوم الدين، فقد أخبر سبحانه أنه مالك يوم الدين؛ أي: أن هذا يوم لا أملك فيه أحداً شيئاً كما فعلت بهم في دنياهم، وذلك قوله تعالى: {يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ لله}.وأما العهد: فهو تذكرة الله الذي وضعه فيما بينه وبين العباد يوم أخذهم للعبودة قبل خلق السماوات والأرض، فلما خرجوا إلى الدنيا، نسيه الأعداء، وحفظه الموحدون، ثم علت الموحدين غفلةٌ على ذلك الحفظ، فذهلوا، فأوفرهم حظاً، من الحفظ أوفرهم حظاً من الذكر، فالأعداء في غفلة، وفي الغفلة النسيان، والأحباب في غفلة، ومن الغفلة تكون الوهلة، ومن الوهلة الخطايا، ونقضان العهد، ودروس ذكر العهد، وذلك قوله تعالى: {فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم}.فبطول الأمد يدرس ذكر العهد، فإذا درس، اغبر، وإذا اغبر، التبس وتغشى، وإذا ذكر تجلى، وإذا غفل، التبس، وفي وقت التجلي هو مطيع متهلل مسرع، وفي وقت التغشي والتلبس عاصٍ متحلل مبطئ، فأوفرهم حظاً من العهد أوفرهم حظاً من الدين، وأشدهم انقياداً، فالكافر ينسى، والمؤمن يغفل.قال الله تعالى في شأن الكفار: {نسوا الله فأنساهم أنفسهم}،وقال تعالى: {نسوا الله فنسيهم}.فالكافر ناسٍ لربه، ناسٍ لنفسه، من أين؟ وإلى أين؟ والمؤمن يتردد بين الغفلات والذكر.فالمؤمن: أمين الله في أرضه، ائتمنه على معرفته، ووضعها في قلبه، وجعل قلبه خزانة لها، وائتمنه عليها بما فيها من كنوز المعرفة، ووكله بحراستها من النفس الأمارة بالسوء، ومن العدو الحاسد القائم في ظل النفس، ومن ورائها، يرمي بالشيء بعد الشيء إلى النفس، ينتظر متى يعترض من النفس فرصتها من القلب.وليس أحدٌ بباب الملك أعز عليه، ولا أصفى حباً له من أمينه الذي ائتمنه على ملكه، وعلى خزانته، وعلى حرمه وأسراره، وعلى خوله، وعلى رعيته، فهذا بهذه الصفة أعز من يدخل ذلك الباب، فإذا أقام العبد الأمانة، فهو أمين الله في أرضه، قد ائتمنه على معرفته وحقوقه، وعلى معرفته وأسراره، ودنياه ونفسه، وجميع خلقه، فإذا وفى العبد بالقيام بذلك، وصدق الله في القيام، فعين الله ترعاه، وهو المستحق لاسم الإيمان، فيقال: هذا مؤمن، ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وددت أني شعرة في صدر مؤمن.فكانوا يشيرون إلى مثل هذه الصفة، فيسموا أهلها مؤمنين، فجهد الأكياس في هذا الباب أن يحافظوا على هذه الأمانة، ويبقوا على صيانتها،ويحرسوا خزانتها، والحمقى غفلوا عن هذا الباب، فأقبلوا على عمل الأركان على التخليط، والصدق المجهود، وذلك قوله: {إن المتقين في مقامٍ أمين}.فهو واحد الله في أرضه في كل وقت، وإنما سمي جبريل: أمين الله، وبذلك أثنى عليه في تنزيله، فقال: {عند ذي العرش مكينٍ. مطاعٍ ثم أمينٍ}.فقال أهل التفسير: حل من الأمانة أن يدخل سبعين ألف حجاب من نور بغير إذن، ائتمنه الله على وحيه، فبرز اسمه في السماوات بأنه أمين، واستحق دخول الحجب بلا إذن، وفي كل حجاب سر، فإذا أطلق لأحد دخول الحجاب بلا إذن، فقد ائتمن على ذلك السر، ومن لم يؤتمن، احتاج إلى إذن، وكذلك تجد عند ملوك الدنيا، لا يطلق الدخول لأحد بغير إذن متى ما شاء إلا لمن ائتمن على أسرار ما وراء الحجب.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1274
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
