نا عمر بن أبي عمر، قال: نا سعيد بن عفيرٍ المصري: قال: نا عبد الله بن عقبة، وهو ابن لهيعة، عن دراجٍ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن في الدنيا على ثلاثة أجزاءٍ: {الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}، ثم الذي يأمنه الناس على أموالهم، ثم الذي إذا أشرف على طمعٍ، تركه لله)).قال أبو عبد الله:فهذه ثلاثة منازل للإيمان:فالمنزلة الأولى: نزلها صنف آمنوا بالله إيمان طمأنينة لا ريب فيه، وجاهدوا أنفسهم في سبيل الله في الأمر والنهي، فقاموا بأداء الفرائض، واجتناب المحارم، فهذه أول منزلة المؤمنين، والرغبة فيهم باقية، ومن كانت الرغبة فيه باقية، فالخيانة فيه كائنة؛ لأن الله تعالى أعطى الخلق الأرواح بما فيها من الحياة عارية، وأعطاهم دنياهم عارية.فالروح وضعه فيهم للارتحال، والدنيا للزوال والانتقال عنها، فمن تشبث بالحياة لا يريد مفارقتها، وفر من الموت، فقد خان، فإن العارية إذا امتنع صاحبها من الخروج منها إلى وليها ومالكها؛ قهر وسلب، وسميبامتناعه وفراره خائناً، وكذلك الدنيا إنما وضعت ممراً للعباد ومتزوداً، فمن اشتغل قلبه بالتمتع، صيره كالمستقر، فسلب يوم الخروج منها، وهو خائن لما وضع بيده منها، فهم مع هذه الخيانة يقومون بأداء الفرائض بلا توفير به، ويقومون باجتناب المحارم بلا صيانة ولا تقوى، إنما التقوى إذا خرجت شهوة تلك الأشياء من قلبه، فهذا الصنف الأول هم في أول منزلة من منازل الإيمان، فهم بعد في سفح الجبل، والرغبة معهم، فبالرغبة وقعوا في الخيانة.ألا ترى أنهم لا يوفرون الفرائض، وإنما افترضت عليهم الفرائض؛ ليسد ما انثلم من العبودة التي قبلوها، فلما جاءت السيئات، كانت ثلمة يحتاج إلى سدها، فسدت بالفرائض، ولذلك قال: {يكفر عنكم}.ألا ترى أنهم يجتنبون المحارم بلا صيانة ولا تقوى، وأنهم إن اجتنبوها، فعلوا ذلك من خوف العقاب غداً، ولم يلتفتوا إلى صيانة المعرفة التي في قلوبهم، فإن قال له علام الغيوب غداً: إن معرفتي كانت خلعتي على قلبك، فاجتنبت محارمي، شفقةً على جلدك ولحمك، ولم تلتفت إلى خلعتي، فتخاف عليه الدنس والغبار، وإنما عظم شأن جسدك، وجل قدره بهذه الخلعة التي بها طاب جسدك، فباليت بالجسد، فاجتنبت المحارم؛ توقياً عليه، لا توقياً على خلعتي، فماذا يقول هذا العبد؟فهذا من دناءة المنزلة، فإنما عم ما قلنا على أهل الرغبة في الدنيا،ولا يرغب فيها إلا أبله؛ لأن الذي كتب له في اللوح لاحقٌ به، ولو هرب منه، والذي لم يكتب له، فقد فاته أبداً، فهل تكون الرغبة بعد هذا إلا لأبله متحير؟وأما الصنف الذين هم في المنزلة الثانية من الإيمان:فهم قوم قد زالت عنهم الرغبة في الدنيا، واشتاقوا إلى دار الله، فاطمأنت نفوسهم، وطابت أرواحهم، فأمنهم الخلق على أموالهم وأنفسهم، ولم يأمنوهم على أديانهم، فلا تقبل القلوب منهم مواعظهم، وإشاراتهم إلى الله، وإنما أمنهم الناس على أموالهم وأنفسهم، لأن القلوب بما فيها من الإيمان شهدت لهذا الصنف بالأمانة التي في جوف إيمانهم، وذلك لأن الإيمان له نسيم، فإنما يدرك نسيمه إيمان العباد، فاستطابوه، واستحلوه، واطمأنوا إليه.وخلةٌ أخرى: أن أرواح المؤمنين تتلاقى في الهواء، فيتعارفون، وإنما يعرف بعضها بعضاً بما تضمنه من روح الإيمان.وما روي في الخبر: أن على الحق نوراً، وعلى الإيمان وقاراً.وقال الربيع بن خثيم: إن للحق نوراً كضوء النهار، وللباطل ظلمة كظلمة الليل.فالصادقون إذا عاينوا الحق في فعل عامل به، استنارت له قلوبهم، وعرفوا أنه الحق، والمخلطون لا تستنير قلوبهم له، ولكن يذلون وينقادون؛ لأن نور الحق إذا لاقى قلب المخلط، استقبلته ظلمة، ومن وراء الظلمة نور الإيمان، فلا يقدر نور الحق الذي أتى به هذا أن يصل إلى نور الإيمان من هذا الآخر؛ لأن ظلمته تحجبه، ولكن إيمانه الذي في قلبه يعرف ذلك، فيذلل القلب، ويجعله منقاداً للذي أتى به، فالصادق مستنير القلب، يعمل على قوة وحزم، والمخلط يعمل على حيرة وقهر، منقاد للحق؛ لقوة ما جاء به هذا المحق.فالصادقون في وقار الإيمان يتخشعون لصاحبه، ويلقون بأيديهم سلماً، ويتوقرون، والمخلطون يخمدون ويسكنون، وفي الباطن ليس لهم خشوع، ولا سلم، فهذا شأن الإيمان والحق.فكذلك الأمانة، إذا حلت في قلب العبد على ما وصفنا، أمنت قلوبالخلق، واطمأنت نفوسهم إلى ما عنده، فالخلق قد أمنوهم على النفوس والأموال، ولم يأمنوهم على الدين.وأما الصنف الثالث في المنزلة الثالثة من الإيمان:فهم قوم قد بلغوا ذروة الإيمان، وإنما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذروة؛ لأنه شبيهٌ بالجبل، والنفس كريشةٍ طياشة تهب بها الريح، فكلما كان الجبل أثقل، كانت الريشة أسكن، حتى إذا بلغ العبد ذروة الإيمان، كان على قلبه جبل، والنفس تحته مضغوطة لا تقدر على التحرك، فلا يزال كذلك تحت أثقال المعرفة، حتى تصفو من عصارتها، وتسيل منها تلك الفضول، حتى تيبس عن رطوبة الشهوات، كما ييبس الكسب الذي قد عصر تحت الأثقال حتى سال دهنه، وبقي ثفله يابساً، فعند ذلك تجدها قد ماتت شهواتها، وخمدت نيرانها خموداً، افتقد حرها، فهذا الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنزلة الثالثة من قوله: ((ثم الذي إذا أشرف على، طمعٍ تركه لله)).فالغني بالله في ذروة الجبل، وهو أعلى الإيمان، أولئك الذين يأمنهم الخلق على دينهم، فتقبل القلوب مواعظهم، وإشاراتهم إلى الله؛ لأنهم يسيرون إلى الله، وقلوبهم بين نور الحق، ووقار الإيمان، فإذا نطق أحدهم،استنارت القلوب لنور مقالته، وإذا شخصت أبصارهم إليه، توقرت النفوس لوقاره، وهدأت [الأركان] منهم، وسكنت منهم الأصوات.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1273
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
