قال محمد بن الحسين : أغرب الغرباء في وقتنا هذا من أخذ بالسنن وصبر عليها ، وحذر البدع وصبر عنها ، واتبع آثار من سلف من أئمة المسلمين ، وعرف زمانه وشدة فساده وفساد أهله ، فاشتغل بإصلاح شأن نفسه من حفظ جوارحه ، وترك الخوض فيما لا يعنيه وعمل في إصلاح كسرته ، وكان طلبه من الدنيا ما فيه كفايته وترك الفضل الذي يطغيه ، ودارى أهل زمانه ولم يداهنهم ، وصبر على ذلك ، فهذا غريب وقل من يأنس إليه من العشيرة والإخوان ، ولا يضره ذلك ، فإن قال قائل : افرق لنا بين المداراة والمداهنة ، قيل له : المداراة التي يثاب عليها العاقل ، ويكون محمودا بها عند الله عز وجل ، وعند من عقل عن الله تعالى هو الذي يداري جميع الناس الذين لا بد له منهم ، ومن معاشرتهم لا يبالي ما نقص من دنياه ، وما انتهك به من عرضه بعد أن سلم له دينه ، فهذا رجل كريم غريب في زمانه . والمداهنة : فهو الذي لا يبالي ما نقص من دينه إذا سلمت له دنياه ، قد هان عليه ذهاب دينه وانتهاك عرضه ، بعد أن تسلم له دنياه ، فهذا فعل مغرور ، فإذا عارضه العاقل فقال : هذا لا يجوز لك فعله قال : نداري فيكسو المداهنة المحرمة اسم المداراة ، وهذا غلط كبير من قائله ، فاعلم ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : مداراة الناس صدقة ، وقال الحسن : المؤمن يداري ولا يماري ، ينشر حكمة الله ، فإن قبلت حمد الله ، وإن ردت حمد الله عز وجل ، وقال محمد ابن الحنفية رضي الله عنه : ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف لمن لا يجد من معاشرته بدا ، حتى يجعل الله عز وجل له منه فرجا ومخرجا . قال أبو بكر : فمن كان هكذا فهو غريب طوبى له ثم طوبى له
كتاب الغرباء الاجري · Hadith 63
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
