من صفة الغرباء أيضا التي نعت بها أهل الحق أن يكون الغالب على الناس في جميع أمورهم مثل مؤاخاة الإخوان ، وصحبة الأصحاب ، ومجاورة الجيران ، وصلة الأرحام ، وعيادة المرضى وشهود الجنائز ، وما يجري عليهم من المصائب ، وما يسرون به من الأفراح بالدنيا والمتاجرة والمعاملة والمحبة والبضعة والمزاورة والملاقاة والمجالسة والاجتماع في الولائم وأشباه لهذه الأمور ، فإن جميع ذلك يجري بينهم على خلاف الكتاب والسنة لغلبة الجهل عليهم ولدروس العلم فيهم ، فإذا أراد المؤمن العاقل الذي قد فقهه الله عز وجل في الدين وبصره عيوب نفسه ، وقبيح ما الناس عليه ورزقه معرفة بالتمييز بين الحق والباطل ، وبين الحسن والقبيح وبين الضار والنافع ، وعلم ما له مما عليه إذ ألزم نفسه العمل بالحق بين ظهراني من قد جهل الحق ، بل الغالب عليهم اتباع الهوى ، لا يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم ، فإذا نظروا إلى من يخالفهم على طريقتهم ثقل ذلك عليهم فمقتوه وخالفوه وطلبوا له العيوب فأهله به متضجرون وإخوانه به متثقلون ومعاملوه به غير راغبين في معاملته ، وأهل الأهواء له على مذهب الحق مخالفون ، فصار غريبا في دينه لفساد دين أكثر الخلق غريبا في معاملته لكثرة فساد معاش أكثر الخلق ، غريبا في مؤاخاته وصحبته لكثرة فساد صحبة الناس ومؤاخاتهم ، غريبا في جميع أمور الدنيا والآخرة لا يجد على ذلك مساعدا يفرح به ولا مؤانسا يسكن إليه ، فمثل هذا غريب مستوحش لأنه صالح بين فساق ، وعالم بين جهال ، وحليم بين سفهاء ، يصبح حزينا ، ويمسي حزينا ، كثير غمه قليل فرحه ، كأنه مسجون كثير البكاء كالغريب الذي لا يعرف ولا يأنس به أحد ، يستوحش منه من لا يعرفه فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : « وسيعود غريبا كما بدأ » والله أعلم .
كتاب الغرباء الاجري · Hadith 11
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
