نا عمر بن أبي عمر، قال: نا سعيد بن أبي مريم، قال: نا مسلمة بن علي، قال: حدثني زيد بن واقدٍ، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وموسى نجياً، واتخذني حبيباً،ثم قال: وعزتي! لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي)).فالحبيب: يحب أن يقر عين الحبيب بأمته، فقد أعلمنا في تنزيله كيف محلنا من قبله، فقال تعالى: {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم}؛ أي: يعز عليه، ويشتد عليه أن نقع في إثم، وحريص على هدانا وطاعتنا لله تعالى، ثم ذكر رأفته ورحمته علينا، فقال: {بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ}، فمن أصدق من الله قيلاً؟فالله أخبرنا بهذا عن باطن قلبه لنا، فهو يحب أن يقر عينه غداً بنا في الموقف، وفي درجات الجنان، فأعطانا من حظه، ما يمد بنا إلى نفسه قرباً بتلك الكنوز، حتى تكون طاعتنا لله، وقلوبنا له، ونفوسنا أكثر انقياداً وتذللاً وعبودة، ومعرفة بالله وعلماً به من سائر الأمم، ويباهي الله بهذه الأمة في سمائه، فيري ملائكته بها ما يصعد إليه من أعمالهم وبرهم، ووفائهم ويقينهم وصدقهم، وجدهم وجهدهم، واستقامتهم وحبهم له.عدنا إلى ما كنا فيه من ذكر التيمم، فرد محمد بن علي السؤال على بعض من حضره، فقال: أرى بعض علمائكم يقولون: إذا وقع في الماءوخرج منه غير ناوٍ للوضوء، أجزأه ذلك من الوضوء.وقالوا: إذا تمعك في التراب، أو نثر عليه حتى أصاب مواضع الوضوء ذلك الغبار، أنه لا يجزئه حتى ينوي التيمم، فسألوا عن الفرق بينهما، فقالوا: لأن الله تعالى قال: {فتيمموا}، والتيمم هو القصد للصعيد، والقصد لا يكون إلا بالقلب، فلذلك قلنا: إنه لا يجزئه حتى ينوي؛ أي: يقصد.قلنا: فقد قال هاهنا: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}، فهذا الذي وقع في الماء لم يغسل أيضاً، فإن قلتم: إنه لما وقع في الماء، انغسل، فكذلك لما تمعك في التراب، انغبر، فإن كان أريد في الوضوء منه سيلان الماء على مواضع الوضوء، فقد أريد منه في التيمم اغبرار مواضع الوضوء، فكما سال الماء عليه بغير إسالة، فأجزأه، فكذلك إذا أهالوا عليه التراب من غير فعل منه، وانغبر، أجزأه ذلك، فالقياس في كليهما مستمر بهما يتساويان.فإما أن يقول: لا يجزئ ذلك عنه في الوضوء حتى يغسله بفعل منه؛ لأنه أمر بالفعل، فقال: اغسلوا؛ كما قال هاهنا: اقصدوا.وإما أن يقول: كلاهما جائز على مذهب ما ذهبت إليه أنه ابتغى منه سيلان الماء عليه بأن الماء جعل له طهوراً، فإذا جرى عليه، فقد طهر، سواء أجراه بنفسه، أو جرى عليه الماء من غير فعله.قلنا: فكذلك خص رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الرسل، وأمته من بين الأمم بهذه الهدية بأن جعل تراب الأرض له طهوراً، فإنما ابتغى منه الطهارة بذلك التراب، فسواه عليه هو ترب نفسه يريد به الطهارة، أو تربه غيره، فلم نجدهم التجؤوا إلى شيء يكون بين المسألتين فرقاً مزيلاً، كلما راموا فرقاً، وجدناه متصلاً، فكل حالة من الوضوء بالماء قابلناه بحالة الوضوء بالتراب وجدناها مستوية، ووجدنا مفزعهم إلى هذه الكلمة: أن الله تعالى قال هاهنا: {فتيمموا}، والتيمم: هو القصد بالقلوب.فقلنا: أي شيء يقصد؟قالوا: يقصد إلى أن يتطهر به من الحدث.فقلنا لهم: أمر هاهنا بالقصد للتراب ليمسح، ولم يأمر هناك بالقصدللماء ليغسل، فقال هاهنا: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}، ولم يقل: اقصدوا ماء، واغسلوا وجوهكم وأيديكم؛ لأن الغسل كان متعارفاً في الأمم، وفي الجاهلية: أن الأقذار والنجاسات والأدناس إنما تغسل بالماء، فكان ذلك معروفاً عندهم، فلما جاء الله بالإسلام، وأمرهم بالانتصاب بين يديه مصلين، ولم يخل أحدهم من أدناس الخطايا، لم يرض لهم أن يقوموا بين يديه مصلين، مترضين له، معتذرين إليه، ومعهم غبار العدو وأدناسه، وإن لم يكن على أجسادهم في الظاهر أقذار ونجاسات، فأمرهم أن يغسلوا أطرافهم، وسماه وضوءاً، يعلمهم أن هذه الأطراف تصير وضيئة بهذا الغسل، ويذهب غبار العدو عنها، فيطهروا، وقد قال في تنزيله: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم}، ثم قال: {لعلكم تشكرون}.يطهركم بالماء حتى تزول الأدناس، وغبار العدو، فإذا زالت، حيي القلب، فتلك الحياة تمام النعمة، فقاموا لله منتصبين بحياة قلب، يعقلون ما يعبدون به، وأنهم بين يدي الله، فذلك منهم شكر، فلما جاءت هذه الأمة، وعطف الله عليهم بكرامته إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، كان التوضؤ بالتراب غير متعارف عندهم، ولم يكن عندهم أن التراب فيه طيب وطهارة، وإنما عرفوا الطهارة في الماء، فأمرهم بالقصد للتراب؛ ليتمسحوا به، فكانوا لا يحتاجون إلى قصد الماء؛ لأن الماء لهذا أنزل؛ ليزال به الأقذار والتراب؛ ليطرح عليه الأقذار، فهكذا كان المتعارف في ولد آدم عليه السلام منذ خلقهم الله، فلما جاءت نوبة هذه الأمة، أهدى الله محمداً عليه السلام إلى الأمة، مع كنوز المعرفة، ووفارة الطهارة، وطهرت الأرض، فصارت بقاعها مساجد للأمة، وصعيدها طهور للأمة، يتوضؤون به.فقيل للأمة في الظاهر: تيمموا؛ أي: اقصدوا التراب؛ لأنه كان من شأنكم وعادتكم التطهر بالماء، فإذا فقدتم الماء أنتم -يا معشر أمة محمد-، فاقصدوا التراب عند فقد الماء، فتطهروا بالتراب.وقيل لأهل الباطن من الأمة: اقصدوا للهدية التي في باطن هذا الأمر، فبحرمة قصد أهل الباطن قبل الله قصد أهل الظاهر للتراب، فوجدنا علماءكم قد تعلقوا بهذه الكلمة في شأن الفرق بينهما: أن الله تعالى قال في شأن الوضوء: {فاغسلوا}، ولم يقل: اقصدوا للماء، واغسلوا.وقال هاهنا: {فتيمموا}؛ أي: اقصدوا التراب، وامسحوا، والبابعنهم منغلق، ليس وراء هذا عندهم شيء، فيحتجوا به على الأمم، ويستبشروا بالفضل الذي حباهم الله به.فقلنا لهم: إن الحجة القاطعة في الفرق بينهما في نفس الآية، ولكن لم يفتح لكم الباب فتفهموا عنه، وصرفتم عنه، فانظروا ما آية هذا الصرف؟ فإنه قال: {سأصرف عني آياتي}.فقال أهل التفسير: صرف الله عن آياته قلوب المتكبرين بغير الحق، فلا يفهمونه، ولا يجدون حلاوته ولا لذاذته، ولا لطائفه ولا دقائق حدوده، فأما الحجة القاطعة في نفس الآية، فإنه قال: {فتيمموا صعيداً}.فالصعيد: هو التراب الذي يصعد الناس عليه بأقدامهم، فيطؤونه.ثم قال: {طيباً}، فأعلمنا أن الخبث الذي حل بالأرض من نجاسة الشرك، ورجاسة العدو، وارتفع، وزال، وعاد الصعيد الذي تقصدون لتناوله، فتمسحون به مواضع الوضوء طاهراً، وزايله الخبث؛ لعظيم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عندي، فإنما أمرنا بقوله: {تيمموا}؛ أي: اقصدوا تلك الهدية التي بها طاب هذا الصعيد، فإنما القصد للهدية في التراب، لا للتراب، فإذا كانت الهدية مفقودة عن القلب، والقلب بها جاهل، فماذا يغني؟فالرسول عليه السلام يقول: ((أعطيت هذا، ولم يعط أحد من الأنبياء قبلي)).فسماه الله في تنزيله: طيباً، فإنما فرق بين الوضوء والتيمم هذه النكتة أن يقصد للهدية في التراب، فيقبلها من الله؛ فإن الأرض قد عادت لك طيبة، قامت لك مقام الماء الذي جعله الله طهوراً لك.فالطهر يجمع المتفرق، والطيب يحيى، ويثبت، ويدوم أصله، فالطهور بالماء للأمم كلها، والطيب بالتراب لهذه الأمة خاصة، فاجتمع الطهر والطيب في التيمم، وتمت نعم الله علينا به، فإنما طابت الأرض لمجيء الكنوز مع محمد عليه السلام، وكذلك الغنائم كانت نجسة؛ لأنها أخذت من العدو، وملك العدو كله نجس.ألا ترى أن الله تعالى ذكر حلي آل فرعون أوزاراً، فقال: {أوزاراً من زينة القوم}، وكانت لا تحل لهم؛ لنجاستها، فكانوايضعونها، فتجيء نار من السماء فتأكلها، وكان هارون عليه السلام أمرهم أن يقذفوا ما في أيديهم من تلك الحلي التي استعاروها من آل فرعون، فقال لهم هارون: تطهروا منها، فرموا بها، فجمعها السامري، فاتخذها عجلاً، فقذف فيها التراب الذي كان رفعه من حافر فرس جبريل عليه السلام فرس الحياة؛ للفتنة التي كتب الله عليهم بلواها، فذلك قوله تعالى: {ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم}، فإنما يسمى أوزاراً؛ لرجاسته.فقال الله لهذه الأمة: {فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً}؛ أي: أحلت لكم الجزية، ثم قال: {طيباً}، وإنما طابت هذه الغنيمة لمحمد عليه السلام وأمته؛ لأنهم ضربوا بالسيوف بحرارة حمية حب الله وزايلتها، رجاسة الكفر وأهله؛ لأن حرارة الحب تقطع علائق النفس، وتخرق أسبابها، وعلائق النفوس من أسباب الشرك، وسائر الأمم لم يعطوا هذا، فلم تطب لهم الغنائم.ولم تزل رجاسة أهل الكفر من تلك الأشياء، فلم تحل لهم، فبنو إسرائيل إنما قاتلوا على الديار، وعلى الأرضين المغتصبة التي كانت لآبائهم، وهي الأرض المقدسة أرض إبراهيم عليه السلام، فقاتلوا عليها، ليردوها إلى ملكهم، فأنبياؤهم بعثوا للدعوة إلى الله، ونبينا عليه السلام بعث للتوبة والملحمة، يعني: إن لم يتوبوا، لحموا بالسيوف، فلذلك قال عليه السلام: ((أنا نبي التوبة، ونبي الملحمة)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1233
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
