نا به قتيبة بن سعيدٍ، قال: نا عبد الوهاب،قال: نا أيوب، عن أبي قلابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((أعطيت السبع -يعني: الطول- مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وأعطيت المئين مكان الزبور، وفضلت بالمفصل)).قال الله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} أي: ينظرن إليك بعيون رؤوسهم، وهم لا يبصرونك بعيون قلوبهم.فمن عمي قلبه عن الله، ولم يكن في قلبه نور الهداية، لم يبصر آثار النبوة على محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يبصر منه شخص الجثة، ومن هداه الله تعالى لنوره، فانفتح عين قلبه بذلك النور، واستقرت المعرفة في قلبه، أبصر من محمد صلى الله عليه وسلم شخص النبوة بارزاً، وعلى شخص النبوة شخص الرسالة فائقاً.قال له قائل: وما شخص النبوة؟قال: الحياة، والذكاء، واليقظة، والإنفاذ، والسرعة، والبدار، والسبق، والسماحة والكرم، والسعة والجود، والحياء والسكينة، والوقار والحلم.ومن الأفعال: السواك، والحجامة، والتعطير، والجماع.قال: وما شخص الرسالة الذي فاق على شخص النبوة؟قال: الجلال والبهاء، والنزاهة، والحلاوة، والطلاوة، والملاحة، والمهابة، والسلطان، وأصل هذا كله من ثلاثة أشياء: من اليقين، والحب، والحياة.فإنما نال المؤمنون من معرفة محمد صلى الله عليه وسلم على قدر معرفتهم بالله، وعلمهم به، فمن صدق محمداً صلى الله عليه وسلم في الصحبة له، كان صدق صحبته على قدر معرفته إياه، وعلمه به، وعلى حسب ذلك كان يتراءى لبصر عينه في الظاهر ما ذكرنا من الخلال التي عددنا، فأوفرهم حظاً من نور الله: أوفرهم علماً بمحمد عليه السلام، وقدره، وجلالته، وحظه ومنزلته، فأوفرهم علماً به: أسرعهم إجابة لدعوته، وأبذلهم له نفساً ومالاً.ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه لما أفشى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رسول مبعوث، صدقه على المكان، ولم يتردد، ولم يضطرب؟قال علي -كرم الله وجهه-: حتى أسأل أبي، ثم رجع من الطريق، وصدقه.وعمر صدقه بعد مدة، وبعد ما أسلم تسعة وثلاثون نفساً، فتم بإسلامه عدد أربعين، بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسلم عمر رضي الله عنه من الغد:((اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشامٍ -يعني: أبا جهلٍ-)).فجرت الدعوة من عمرٍو عدو الله إلى عمر بحق الله، فسعد عمر، وشقي عمرٌو، ودل أسماؤهما على حظيهما من الله تعالى، والمقدار الكائن من أمريهما، لأن عمر أول اسمه عين مضموم مثقل، وعمرو أوله اسمه عين مفتوح مخفف، والمضموم الذي قد آواه الله وضمه إلى باله، والمفتوح هو الذي أهمله الله، وأخرجه من باله، وكلا الاسمين مشتق من العمر، والعمر حجة الله على ابن آدم، والأسماء من علم آدم الذي برز به على الملائكة، وورثته الأنبياء، والأولياء من ولده.قال له قائل: ما العمر؟قال: إنما هي ثلاثة أشياء: مهلة، وأجل، وعمر.فالمهلة: أنه أعطاه القرار حين خرج من بطن أمه على جديد الأرض.والعمر: ما يخلص إليه من تدبير الله في جميع متقلبه من التربية.والأجل: هو الغاية التي إذا بلغها، انقطع القرار والتربية، وتبدد المجتمع من الروح والنفس، والحياة والذهن، والعقل والعلم والملك، فرجع الروح إلى معدنه، والنفس إلى جوهرها، والذهن إلى مجراه، والعقل إلى أصله، والعلم إلى معدنه، والملك إلى موضع الميراث ميراث الله تعالى حيث قال: {ولله ميراث السماوات والأرض}.فضمة الاسم الأول دليله إلى أنه كان مضموماً إلى بال الله، وقد كان الله به عليماً، فوضع مبتدأ اسمه من القالب في موضع ضمة يعلم ورثة آدم عليه السلام قصة شأنه في مبتدأ خلقه؛ ليدركوا به ما يكون من شأنه في جميع متقلبه، ومحياه من طريق علم الفراسة.فأعز الله به الإسلام عزاً حتى صار بمحل أن جاء جبريل عليه السلام فقال: ((يا محمدّ أقرئ عمر السلام، وأخبره: أن غضبه عزٌّ، ورضاه حكمٌ)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1203
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
