حدثنا عمر، ثنا سليمان بن شرحبيل، عن البختري بن عبيدٍ، ثنا أبي، ثنا أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شرب ماءً بثلاثة أنفاسٍ، بدأ فسمى في كل مرةٍ، وحمد بعد كل مرةٍ، سبح ذلك الماء في جوفه حتى يشرب ماءً غيره)).قال أبو عبد الله:فإن صار الماء بعد ما صار مواتاً بالشرب، والاستهلاك حياً في جوفه، فإنما حيي بتلك التسمية، وذلك الحمد بحياة قلب العبد الشارب له.وأما قوله: ((إذا شربتم فمصوه)).لأن اللهاة تيبس من حرارة الجوف، ولهبان الكبد، فتعطش اللهاة، فإذا مص الماء، كان لبث البرودة على اللهاة، وتمكث الروح الذي تضمنه الماء بوروده على اللهاة أكثر، فتسكن العطش، فاستغنى به عن كثرته، وكثرة الماء تتخم، وتبقى تلك التخمة في العروق، فتحدث داء كبيراً،فكثرة شرب الماء ليس محمود عند العلماء بالدين، ولا عند العلماء بالطب؛ لأنه إذا أكثر شرب الماء، امتلأت العروق، فثقلت، وخلص ذلك إلى عروق القلب، فأورثت النوم، فإذا مصه أسرع برودة الماء إلى تسكين عطش اللهاة، فاستغنى عن الازدياد.وأيضاً خلة أخرى: إذا شربه مصاً، كان أرفق لمجراه في العروق، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل عليه أن يرى أحداً يشرب بنفس واحد، وكان يقول: ((لا تعبه عباً؛ فإن الكباد من العباب)).معناه: إذا عب، أضر بالكبد، وذلك أن مجمع العروق عند الكبد، ومنه ينقسم في العروق، فإذا عبه في دفعة واحدة؛ أي: أحدره وصوبه واحدة، فقد أوعب، وكان ذلك بمنزلة نهر فتحت مفتحه، فإذا فتحت بمرة واحدة، فدخل الماء جملةً، لم يؤمن البثق، والفساد، وخرب عضادتي النهر، ففاض وأفسد، فكذلك إذا شربه عباباً في دفعة واحدة صباً لا مصاً، لم تحتمل العروق ذلك، وفاضت من المعدة إلى العروق، فربما كان على الطريق سدد في العروق، واحتبس الماء هناك، من أجل السدة، فروي، فصار خاماً، وقوي البلغم، فحدثت منه أدواء، وأورث ذلك البلغم كسلاً عن عبادة الله وفتوراً، ففيه ضرر للدين، وهذا من حقوق النفس التي أوصاك الله بها في تنزيله فقال: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}، ثم قال: {ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً}.فمن لها عند تفقد إقامة مثل هذه الحقوق التي وصفنا، يوشك أن يؤديه إلى ما أكثر منه، وكان آخذاً بحظه من الظلم والعدوان في هذا القدر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفيقاً على الأمة، ولله ناصحاً، وبالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، عزيز عليه ما عنت الأمة، حريص بالمؤمنين أن يؤديهم إلى الله، مع ذروة الإسلام، وبهاء الإيمان، فعلمهم تناول الشراب والطعام واللباس، وكل شيء للنفس فيه حق، وقال الله تعالى في تنزيله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر}.فطهره الله وأدبه، وأحيا قلبه ونفسه، فقبل أدبه، وصار مهذباً، فأمر بالاتساء به، لمن رجا الله ورجا اليوم الآخر، وجعل الاتباع له علامة محبة الله في قلوب العباد، فقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، فأوجب الله محبته لم اتبعه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1195
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
