حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، ثنا الحارث ابن عبد الله، عن أبي معشرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شربتم، فاشربوا بثلاثة أنفاسٍ، فالأول: شكرٌ لشرابه، والثاني: شفاءٌ في جوفه، والثالث: مطردةٌ للشيطان، وإذا شربتم، فمصوه مصاً؛ فإنه أجدر أن يجري مجراه، وإنه أهنأ وأمرأ)).قال أبو عبد الله:فإنما صار الأول شكراً للمنتبهين عن الله، لما خلص إليه عذوبة الماء ورطوبته، وبرده، تراءى لقلبه لطف الله له في ذلك الماء، كيف جرت ربوبيتهفي ذلك الماء، حتى رطبه وأعذبه وبرده، فكانت رؤيته لذلك شكراً.وأما النفس الثاني: إنما صار شفاء؛ لأن النفس الأول لما كان بهذه الهيئة، أذهب بالداء، وإذا ذهب الداء، جاءت نوبة الشفاء، فلما شكر هذا العبد في النفس الأول، استوجب من الله المزيد، وهو قوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم}، فاجتلب في النفس الثاني المزيد، فصار شفاء؛ لأن البركة قد اشتملت على المزيد.وأما النفس الثالث: فإنما صار مطردة للشيطان؛ للوترية التي فيه، فإن الله تعالى وترٌ يحب الوتر.فالنفس الثالث: محبوبه، والنفس الثاني: شكره لعبده، وهو بمزيده، والنفس الأول: رحمته، فإنما انطرد الشيطان من صدره وقلبه؛ للوترية التي في النفس الثالث.فعلى النفس الأول: سمة رحمته، وعلى النفس الثاني: سمة مزيده، وعلى النفس الثالث: سمة الوتر الذي هو فرد أحدٌ واحد، فوتريته نفت كل خلط في الأعمال مما يريد الشيطان أن يزاوجه؛ لأن الله -تبارك وتعالى- أبدى وتريته؛ لتكون الأعمال لله خالصاً، والشيطان مستعد لأن يزاوج الأعمال بما يورد على القلوب في تلك الصدور، والموحد ينفي مزاوجته بحظه من وترية الله تعالى، حتى يبطل كيده، ويصفو عمله للوتر.ولذلك كانت العلماء تتوخى الوتر في كل شيء.فأهل الباطن نالوا هذا العلم من الذي وصفت في الأصل، وأهل الظاهر اقتدوا بالظاهر من أمر الله -تبارك وتعالى-، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فأما قول الله تعالى في تنزيله: {ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}.ثم لما صار إلى حد العدد، أبدى محبوبه في خلقه الذي خلق، فجعل سرير الملك واحداً، وكرسي القضاء واحداً، وقلم المقادير واحداً، ولوح الأعمال واحداً، والجنة دار الأحباب واحداً، والسجن دار الأعداء واحداً، ثم جعل للجنة سبعة أبواب، وللنار سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، وجعل باباً واحداً، وهو باب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو باب الرحمة، فهو باب التوبة، فهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها، أغلق، فلم يفتح إلى يوم القيامة، وسائر الأبواب باب الأعمال مقسومة على أعمال البر، فباب منها للصلاة، وباب للصوم، وباب للزكاة والصدقة، وباب للحج، وباب للجهاد، وباب للصلة، وباب للعمرة.وأما أبواب النيران: فلكل باب من الكفار جزء مقسوم، فباب منها للشرك، وباب للشك، وباب للغفلة، وباب للشهوة، وباب للرغبة، وباب للرهبة، وباب للغضب.فأما باب التوبة من الجنة الزائد على الأبواب، فليس هو باب عمل، إنما هو باب الرحمة العظمى الذي منه تدخل توبة العباد إلى الله، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا نبي التوبة، ونبي الملحمة)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1190
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
