حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، ثنا عمر بن حفص بن غياثٍ، ثنا أبي، عن الحجاج بن أرطأة، عن قتادة، عن شهر بن حوشبٍ، عن عبد الرحمن بن غنمٍ، عن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو خفتم الله حق خيفته، لعلمتم العلم الذي لا جهل معه، ولو عرفتم الله حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال)).قال أبو عبد الله:فحقيقة الخوف لمن وصل قلبه إلى فردانيته، فامتلأ من عظمة الفردية فيه يعقل الأشياء، بهت في جلاله، فأينما وقع بصره على شيء، وأينما دارت فكره، واطلعت نفسه تلك المطالع، علم العلم الصافي الذي لا يمازجه شبهةٌ، ولا جهلٌ، بمنزلة الشمس إذا أشرق على أهل الدنيا، فضوءه يريك الأشياء كلها، من اللون والهيبة والمقادير، فحيثما وقعت من بلاد الله،فضوءه، معك يريك الأشياء؛ حتى لا يخفى عليك منه شيء، فإنما تمت لك هذه الرؤية بعموم إشراقه على الأشياء كلها، فكذلك شأن القلب، إذا كمل علمه، أشرق نور الله في صدره، وذلك الضوء يريك أمور الملكوت، وأمور الدنيا والآخرة، فذلك قوله: ((لعلمتم العلم الذي لا جهل معه)).فإنما نال هذا العلم بنور الخوف، ونور الخوف: هو ما أشرق في صدره من نور عظمة الفردية، فخاف حق خيفته، وعلم العلم الذي لا جهل معه؛ لأنه يريك ذلك النور باطن الأمور والأسرار التي في الغيوب التي خص الله بالكشف عنها الأنبياء والأولياء.وأما قوله: ((لو عرفتم الله حق معرفته)).فحق المعرفة: أن تعرفه بصفاته العلا، وبأسمائه الحسنى معرفة يستنير قلبك بها، فإذا عرفته بذلك؛ كان دعاؤك عن معرفةٍ، وحسن ظن به، وقد قال: ((أنا عند ظن عبدي بي)).والكريم يستحيي أن يعرف بشيءٍ، ثم لا يكون من ذلك الشيء منه نوالٌ، فما ظنك بعبدٍ يعرف ربه بالكريم، ثم يدعوه فيقول: يا كريم! هل يخيب العارف له بذلك، وقد عرفه بالكلام معرفة يقين، لا معرفة خبر وعلم؟ وقد عرف الموحدون كلهم أن ربهم كريمٌ، ولكن تلك معرفة التوحيد، لا معرفة أهل اليقين.ألا ترى أنهم يعاملونه معاملة اللئام، ولا يأتمنونه على أحوالهم، من ائتمن الله على أحواله، لم يتخير الأحوال، وألقى مفاتيح الأمور إليه، حتى يكون الله هو الذي يختار له.فإذا اختار له ما تكره نفسه، ويثقل عليها، راض نفسه، وأدبها، حتى إذا اختار الله له ذلك، اهتش إلى المكروه، كما يهتش إلى المحبوب؛ ثقةً به، وتفويضاً إليه، فهؤلاء الراضون عن الله، {رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهر خالدين فيها أبداً}، {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه}، فهم أهل الخشية.والذين عرفوه بالكرم معرفة التوحيد، يتخيرون الأحوال، فيهربون من الفقر والذل، ويختارون لأنفسهم أحوال المحبوب، ويطلبونها، ويدبرون لأنفسهم أموراً، فمنها ما يقضى لهم، ومنها ما لا يقضى، فإذا جاءهم المكروه من الأمور، وذلك له صنعٌ من الله جميلٌ، رأيت له نفساً دنيةً لئيمةً وخلقاً شكياً، وظناً سيئاً، فلا يزال ذلك السوء يتردد في صدره حتى يتكدر عليه عيشه، فإن كان صاحب تقوى، اتقى الله بجوارحه وصدره بهذه الصفة، وإن خذل، فترك تقواه، خرج ذلك من صدره إلى الجوارح، فافتضح عند الملائكة، وعند عقلاء خلقه في أرضه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1186
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
