حدثنا بذلك إبراهيم بن يوسف، قال:حدثنا عبد الواحد بن زيادٍ، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله.وهو كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من أعطي الشكر، لم يمنع الزيادة، ومن أعطي الدعاء، لم يحرم الإجابة، ومن أعطي التوبة، لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستغفار، لم يمنع المغفرة)).فإنما صار هكذا؛ لأنه لما أعطي النور، وصل العبد إلى حقيقة الشكر، وحقيقة الدعاء، وحقيقة الاستغفار، ولم يمنع المغفرة، وإنما وعد الله العباد على حقائق أعمالهم، فقال: {ادعوني أستجب لكم}، وقال: {لئن شكرتكم لأزيدنكم}.وإنما وقع هذا على أن يشكره بحقيقة الشكر، ويدعو بحقيقة الدعاء، فإذا أعطي النور، وصل العبد إلى حقيقة الشكر، وحقيقة الدعاء، فأعطي ما وعد عليه، فلذلك قيل لذلك: عطاء.وقد فسرنا ذلك على وجهه مشروحاً في بابه فيما تقدم من هذا الكتاب، فكذلك حسن الظن، إذا كان عطاء، فإنما يأتيه نور من الله مدداً لذلك النور، فاستنار الصدر، وانقشعت الظلمة، وبرز ما أداه نور التوحيد، وهي حسة القلب إلى الفؤاد أدى ذلك إلى الصدر على الثقة بصنائع ربنا كرماً، وجوداً، ومجداً، وعلى أحسنه وأجمله، فاستقام القلب، فتصور في الصدر صنائع ربنا بالعبد من كرمه، ومجده ولطفه، وعطفه، فاستقرت النفس، واطمأن القلب.فذلك حسن الظن بالله الذي من طريق العطاء.فإذا لم يكن من طريق العطاء، فهو النور الطواف حول القلب، فإذا هجست النفس بحسها، والصدر مضيء بذلك النور، جاءت حسة القلب مخبرة عن نور التوحيد بكرم ربنا، ورحمته، وعطفه، وصنائعه، فتصور في ذلك الضوء، واستقرت النفس، وقبلت ذلك، وذلك بمشيئة الله، فإذا كانت مشيئة الله في العبد غير ذلك، وفارت النفس بفور شهواتها، ودحريقها، والتفت النور إلى ما جاءت به النفس، فخذلت فغاب ذلك النور في ظلمة هذا الصدر، وبقيت هواجس النفس عاملة على القلب، فقال الله -تبارك اسمه-: ((أنا عند ظن عبدي بي)).معناه: أن القلوب بيدي، لم أكلها إلى أحد سواي، فأنا عند قلوب عبادي، وعند ظنونهم، فإذا ظن بي حسناً، حققت له ذلك، ولم أخيبه، فإذا ظن بي سيئاً، وكلته إلى سيئ ظنه، وتخليت عنه؛ لأني قد أعطيته من النور في القلب ما يؤدي إلى الصدر، وأعطيته في الصدر ما يضيء له، فيتصور له ما يؤدي القلب إليه، فإنما ضاع ذلك الضوء؛ لقوة ما أتت به النفس من دخان شهواتها، فالعبد ملوم على تقوية الشهوات؛ لأن تقوية الشهوات من استعمالها، فإذا استعملها، فقد قواها، وذلك بمنزلة أتون أو تنور، كلما ألقيت فيه الحطب، ازداد تلظياً ودخاناً، وإذا أمسكت عنه الحطب، انقطع الدخان، وسكنت الحرارة.ألا ترى إلى قوله: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله}، ثم قال: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}، فنسب الفعل في مبتدئه إلى الأموال والأولاد، فهما يلهيان القلب، ثم قال: {ومن يعمل ذلك فأولئك هم الخاسرون}، فعوقب العبد عليه،ونسب إليه بتركه تعاهد القلب حتى استولت النفس عليه، وألهته عن ذكر الله.فالظن ظنان:ظن عطائي: فذلك الذي تستقر عليه النفس، ويطمئن القلب، ويوفي له بذلك، ولا يخيبه.والظن الآخر: ظن خالطه تهمة، فلم يطمئن القلب، فإن خيب، فغير مستنكر.قال له قائل: كيف يكون قرار القلب عند ذلك الظن؟قال: أضرب لكم مثلاً كي تفهموه -إن شاء الله-: رجل خرج في مفازة، وبه حاجة إلى الماء، فوجد على طريق المفازة رجلاً يعرفه باسمه وشخصه، معه ماء، فسقاه ماء، ثم خرج مرة أخرى كذلك، وبه حاجة إلى الماء، فأبصر ذلك الرجل في ذلك المكان من بعيد، فطمع أن يسقيه، بحسن ظنه به، ثم وجد في نفسه حزازة مخافة أن لا يسقيه، فلم يستقر قلبه على حسن الظن به، حتى مازجه بسوء الظن، فعرف هذا الرجل ذلك منه، فخيبه، فكان حقيقاً.ورجل خرج في مفازة، وبه حاجة إلى الماء، فوجد على طرف المفازة أمه، وبيدها ماء، فسقته، ثم خرج مرة أخرى كذلك، فوجدنا كذلك على طرف المفازة، فلما نظر إليها، لم يجد في نفسه حزازة، وسكنت نفسه إلى علمه برأفة أمه، وتحننها عليه، فلو خرج على هذه الصفة مئة مرة، فوجدها كذلك، لم تحز نفسه، ولم تدخله تهمة في أمه أن لا تسقيه، فذاك لعلمه برأفة أمه، قد اطلعت نفسه على ذلك من رأفتها مطلعاً لو قيل له غير ذلك، لم يصدق، ولم تضطرب نفسه على ذلك منها، فإنما وثق بها من قبل علمه برأفتها به.فالعبيد الموحدون إنما ظفروا بتوحيده لما أدركتهم رأفته، ورحمته، فوحدوه، ثم مع رأفته ورحمته عليهم، ستر عنهم رأفته ورحمته، ولو كشف عن القلب ذلك الغطاء حتى يعاينوا رحمته ورأفته معاينة اليقين منهم، ومعهم شهواتهم التي ركبت فيها، إذاً لاستبدوا، وجمحت بهم شهواتهم، فركبوا العظائم من الأمور، وضيعوا الحدود، فإذا ضيعوا الحدود، فسد التدبير في معاشهم، وخلق النار لأعدائه، ثم أشاع في المؤمنين خبرها ووصفها، كي يكون زجراً لنفوسهم، وقمعاً لشهواتهم، وستر عنهم الرأفة والرحمة التي ينالونها بحظوظهم منه، كي لا يستبدوا ويفسدوا.فمن أدب نفسه، وقمعها، وراضها، ورفض شهواتها، انكشف الغطاء عن قلبه، فبالمعرفة استنار قلبه، ونظر إلى رأفته، ورحمته، وعطفه، وشفقته لم يكن بقي في نفسه من قوة الشهوة ما يستبد، ويجمح على حق الله تعالى، ففي النوائب يحسن ظنه بالله، ثم لا يحيك في نفسه شيء لمعرفته برأفته ورحمته، فاستقر قلبه، فهو الذي يقول له: ((أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)).معناه: أنه يجدني قريباً وفياً بما أمل ورجا، وإنما يحسن ظن من انفرد له بين يديه، وأعرض عن نفسه، ورفع عنه بالها، وانكشف له الغطاء عن رأفته ورحمته، فاستقر قلبه، والآخر صاحب شهوات، واشتغال بنفسه، لو انكشف له الغطاء عن رأفته عليه، لأفسد أمره، وضيع حدوده، وركب شهواته، واستبد، واجترأ، فستر رأفته عنه، حتى يكون في مخافة وحذر.ألا ترى أن الأنبياء -صلوات الله عليهم- لما سكنت شهواتهم، وماتت نفوسهم، وحييت بالله قلوبهم، بشروا بالنجاة، وبشر رسولنا صلى الله عليه وسلم بالمغفرة؛ للزائد من الخوف له من الله، والهيبة له والتعظيم، فلم تضره البشرى، بل زاده ذلك حتى تورمت قدماه من القيام بين يدي الله تعالى؛شكراً لله تعالى، فأثقال المنة عملت فيه حيث من الله عليه بالبشرى ما لم تعمل قبل ذلك في غيره.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1173
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
