حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفضل بن دكينٍ، قال: حدثنا سلمة بن وردان الكناني الجندعي، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ترك الكذب وهو باطلٌ، بني له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محقٌّ، بني له في وسط الجنة، ومن حسن خلقه، بني له في أعلاها)).فترك الكذب هو ترك الشرك، ولا كذب أعظم من الشرك، فمحل تاركه في ربض الجنة، وهو أدانيها، وهذا الصنف هو الظالم.وترك المراء إذا اقتضاه الحق أمراً لله؛ من أداء فرائضه، واجتناب محارمه: أن يخضع للحق، ولا يماريه، فيذهب برفضه فرض الله تعالى في أمره ونهيه، فهذا مقتصد محله في وسط الجنة.وأما حسن الخلق، فإن الله -تبارك وتعالى- دبر لعبده من قبل أن يخلقه شأنه من الرزق، والأحوال، والآثار، كل ذلك مقدر موقت، يبرزه له في وقته كما قدره، والعبد ذو شهوات قد اعتادها، وتخلق بها، ودبر الله لعبده غير ما تخلق به من الشهوات، فمرة سقم، ومرة صحة، ومرة غنى، ومرة فقر، ومرة عز، ومرة ذل، ومرة مكروه، ومرة محبوب.فأحوال الدنيا تتداوله، ولا ينفك من قضائه وتدبيره، والعبد يدبر ما وافقه واشتهاه، وتدبير الله فيه غير ذلك، فإذا راض نفسه وقمعها، وخشعت لله بما أيده الله من نور اليقين، حسن خلقه، واستقام قلبه، فقد ترك جميع مشيئاته لمشيئة الله تعالى، ينتظر ما يبرز له من تدبير الله في جميع أحواله، فيتلقاه بهشاشة قلب، وطيب نفس، فهذا أحسن الخلق، فمحله في أعالي الدرجات.فالأول: ظالم، والثاني: مقتصد، والثالث: مقرب.وسوء الخلق حجاب بين العبد وبين ربه؛ لأن سوء الخلق من نفسشهوانية، والنفس ما لم تمت شهواتها لا تنقاد للحق، ولا يتخلص القلب من مخاليبها، ولا يبرأ الإيمان من سقمه، وهوى النفس سقم الإيمان.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا: أنه قال: ((رأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه، وبينه وبين الله حجابٌ، فجاءه حسن خلقه، فأدخله على الله تعالى)).فحسن الخلق على ثلاث منازل:أولاها: أن يحسن خلقه مع أمره ونهيه.والمنزلة الثانية: أن يحسن خلقه مع جميع خلقه.والمنزلة الثالثة: أن يحسن خلقه مع تدبير ربه، فلا يشاء إلا ما يشاء له ربه.ومن أسوأ خلقاً من رجل دبر الله -تبارك وتعالى اسمه- سقيا لعباده وبلاده من بركات السماء، فجعل فيه أرزاقهم، وأرزاق حيوانهم، ومعاشاً لهم، فهو بتدبيره ولطفه يحيي بذلك أمة من الأمم، والعبد يكرهه ويأباه من أجل أنه في أرض براز، فتبتل ثيابه، أو ينفى عن سفر يريده، فهذا العبد إنما ثقل عليه تدبير الله لهذا الخلق؛ لشهوته لذلك العمل الذي هو فيه، ولو كان ميت الشهوة، أعماله عبودةٌ لله تعالى، ما كان ليثقل عليه تدبيره.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1169
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
