حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قلنا: يا رسول الله! هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: ((يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة، أو يتنحنح، فيؤذن أهل البيت)).فالاستئناس: تنبيه، والاستئذان: عهد، فندب إلى أن يبدأ بالتنبيه، ثم بالعهد، فيكون آكد للعهد، وأقوى للحجة، فإنه إذا فوجئ بالسلام، والإنسان في غفلة، والعقل عازب عنه، مشغول بغير ذلك، كانت الحجة عليه غداً أضعف أن يقول: فوجئت بالسلام، وعوجلت به، فلم أقبله بالتثبت.ألا ترى أن الله -تبارك وتعالى اسمه- (خاطب الخلق، فدعاهم مرة بأسمائهم، ومرة بكناهم، فقال: {يأيها الناس}، فهذه أسماؤهم)، ثم قال: {يأيها الذين آمنوا}، وهذه كناهم، فقدم على الدعوة تنبيهاً، فقال: {يأيها}، وإنا هو: يا، ويا: كلمة تنبيه، إنما هل حروف ذات أصداء؛ لينبهك عما أنت به مشتغل؛ ليرجع إليك عقلك بصوته.ثم قال: أي، وهي كلمة الفتش مضمر فيها من.ثم قال: ها، فهو تنبيه آخر، مشيراً إلى شيء معلوم عينه.ثم قال: {الذين آمنوا}، فكناه كأنه يعني بها: ذا؛ أي: بقولي ما دعوت دعوة تنبيه، ثم قلت: أي؛ أي: أيهم أريد بدعوتي.ثم قلت: هذا؛ أشير إلى من أذكر اسمه أني أريده بدعوتي، ثم أبرزت اسمه، أو كنيته، فقلت: الناس، أو الذين آمنوا، فهذه التنبيهات من إلقاء العذر، وإتمام الحجة: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}، و ((لا أحد أحب إليه العذر من الله، ولذلك بعث الرسل)).وروي لنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عنه أيضاً: أنه قال: ((يعتذر الله إلى آدم بثلاثة معاذير يوم القيامة)).وروي عنه أيضاً أنه قال: ((إن الخلق يعرضون ثلاث عرضاتٍ،فعرضتان جدال ومعاذير، وفي العرضة الثالثة تطاير الصحف)).فقال هاهنا: {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}.فالاستئناس: تنبيه، ثم يكون التسليم بعده، والتسليم كان عندهم الاستئذان، فإذا رؤوا، جاء الإذن بعد ذلك، {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا}.وأدنى الاستئناس: النحنحة، وأعلاه: ذكر الله، فيسر عليهم الأعلى، والأدنى، فقال: تسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة، ثم ذكر الأدنى.وإنما قيل: استئناس؛ لأن الحس حس المجيء قد يختلف، فإذا سمع الحس، لم يدر السامع ما هو، ولعله سبع من السباع، أو بهيمة، أو داهية من الدواهي، فإذا تنحنح، عرف هذا أنه من جنسه، فأنس به؛ لأن الآدمي إنما يأنس بجنسه، ويتوحش من غير جنسه، فأعلاه: تسبيحة، أو كلمة نحوها؛ ليعلم هذا السامع أنه أخوه المسلم، فذاك أفضل، فربما كان تنحنح ذا شبهة لا يعرف السامع مسلم هو أو كافر، ولي هو أو عدو؟ فدخله روعة لمجيئه، فإذا ذكر الله، كان أوفر للاستئناس.وإنما قيل: استفعال؛ كأنه يدل على أنه يفعل فعلاً يستدعي أنسه إلى نفسه حتى يأتلفا.والعجب من هؤلاء الرواة، أحدهم يروي عن ابن عباس: أنه قال في قوله: {حتى تستأنسوا وتسلموا}: هو خطأ من الكاتب، إنما هو: حتى تستأذنوا وتسلموا.وما أرى مثل هذه الروايات إلا من كيد الزنادقة في هذه الأحاديث، إنما يريدون أن يكيدوا الإسلام بمثل هذه الروايات، فيا سبحان الله! أكان كتاب الله بين ظهراني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مضيعة، حتى كتب الكتاب فيها ما شاؤوا، أو زادوا، أو نقصوا؟!وروي عنه أيضاً: أنه قال: هو خطأ من الكاتب قوله: {أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً}، إنما هو: أفلم يتبين.فهذه كلمات إنما تتغير معانيها بزيادة حرف، ونقصان حرف، أفيحسب ذو عقل أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أهملوا أمر دينهم، حتى فوضوا عهد ربهم إلى كاتب يخطئ فيه، ثم يقرؤها أبو بكر، وعمر، وأبي بن كعب -رضي الله عنهم أجمعين- حيث جمعوه في خلافة أبي بكر، ثم من بعده مرة أخرى في زمن عثمان رضي الله عنه فقاروهم على الخطأ.هذا كلام أحد رجلين: جاهل لا يعرف ما وراء هذه الكلمة، أو ملحد يريد أن يكيد الدين، فليس فيما رواه أبو أيوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الاستئناس ما يبطل رواية من روى عن ابن عباس رضي الله عنه أن هذا خطأ من الكاتب.قال له قائل: فقد روى شعبة هذا الحديث عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الكاتب أخطأ في ذلك، وإنما هو: حتى تستأذنوا.قال: هؤلاء رواة إنما ينكر هذه الأشياء ويدفعها الرعاة، والرواة كالطواف والخدم، ليس لهم من الطعام إلا الشم، إنما الحظ من الطعام للأكلة، والعارف بالطعام الطهاة، وصاحب المطبخ، فأما الذين يتداولون القصاع على أيديهم طوافاً وخداماً، فهم جياع، ليس لهم إلا المشام، فكذلك الرواة، ما يدري مثل شعبة ما غور هذا، وإنما هو نقال، فإذا خرج من نقله، لم يبق معه إلا ذرو الكلام، وأين مكان أبي بشر من هذا الدين والعلم حتى تصغي إليه الأذن؟! هؤلاء شيوخ منسوبون إلى العبادة، فللزنادقة وأهل كيد الدين فيهم مطمع أن يدسوا إليهم مثل هذا، كما دس الكلبي، وأبو صالح تلك المناكر في تفسير ابن عباس.قال له قائل: فإن كان هؤلاء رواة من الرعاة؟قال: الذين عن الله عقلوا، وعن تدبيره فهموا، أو هم المقربون أهل اليقين، وقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله -تبارك وتعالى-: أنه قال: ((فإذا أحببت عبدي، كنت سمعه وبصره، وفؤاده ولسانه، فبي يعقل، وبي يبصر، وبي يسمع، وبي ينطق)).فهذا الذي ينفي مثل هذه الأشياء، ويدفعها، فإذا نفاه ودفعه، فبه ينفي، وبه يدفع؛ لأنه به يعقل، وبه ينطق، فهو حجة الله على خلقه، وراعي غنمه، وطبيب عباده، فمن عارضه، هلك وهو لا يشعر.فكم من منتحل لهذا العلم الظاهر عارض هذه الطبقة التي ولي الله أمرها، ولم يعرفها بالتيه الذي فيه، فاستخف بها، ولم يعلم أن صفوة العلم الذي في يديه عند هذه الطبقة، وأنهم قد طالعوا تدبير الله في هذا العلم الذي عندهم، فقبلوه على بينة من ربهم، فلم يخرج المعارض من الدنيا حتى صغره الله، وحل به عاقبة السوء، ولهذا ما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عن ربه -تبارك وتعالى-: ((من آذى لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأسرع شيءٍ نصرةً لأوليائي، أفيظن أن يفوتني كيفٌ، وأنا الثائر لهم؟)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1164
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
