حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحكم بن المبارك، قال: حدثنا بقية، قال: حدثني بكر بن حذلمٍ الأسدي، قال: حدثني وهب بن أبان، عن عبد الله بن عمر: أنه خرج في سفرٍ له، فإذا بجماعة على طريق، فقال: ما هذه الجماعة؟ فقالوا: أسدٌ قطع الطريق، قال: فنزل، فمشى إليه حتى قفده بيده، ونحاه عن الطريق، ثم قال: ما كذب عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إنما يسلط على ابن آدم من يخافه ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يخف غير الله، لم يسلط الله عليه غيره، وإنما وكل ابن آدم لمن رجا ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله، لم يكله الله إلى غيره)).وقال الله -جل ذكره- لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واصبر وما صبرك إلا بالله}، يعلمه أنه لا يتم له ذلك إلا بعون من الله، وغياث منه.وأما قوله: ((وما أعطي عبدٌ عطاءً هو أوسع من الصبر))؛ لأن الصدر قد انشرح، واتسع للنور الوارد على قلبه، فإذا اتسع الصدر، يسرت عليه الأمور كلها، وهو قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه}، فإذا استقر النور في القلب، انفسح الصدر وانشرح، وألقى بيديه سلماً لمولاه في أمره ونهيه، وجميع أحكامه عليه، وتدبيره له، ولم يبق للقلب منازع؛ لأن النفس إنما تذل، وتنقمع، وتموت شهواتها، وتلقي بيديها حين يشرق الصدر، فيحل بها من ذلك الإشراق خوف الله، وخوف عقابه.ثم يزداد النور، فتدخله الخشية، وهو نور القربة، فيحل بها الرهبة من الله، ثم يزداد النور، فتدخله العظمة، فتحل بها الهيبة من الله، والخوف الخالص منه، فتيبس، وتذهب شهواتها، وتخشع لله، وتصير تابعة للقلب، فمنه بدأ أول النور، فوجد العبد متسعاً في صدره، فقيل: صابر، ثم زيد، فهو صابر قانع، ثم زيد، فهو صابر راضٍ مراقب، ثم زيد، فهو صابر راضٍ مراقب واله، ثم زيد، فهو منفرد، قد انفرد لربه، ولها عن الصبر والرضا، والمراقبة، والوله، وهذا كله له، والانفراد غالب عليه، فهو في قبضته يستعمله، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن الله عز وجل حيث يقول: ((كنت سمعه وبصره، ويده ورجله، ولسانه وفؤاده، فبي ينطق، وبي يعقل، وبي يمشي، وبي يبصر، وبي يبطش)).وهو قول عمر -رضي الله عنه- حيث شج عليٌّ رضي الله عنه ذلك الرجل، فأتى عمر رضي الله عنه، فقال: من فعل بك ويحك؟! قال: علي، فسأل علياً، فقال: إني مررت به، فأصغيت إليه بسمعي، فإذا هو يكلم امرأة بكلام، فلم أملك حتى ضربته، فقال عمر: أيها الرجل! أصابتك عين من عيون الله عز وجل،وإن لله في الأرض عيوناً.والصبر: هو ثبات النفس على حكم الله، وتدبيره، وأمره، ونهيه، ويرمي بشهوته، ومنيته، والنفس لا ترمي بذلك، حتى تبصر ما هو أفضل من شهواتها ومنيتها، وإنما يبصر ذلك بذلك النور الوارد على القلب فتطيب، وتستقر، وتوقن، فأي شيء أوسع منه، وبذلك يثقل ميزانه، ويملأ منه ميزانه، وسعة كفة الميزان سعة السماوات والأرض.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1156
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
