حدثنا قتيبة بن سعيدٍ، عن مالك بن أنسٍ، عن ابن شهابٍ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تصبر، يصبره الله، ومن يستعفف، يعفه الله، ومن يستغن، يغنه الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسع من الصبر)).فأما قوله: ((من تصبر، يصبره الله، ومن يستعفف، يعفه الله، ومن يستغن، يغنه الله)).فإن الله -تبارك اسمه- أعطاهم العقول، ومن عليهم بالإيمان، فالصبر والعفة والغنى إنما يخرج كله من الإيمان، فإذا أعطي الإيمان، فقد أعطي هذا كله.فبقوة الإيمان يصبر على طاعة الله، ويستعف عن محارم الله، وعن تناول شبهات الدنيا، ويقوم في العبودة على سبيل الاستقامة، ثم لا يتم له ذلك إلا بعون من الله؛ لأن النفس تقوم بهدم ذلك كله، وتدعو إلى خلافه، فوقع العبد في مجاهدة معها، فلولا عون الله للعبد، لمالت به النفس، ولكن سبيل العبد أن لا يتخير، فإذا جاءه موضع الصبر، فصبر، وعزم عليه، فوشيكاً يجيئه العون من الله، فوجد اليسر في أمره، فذاك عون الله، ومن قبل ذلك كان عليه ثقيلاً، دخل في الأمر مع الجهد؛ لأن النفس تأبى ذلك، فدخلت فيه بإكراه صاحبها لها على ذلك، فجاءه العون من الله، فيسير عليها، وعلى ذلك دل عباده بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين}.فأمره بالعبادة، وسؤال العون، فما لم يقدم العبد على ذلك، فسؤاله المعونة كالمحال، وذلك أنه أعطي القوة على القيام بما أمره الله، إلا أن النفس قامت تدعو إلى خلاف ذلك، فجاءت بشهواتها تريد أن تغلب القلب على ما أمن، فاحتاج عند مجاهدة النفس إلى عون من الله، وهو نور يرد على القلب، فيستنير الإيمان، ويمتزج به النور، فيقوى القلب، وتذل النفس، وتخمد شهواتها؛ لأن الخوف يحل بها من النور الوارد، فتذل النفس.فينبغي للعبد أن يقدم على كل أمر أمرَ به، وأن ينتهي عن كل ما نهي عنه بما أعطي من العلم، والعقل، والإيمان بالله، وذلك مع جهد شديد، وينتظر العون من الله، ولا يلقي بيديه إلى التهلكة، وكذلك التوبة، يخرج إلى الله من جميع ما نهي عزماً بالقلب، وجهداً على النفس، وتخلياً بالأركان مع عسر، وشدة، وجهد، فإذا العون من الله قد جاء، فيسر عليه كل ذلك، ولم يأمرنا الله أن نقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} على العبودة، ثم يحبس عنا العون، ما هذا بمظنون به، وقال: {فإن مع العسر يسراً}، فأخرج العسر مخرج المعونة، واليسر نكرة؛ كأنه يقول: {فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً} آخر، لا هذا، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يغلب عسرٌ يسرين)).فاليسر الأول: هو ما أعطي العبد من الآلة، والعلم، والمعرفة، والقوة، فلولا النفس التي تحارب صاحبها بدفع ما يريد، وإفساده عليه، لكان الأمر قد تم، فإنه قد أعطي يسراً بأنه يقوم بالأمر الذي قد أمر، ولكن جاءت النفس بشهوتها، والعدو بكيده، فاحتاج العبد إلى يسر آخر، فوعده، فقال: عسر عليك الأمر، فأعطيتك مع العسر يسراً.ثم قال: {إن مع العسر يسراً} فيسراً قبل الأمر، وهو اليسر الأصلي، وهو حجة الله على عبده، وقال الله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ويسراً بعد الأمر حين يأخذ فيه، وهو العون له، فإذا جاء العون، انهزمت النفس، وخمدت الشهوة، وهرب العدو، وبطل كيده، فهذا يسر، فهما يسران لن يغلبهما هذا العسر الذي بينهما، وهو مجاهدة النفس حتى يأتيك بحربها وجهادها؛ ليصدك، ويقهرك بشهواتها، فذلك عسر قد حل بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يغلب عسرٌ يسرين)).فبشرهم أن العبد إذا لم يلق بيديه وبصره، واستعمل ما أعطي من اليسر في وقت هذا العسر الذي عارضت النفس به، جاءه اليسر الثاني،ولن يغلب هذا العسر هذين اليسرين، واليسر الثاني هو عونه، وهو عطف الله على العباد ورحمته، وإذا عطف على عبده، لم يبق للنفس عليه سبيل، ولا للعدو فيه مطمع؛ لأنه قد جاءه من العطف مدد، وجند عظيم، وهو نوره الذي قد أثار نور التوحيد، فصار كجمرة قد طار عنها غبارها، فأخذت تتوقد وتضيء.فقوله: ((من تصبر، يصبره الله))؛ أي: يستعمل ما أعطي من الصبر الذي يخرج له من الإيمان، فإذا فعل ذلك، صبره الله؛ أي: جاءه المدد والعون، حتى يتم له صبره في يسر.وكذلك قوله: ((من يستعفف، يعفه الله)).وأما قوله: ((من يستغن، يغنه الله))؛ فإن التجأت إليه في الحوائج صدقاً، فهو أكرم من أن يردك ويلجئك إلى عبيده.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1154
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
