حدثنا أبو عبد الله محمد بن عامرٍ البراجاني، قال: حدثنا أخي الليث، قال: حدثنا أبو القاسم بن المختار الزبيدي ببغداد، قال: حدثنا الفضل بن جبيرٍ الوراق، قال: حدثنا أبو هاني الأوقص، عن هشام بن حسان، عن عمران بن حصينٍ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم لا تجعل الخلافة في ولد عليٍّ)).ومن حديث آخر: ((ويلٌ لأمتي من آل أبي طالبٍ، ويلٌ لآل أبي طالبٍ من أمتي)).وإن هذه الطائفة الزائغة قلوبهم، المفتونة بحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نسباً، ما زالت بهم فتنتهم حتى عمدوا إلى كل شيء من مثل هذه الأشياء، فنسبوه إليهم، وحرموا غيرهم ذلك إعجاباً بهم وفتنة، وأن الله تعالى فضلهم بأن طيب عنصرهم، وطهر أخلاقهم، فاختار قبيلتهم على القبائل بذلك، فلهم حرمة التفضيل، والأثرة، ولهم حرمة الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحق علينا أن نحبهم حباً لا يرجع علينا بوبال، وظلمة، فإن النفس قرينها الشيطان، وهي أرضية شهوانية تخف بزينتها وهواها، فتميل مع كل ريح شهوة، فجاءت بأحاديث مختلفة، وأكاذيب منكرة تنكرها عقول الصادقين، حتى أداهم ذلك إلى أن طعنوا في إمارة الشيخين المهديين المرضيين اللذين كان علي رضي الله عنه يؤدب وينكل بمن فضله عليهما، ويقول: لا أجد أحداً يفضلني عليهما، إلا جلدته حد المفتري.فبلغ من إفراط هذه الطائفة أن رووا أحاديث مختلفة، حتى رووا أن محمداً صلى الله عليه وسلم يبعث لمقام الشفاعة على ألف مرقاة من منبره، وعلي إلى جنبه دونه بمرقاة، فيناوله الله مفاتيح الجنان، فيناولها علياً ليدخل من يشاء، فبمثل هذا يريدون أن يقيموا لعلي رضي الله عنه فضيلة، وقد فضل الله علياً بأشياء كثيرة قد أغناه الله عن مثل هذه الأكاذيب، فتركوا لظلمة قلوبهم تلك الأشياء، وأقبلوا على الكذب والزور بشقاء جدهم، وزيغ قلوبهم، وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}: أن أهل البيت إنما هم علي وفاطمة، والحسن والحسين رضي الله عنهم، فكيف يجوز هذا؟ ومبتدأ الخطاب بين، وهو كلام منسوق بعضه على إثر بعض إلى آخره، فكيف ينصرف في الوسط إلى غيرهم، وهو على نسق ونظام واحد؟.فقال: {يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراجاً جميلاً. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً}.ثم قال: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشةٍ مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقاً كريماً}.ثم قال: {يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرضٌ وقلن قولاً معروفاً. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً}.ففي أوله ذكر، فقال: {يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرضٌ وقلن قولاً معروفاً} فقال: {وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}.فقال من بعده: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات} فكيف صارت هذه المخاطبات كلها لنساء النبي صلى الله عليه وسلم قبلاً وبعداً، وصار في الوسط كلاماً منفصلاً لغيرهن، والكلام منسوق متصل بعضه ببعض؟! أليس هذا عناداً ومكابرة واستبداداً؟! وإنما ينظر في مثل هذا إلى اللغة المعقولة، وما عليه بني الكلام، فلا ينبغي أن يترك الأصل المنير بقول الكلبي وأشباهه من هؤلاء المفتونين، فإنا نجد الكلبي [أتى] بأشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح، لمنعوه عن ذلك، وحجروا عليه، وإنما يروج الكلبي وأشباهه مثل هذا على هؤلاء الأغنام من منتحلة العلم الذين جل علمهم هذا السواد في البياض، اقتصروا عليه، وغاب عنهم ما في باطن ذلك السواد، فرب كلمة منها معان بما فيها يملأ وادياً، فيصير نهراً، وما من علم ظاهر إلا وله حكمة، والحكمة ما بطن، يؤتيه من يشاء، قال الله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}.فالعلم الظاهر هو الذي سودوه من هذا البياض بالتخليط، وغاب عنهم أصل العلم، وعجزت أفهامهم، وإلا، فكيف يجوز أن يروج عليهم مثل هذه الأشياء، فيقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}: إنها نزلت في علي، وفاطمة، والحسن، والحسين خاصة، والخطاب موصول بعضه ببعض من قوله: {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}.فقوله: {عنكم} هذه الكاف كاف الخطاب على من يقع، ثم قال على إثره: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن} فكيف صار ذلك الكاف الثاني خطاباً للنساء، والكاف الأول خطاباً لعلي وفاطمة، وأينذكرهما في هذه الآيات؟ وإنما هذا شيء جرى في الأخبار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية، دخل عليه علي، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء، فلفه عليهم، ثم ألوى بيده إلى السماء، فقال: ((هؤلاء أهلي، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً)).وهذه دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب المفتون، فصيرها لهم خاصة، وهي في الأصل دعوة لهم خارجة من التنزيل.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1143
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
