حدثنا بذلك قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدثنا ابن لهيعة. معناه على ما وصفناه بدءاً: أنه يصير قلبه خالياً عن ذكر كل شيء، ويتفرد للفرد الواحد، فيأنس به، ويطمئن إلى حكمه، فلم يبق فيه شيء من النفاق، فإذا غلبت شهوة أو رغبة، أو رهبة أو غضبة، فملكته نفسه، صار إيمانه في قلبه كشمس قد انكسفت، فذهب ضوءها، فجاءت النفس، فطالبها بظلمها وداهيتها، فإنما سأل إيماناً دائماً؛ أي: يدوم له شمسه،فلا ينكسف حتى يكون صدره مستنيراً بنور اليقين في كل أمر.قوله: ((قلباً خاشعاً))، فهو الذي قد ماتت شهواته، فذلت النفس لله تعالى، وخشع القلب بما طالع من جلال الله وعظمته.وقوله: ((علماً نافعاً))، فهو العلم الذي قد تمكن في الصدر، وتصوره، ذلك أن النور إذا أشرق في الصدر، تصورت الأمور حسنها، وسيئها، ووقع لذلك ظل في الصدر، فهو صورة الأمور، فيأتي حسنها، ويجتنب سيئها، فذلك العلم النافع من نور القلب، خرجت تلك العلائم إلى الصدر، وهي علامات الهدى والعلم الذي قد تعلمه، فذاك علم البيان إنما هو شيء قد استودع الحفظ، والشهوة غالبة عليه، قد أحاطت به، وأذهبت بظلمتها ضوءه.قوله: ((ويقيناً صادقاً))، فاليقين على وجهين:وجه: أن يوقن يقيناً ينفي الشك، ولا يغلب الشهوة، وهو يقين التوحيد.واليقين الآخر: نور مشرق للصدر، غالب للشهوات، صارت لهأمور الدنيا والآخرة، وأمر الملكوت معاينة، قد ورث قلبه الخشية، والمحبة، والهيبة، والتعظيم لله.قوله: ((وديناً قيماً))، والدين: الخضوع لله بأمره ونهيه، وأن يكون سيره إليه في الشريعة على سبيل الاستقامة، لا زيغ فيه ولا بدعة، وهو كما وصف الله عز وجل في تنزيله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}.فأمروا أن يعبدوا الله، فيحلوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، ويؤدوا الفرائض، ويجتنبوا المساخط، فإذا دان الله بغير ما شرع الله له في الشريعة، لم يقبل منه، وليس ذلك بالدين القيم، بل هو ساقط، هذا أدناه.وأعلاه: أن يدين لله، حتى لا يلتفت إلى أحد سواه، فيكون هو ثقته وملجأه ومفزعه، ولا يطمئن إلى أحد سواه، فيكون هو متعلق قلبه، فهذا أعلا الدين القيم.قوله: ((والعافية من كل بلية))، فالبلاء على ثلاثة أضرب:منها: تعجيل عقوبة للعبد.ومنها: امتحان ليبرز ما في ضميره، فيظهر لخلقه درجته، أين هو من ربه.ومنها: كرامته؛ ليزداد عنده قربة وكرامة.فأما تعجيل العقوبة، فمثل ما نزل بيوسف عليه السلام من لبثه في السجن، بالهم الذي هم به، ومن لبثه بعد مضي المدة في السجن بقوله: {اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين}.وأما الامتحان: فمثل ما نزل بأيوب عليه السلام، قال: الله عز وجل: {إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوابٌ}.وأما الكرامة: فمثل ما نزل بيحيى بن زكريا عليه السلام، الذي لم يعمل خطيئة، ولم يهم بها، فذبح، وأهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فسأل العافية من ذلك كله.والعافية: أن يكون في كل وجه من هذه الوجوه إذا حل به شيء من ذلك أن لا يكله إلى نفسه، ولا يخذله، ويكلأه، ويرعاه في كل هذه الوجوه، هذا وجه.والوجه الآخر: أنه يسأله أن يعافيه من كل شيء فيه شدة؛ فإن الشدة إنما يحل أكثرها من أجل الذنوب، فكأنه سأل أن يعافيه من البلاء، ويعفو عنه الذنوب التي من أجلها تحل الشدة بالنفس، فقد قال عز وجل:{وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم}، وقال: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر}.قوله: ((ودوام العافية)) بأن تدوم، له، ولا تنقطع.وقوله: ((وتمام العافية))، فأن تكون عافية لا شوب فيها.وقوله: ((والشكر على العافية))؛ فإن الشكر به ترتبط النعمة، وتجلب المزيد.قوله: ((والغنى عن الناس))، فإنما يستغني عن الناس إذا استغنى بالله، ففيه الخروج من الرق إلى الحرية، ومن لم ينقطع طمعه عن الخلق، فهو على خطر عظيم من أمر الله عز وجل، وهو مفتون.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1101
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
