حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا هشام ابن خالدٍ الدمشقي، قال: حدثنا يحيى -وهو عندي يحيى الغساني- قال: حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أول شيءٍ خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ما كان، وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة؛ من عملٍ، أو أثرٍ، أو رزقٍ، أو أجلٍ، فكتب ما يكون، وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وذلك قوله عز وجل: {ن والقلم وما يسطرون}، ثم ختم على في القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، فقال: وعزتي! لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك فيمن أبغضت)).فقسم العقل بين خلقه على علمه بهم، ثم قسم بين الموحدين عقل الهداية على علمه بهم، فتفاوت القسم، فكلما استقر في عبد، كان دليله على مقاديره الذي كان منه يومئذ، فكلما أحب الله إقباله في أمر، دلهم على إقباله، وما كره الله [إدباره]، دله على الإدبار، وما أحب الله القول به، دله على القول به، وما كره من ذلك دله على الصمت، وكذلك في كل فعل فعله يومئذ يلهم العقل صاحبه في كل أمر ما أذن له فيه، وما خطر عليه ومحابه ومساخطه، فكلما كان حظه من العقل أوفر، فسلطان الدلالة فيه أعظم وأنفذ، فمن شأنه الدلالة على الرشد، والنهي عن الغي.فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكر له عن رجل شدة اجتهاد وعبادة، سأل عن عقله؛ لما قد علم أن العقل هو الذي يكشف لك عن مقادير العبودية، ومحبوب الله ومكروهه؛ لأن العبادة الظاهرة قد تكون من العادة والمساعدة،ترى الرجل في صباه علم هذا، فنشأ عليه، وعلم أنه خير، فثبت عليه معتاداً له قد ألفه، ويسير عليه.فالرجل يساعد آخر يعمل له، فإذا كان العقل يدله على هذه العبادة الظاهرة، كان علامته أن يتورع عن مساخط الله، ولم يجوز لنفسه أن يترضاه بأعمال مع تضييع فرائضه، أو التوثب في مساخطه، فكان العاقل عندهم الذي عقل عن الله ما أمره ونهاه، فائتمر بما أمره، وازدجر عما نهاه، فتلك علامة العقل.فإذا رئي أحدهم يتعبد، وهذا فيه، علم أنه من عقل يتعبد، وعن بصيرة، وإذا رئي في خلو من هذا، علم أنه عن عادة ومساعدة، فلم تحسن ظنونهم به، ولذلك قال: ((لا يعجبكم إسلام رجلٍ حتى تعلموا ما عقدة عقله)).فالإسلام: هو ما ظهر من أعمال العباد من أعمال الشريعة؛ مثل: الصوم، والصلاة، والحج، والجهاد، والصدقة، وسائر أنواع البر، فلا يعجبكم هذا منه حتى تعلموا أي شيء يعتقد في قلبه لما يعمل به.وعقد العقل: هو وثاق العقل، معناه: أن يقول: ما هو؟ أي: كيف هو؟ لأن كلمة ((ما)) تقع على الجوهر والجنس.فقال: ((حتى تعلموا ما عقدة عقله))؛ يعني: بأي شيء يعقد عقله؟ فإن العقل قسم للعبد، فأعطي عبد، فعقده بالإيمان بالله، فرشد، وآخر أعطي، فعقده بالهوى، فغوى، فقال: حتى تعلموا بأي شيء عقد عقله، أبالإيمان بالله، أم بالهوى؟فإن القلب إذا كان مؤمناً، وجاء العقل، ودله على الرشد، فإن عقد عقله بالإيمان، مر به في الطاعة، وإن كان القلب فاجراً، وجاء العقل، فعقد صاحبه بالهوى، مر به في الغي.والعقد: الوثاق، فكأنه قال: إن كان وثاق هذا العقل الذي أعطي بالإيمان، يستعمله بالإيمان، وإن كان وثاقه بالهوى، فهو أسيره، فاستعمله بالمعاصي، صار الدليل أسيراً مقهوراً في سجن الهوى.فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعرف ذلك من هذا الوجه، فقال: لا يعجبنكم ظاهر ما ترون حتى تعلموا بأي شيء عقد عقله، فإن كان عقله عقيد هواه لا يتورع ولا يتقي، قال: ((لن يبلغ صاحبكم حيث تظنون))
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1036
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
