حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا هدبة ابن خالدٍ الأزدي، قال: حدثنا سهيل بن عبد الله أخو خزمٍ القطعي، عن ثابتٍ، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة}، قال: ((فقال ربكم: أنا أهلٌ أن أتقى ولا يجعل معي إلهٌ، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً، فأنا أهلٌ أن أغفر له)).فقد اختلفت الروايتان في اللفظ:فقال الحماني: ((كان أهلاً أن أغفر له))، وقال هدبة: ((فأنا أهلٌ أن أغفر له)). والمعنى راجع فيهما إلى معنى واحد.فالعبد إذا اتقى أن يجعل معه إلهاً، فربنا أهل لذلك؛ لأنه لا إله غيره،فإنما اتقى أن يشرك به أحداً، ولو أشرك به أحداً، لفعل محالاً؛ لأنه جعل شيئاً لا يكون، وليس بكائن، فهذا المتقي حين اتقى أن يجعل معه إلهاً، فقد فعل ما ربنا أهله من النفي عنه شيئاً لا يكون، فذلك قوله: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أهل أن تنفى دعوى الشرك لأحد في ربوبيته وإلهيته.فمن فعل ذلك، واتقى، كان أهلاً للمغفرة، وأن يستر عليه ذنوبه وعيوبه، وإنما صار كذلك؛ لأن الإنسان ركب فيه الشهوات، والهوى يميل به كذا وهكذا، فليس له نور في قلبه، فمن جعله الله أهلاً لنوره، فإنما اتقى بذلك النور أن يجعل معه إلهاً، فمن من الله عليه بذلك النور والهداية، كان أهلاً أن يغفر له ذنوبه، ويستر عليه عيوبه، ومن وقاه الله ظلمة الشرك، فجعله أهلاً لذلك، كان أهلاً أن يقيه ظلمة النار وحرها.وقال في تنزيله: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها}، فجعلهم أحق بهذه الكلمة، وجعلهم أهلاً لها.وقال: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون. فضلاً من الله ونعمةً والله عليمٌ حكيمٌ}.وفي الرواية الأخرى قال: ((فأنا أهلٌ أن أغفر له)).فهذا على نسق التنزيل، نسب الأهلية إلى نفسه في الفعلين، فهو أهل أن يتقى، وهو أهل أن يغفر.والأهل والآل بمعنى واحد، وهو الرجوع، والهاء والواو والهمزة يتبدلون.معناه: أي: حقيق أن يتقى راجع الأمور إلى أن يتقى؛ إذ لا يوجد إله غيره، وحقيق أن يغفر، وراجع الأمور إلى أن يغفر لمن وحده، واتقى أن يجعل معه إلهاً؛ لأنه شكور، وقد تسمى بالشكور، ولا يضيع أجر المحسنين، ولا يضيع أجر من أحسن عملاً، فإن لم يغفر لمن وحده، فأي شكرٍ لتوحيده، وهو أعظم من أعمال جميع الثقلين؟ومن قال: إن أحداً من أهل التوحيد يبقى في النار أبداً؛ فقد أعظم الفرية على الله، ونسبه إلى الجور والكفران، تعالى الله عن ذلك.وإنما قال بعض السلف قولاً في أهل الكبائر، فحملوه على غيرجهته، ولم يفهموا عنه، فقال: لا أرى آمن أن يخلد في النار من أذنب ذنباً واحداً على وجه التغليظ، وعلى وجه الخوف عليه، والخلد لا يكون أبداً، إنما الخلد طول المكث في اللغة.ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيرني ربي بين لقائه، وبين الخلد في الدنيا، فاخترت لقاء ربي)).فلا يشك أن الخلد في الدنيا لا يكون أبداً.وقوله: {أخلد إلى الأرض}؛ أي: أبطأ عن الآخرة إليها، ويقال: هذا رجل مخلد: إذا أبطأ شيبه، فإنما قال ذلك القائل: لا آمن أن يخلد؛ أي: يطول مكثه في النار، ولا نعلم أحداً يجوز لنفسه أن يتكلم بهذا ممن يعقل أن المؤمن يبقى في النار أبداً، ومن قاله، فقد ضل وغوى.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1007
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
