حدثنا عمر، قال: حدثنا ابن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن أبزى، قال: قال داود نبي الله:كان أيوب أحلم الناس، وأصبر الناس، وأكظمهم للغيظ.فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حليم إلا ذو عثرةٍ)) يدل على أنه لا يتسع الرجل لما يرى من هذا الخلق إلا بعدما يعثر، فإذا رأى عثرته، رحم الخلق، واتسع لهم، واتقى أن يلوم أحداً، أو يعيره بذنب، لما قد رأى نفسه فيها، ورأى خذلان الله إياه، ورأى شرة النفس وداهيتها، وذهابها بالرقبة إذا أصابت فرصتها، فكما تنظر لنفسه من الله الرحمة، كذلك ينتظر لهم مثل ذلك، وكما ساءه أن يعيره أحد بما كان منه، كذلك يعامل الخلق على العطف والرفق، والستر، والنصيحة، والموعظة الحسنة، فهذا حليم قد استكمل الحلم.وعثرة داود -صلوات الله عليه- وسعته للخطائين، ومن قبل ذلككان يشدد عليهم، ولا يجالسهم، حتى روي في الخبر: أنه قال: يا رب! لا تغفر للخطائين؛ من شدة الغيرة لله، والحنق عليهم، فلما عثر، كان ينظر إلى أغمض مجلس في بني إسرائيل، فيذهب فيقعد معهم، يقول: مسكين بين ظهراني مساكين، وكان يقول: رب! اغفر للخطائين كي تغفر لداود معهم.وقوله: ((لا حكيم إلا ذو تجربةٍ)).فالعقل: يدل على الرشد. والحكمة: نور يكشف عن مكنون الأمور، ولكنه لا يستكمل حكمته مع كشف هذا الغطاء، واطلاعه بالقلب، مطلع الأمور حتى يطالع الأمور بمباشرة النفس؛ فإن كل شيء تجده القلوب، فمباشرة النفس مع القلوب أثبت، فيتأكد.فالحكيم: قد كشف له الغطاء، فيرى عواقب الأمور، فيرى شينها وقبحها، فإذا رأى ذلك بالجوارح، كان ذلك عياناً، لا يدفع، ولا ينسى، فهناك بعد التجارب يستكمل الحكمة؛ لأنها كانت قبل التجربة معاينة القلب، فصارت معاينة العين، كان ذلك علم اليقين، فصار الآن عين اليقين.ألا ترى أن الله تعالى أخبر عن النار فقال: {كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم}، فهذه رؤية القلب، وهو علم اليقين، {ثم لترونها عين اليقين}؛ أي: يوم القيامة.فهذه رؤية العين، فاعتبر الآن هل يحل بأحد برؤية القلب أم راً مبرماً هناك، ما يحل يومئذٍ برؤية العين ذلك؟ليعلم أن مباشرة الأشياء بالنفس أقوى وأعظم شأنا من معاينة القلب، وقد سمى الله تعالى ذلك: علم اليقين، وهذا عين اليقين.ولهذا ما قيل: إن العقل بالتجارب؛ فالعقل انكشافه والتبحر فيه حتى ينفعك في كل مكان، وكل أمر بالتجارب، وقد جعل الله في العقل شفاء القلوب، وفي الأدوية شفاء النفوس.فالطبيب قد يعلم الطبائع، ويعلم الأدوية بنعوتها وأساميها، وإنما يحذق ويعي إذا جرب الأدوية بالطبائع، فكذلك العقل إذا جرب به الأمور بتجرد معرفة وبصراً.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 976
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
