حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا سليمان ابن سلمة بن عبد الجبار الحمصي، قال: حدثنا يعقوب بن الجهم، قال: حدثني عمرو بن جريرٍ، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله -تبارك اسمه-: إذا وجهت إلى عبدٍ من عبيدي مصيبةً في بدنه، أو في ولده، أو في ماله، فاستقبلها بصبرٍ جميلٍ، استحييت يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً، أو أنشر له ديواناً.فاشترط جمال الصبر في صبره، وهو الرضا، وذلك أن الصبر ثلاثة:1 - صبر الموحدين.2 - وصبر المقتصدين.3 - وصبر المقربين.وأما صبر الموحدين: بأن لا يسخطوا على ربهم، حتى يجوروه، ولكن على إيمانهم به صبروا أنه عدل عليهم في ذلك، ثم أهملوا جوارحهم في المعاصي لحرقة تلك المصيبة، وهو صبر ممزوج بالجزع، فهو صبر الظالمين لأنفسهم.وأما صبر المقتصدين: فإنهم صبروا بالقلب، والجوارح، فرضوا بالقلب عن ربهم، وحفظوا جوارحهم عن أن يعصوا الله بجارحة بسبب ما نزل عليهم، وفي النفس كزة، وشدة، ومرارة، وعسرة، فلم يملكوا أكثر من هذا، ولا قدروا على إخراج هذه الأشياء من النفس؛ لأن نفوسهم حية بالشهوات، رطبة حارة، فحفظوا جوارحهم، ورضوا عنه قلباً، ولم يملكوا كراهة النفس، فهذا صبرٌ قد أذهبت النفس شؤمها، وخلفها جمال الصبر.وأما صبر المقربين: فهو الرضا، لم تجد لوعة المصيبة في قلوبهم مساغاً؛ لما فيها من الحلاوة واللذاذة بقرب الله، وذلك أن النور لما اشتعل في صدورهم بعد أن امتلأ القلب منه، فأحرقت ذات الصدور من شهوات النفس، ومناها، وصار الصدر مستنيراً من نور القلب، فذاك عبد قد شرح الله صدره للإسلام، وهو التسليم، فهو على نور من ربه، فصارت الشهوة ميتة، فلم يبق في النفس عكر، ولا كزة، ولا مرارة، ولا عسرة، انتهت النفس عن نومتها، وخرجت عن سكرها، فأفاقت، فصارت مشيئة الله عندها أحلى من مشيئتها.وهذا موجود في الطبائع، إذا أحببت عظيماً من عظماء الدنيا، ممن قد سبى قلبك حبه، وملكك وده، صارت لمشيئاته عندك من الحلاوة على قلبك ما يزيف مشيئتك، ويدرسها عن قلبك ذاك؛ لشغوفك به، فكيف يكون هذا عندك موجود [اً] فيما بينك وبين الآدمي؟.ثم إذا صرت إلى عظيم العظماء، ومالك الملوك، وسيد السادات، نفيت عن هذا ذاك؛ لأن القلب قد خلا من عظمته، وعمي عليك سؤدده، وجهلت ملكه.فالمقربون: بالقربة نالوا هذا، حتى ذهب الكره من نفوسهم، وصاربدل المرارة حلاوةٌ، وبدل العسرة غنى، فأعينهم مادة إلى صنعه، فأينما برزت مشيئته في شيءٍ من حجب غيبه، وقفت قلوبهم عند مشيئته، وهم الصادقون في قولهم:((ما شاء الله كان)).فالمخلطون: صبرهم صبر إيمانٍ، محشوٍّ بالجزع.والمقتصدون: صبرهم صبر رضاً مع كزة النفس.والمقربون: بالقربة نالوا هذا، حتى ذهبت الكزة من نفوسهم وأفعالهم، أفعاله منيتهم؛ لأنه قد انكشف لهم أنه قد أوصلهم إلى أشرف الأشياء بعطفه، ورأفته، ومنه، وهو: معرفته، فلم يتهموه بعد ذلك في حالٍ من أحوال أنفسهم، فكيفما دبر لهم من محبوبٍ أو مكروهٍ، وقع ذلك منهم موقع برٍّ، وعطفٍ، ورأفةٍ، ورحمةٍ.كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه حين أصابه الطاعون، فيغشى عليه، ثم يفيق فيقول: اخنق خنقك رب، فوزعتك! لا تزداد بذلك عندي إلا حبًّا.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 962
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
