حدثنا إبراهيم بن زيدٍ الجرجاني، قال: حدثنا هشام بن عمارٍ الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: حدثنا زهير بن محمدٍ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله، قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الرحمن. علم القرآن.} حتى ختمها، فقال: ((ما لي أراكم سكوتاً؟! الجن كانوا أحسن منكم ردًّا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرةٍ: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إلا قالوا: ولا بشيءٍ من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد)).فحسن الجواب من لطافة الفهم، وأجساد الجن من مارج من نار، والآدميين من تراب، فجوهرهم أرق، وجوهر الآدمي أغلظ، ولم يشغلهم الشهوات شغل الآدمي، فرقة جوهرهم عونٌ لهم على درك الشيء، وهذه سورة عدد الله فيها النعم، وخاطب بتعديده الثقلين كليهما الجن والإنس، فقال في ذكر كل نعمة: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}.فكأن هذا القول سؤالٌ يحتاج إلى رد الجواب فيه، فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على مؤمني الجن، حيث تلا عليهم هذه السورة بحسن ردهم الجواب.وهذا من زينة الخطاب أن لا يترك الخطاب الذي له جواب مهملاً، فيكون المستمع كهيئة الغافل، أو كهيئة من لا يستمع إلا دعاء ونداء من الناعق به، {صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون}، فهذه هيئة سيئة.وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتوا على هذه الآية: {أليس ذلك بقادرٍ على أن يحيي الموتى}، قالوا: اللهم بلى.وإذا أتوا على آية: {أليس الله بأحكم الحاكمين}، قالوا: اللهم بلى.فهذه أشياء يحسن الجواب فيها، والصلة للكلام، وكانوا إذا مروا بذكر الجنة، رغبوا إلى الله فيها، وإذا مروا بذكر النار، استعاذوا باللهمنها، وإذا مروا بذكر التنزيه، نزهوه، وإذا مروا بذكر وعيده، رددوه، وإذا مروا بذكر لطائفه، تلذذوا به.فاقتضاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت قراءته عليهم ما وجده من الجن، واستحسنه منهم، وقد كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه من يشغله ذرو كلام الله عن النظر في معناه؛ إعظاماً لجلال الله، ودهشاً في ذكره، ومنهم من يتعلق قلبه بأول آية، فيشغله أولها عن ذكر ما بعدها.روي لنا عن علي بن الفضيل بن عياض: أنه صلى خلف إمام قرأ سورة الرحمن، فلما انفتل، قيل له: يا علي! ألم تسمع إلى ما قرأ الإمام اليوم من ذكر نعيم الجنان، وما أعد الله للمؤمنين؟ فقال: شغلني ما قبلها عن ذكر الجنان؛ يعني: ذكر النار.وسلطان كلام الله على القلوب على قدر ما فيها من العلم بالله، والخشية له، والحظ من القربة، وإنما ينزل من القلب كلام كل واحد على قدر منزلته عنده، فإذا كان عظيم المنزلة، عظم قوله وأمره، وإن لم يكن كذلك؛ استخف به.ومما يحقق ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يعلم ما منزلته عند الله، فلينظر ما لله عنده من المنزلة؛ فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من نفسه)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 938
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
