حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن ابن أنعم، عن عتبة بن حميدٍ، عن عبادة بن نسيٍّ، عن عبد الرحمن بن غنمٍ، قال: سمعت أبا عامرٍ الأشعري يقول: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ قال: ((تعمل في السر عمل العلانية)).فمن تعظيم الدنيا ذراعة النفس إلى محبباتها ودواهيها، وإذا عظمتها النفس، آثرها على حقوق الله، ولا يجتمع تعظيم الحقوق، وتعظيم الدنيا في قلب واحد، فكأن هذا العبد لما أسلم نفسه ووجهه إلى الله، وبذل نفسه لله عبودة، فصار من رجال الله، وعبيده، وخاصته، فعلته مهابةٌ، وظهر سيماء العبودة عليه، كما قد يرى العبيد عبيد السوقة وعبيد الغلة لا قدر لهم، فإذا صار عبداً للملك، ظهر عليه من بهجة ملكه، وغناه، وجدت له هيبة؛ لأنه عبد للأمير، فعبيد الله صدقاً، عليهم من الله طلاوة، وحلاوة، وملاحة، ومهابة؛ لبذلهم أنفسهم إسلاماً، فإذا غيروا وبدلوا، فعظموا الدنيا بخراب قلوبهم، فقد ارتجعوا في نفوسهم، فذهبت الهيبة؛ لأنه ليس الآن من عبيد الأمير، إنما هو عبد نفسه، وهواه، ودنياه، وشهواته، وشيطانه.وأما قوله: ((إذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرمت بركة الوحي)). فإن في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر خذلاناً للحق، وجفوة للدين، وفي خذلان الحق ذهاب البصيرة، وفي جفاء الدين فقد النور، فيصير القلب محجوباً، فيحرم بركة الوحي، وحرمان بركة الوحي أن يقرأه، فلا تعي أذنه منه شيئاً إلا ذرور الكلام، قد حرم فهمه، وهو من أعلم الناس باللغة، وأبصرهم بتفسيره، وقد عمي عن لطائفه، ومعانيه، ووعده، ووعيده، وأمثاله، قد خلق على قلبه؛ لأنه كلما وقع الكلام من لسانه في أذنه، فصار إلى قلبٍ صدره مظلمٌ، فكأنه غرق في لجةٍ، إنما هو كلامٌ يدخل سمعه، فإذا صار إلى الصدر، صار في عمى.والذي أشرق صدره بالنور، فعلا قلبه ينابيع الفهم، فيلتذ باللطائف، ويفرح بالوعد، ويتحذر الوعيد، وينتذر منه، ويرغب، ويرهب، ويعتبر، ويتعظ، فهذا بركة الوحي.وأما قوله: ((إذا تسابت أمتي، سقطت من عين الله)).فالسباب بدؤه: الكبر، والاستحقار للمسلمين، والحسد، والبغي، والتنافس في أحوال الدنيا، فبهذا يسقط من عين الله، والساقط من عينه: قد خرج من كلاءته، ورعايته، فليستعد للخذلان في نوائب الدين والدنيا، فإذا زالت عنه رعايته، ذهبت العصمة، فله في كل نائبة ورطة حتى تؤديه إلى الورطة الكبرى: سلب الدين، والانتكاص على العقبين، ومن سقط من عينه، لم يبال في أي واد هلك، وأي شيطان سباه، فذهب به هذا في السباب، فكيف فيما هو أعظم منه؟
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 934
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
