حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرازي، عن محمد بن مسلمٍ، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عبيد بن سعدٍ، قال: خرج أبو أيوب الأنصاري غازياً في سبيل الله إلى أرض الروم، فقص قاصٌّ، فقال: ليس أحدٌ في الدنيا من بني آدم يعمل عملاً أول النهار إلا عرض على معارفه من أهل الآخرة في آخر النهار، ولا عمل عملاً في آخر النهار إلا عرض على معارفه من أول النهار من الغد.فقال أبو أيوب: أيها القائل! انظر ما تقول، قال له: والله! إن ذاك كذلك، قال أبو أيوب: اللهم لا تفضحني عند سعد بن عبادة، ولا عند عبادة بن الصامت بما عملت بعدها، فقال القائل: والله الذي لا إله إلا هو! ما كتب الله لعبد ولايته إلا ستر عورته، وأثنى عليه بأحسن عمله.قال له قائل: وما ولاية التدبير؟.قال: إن الله تعالى شرع السبيل، وهدى القلوب، ورزق العقول، وأكد الحجة بالرسل، وبما جاؤوا به من البيان، وأيد بالملائكة، يهدون، ويسددون، وقيل لهم: سيروا إلى الله سيراً مستقيماً في هذا الصراط، فإن عارضتكم نفوسكم بخلاف ما أمر الله، فجاهدوها، وسلوه المعونة.فهذا تدبيره الذي وضعه للجميع، فمن صدق الله في مجاهدة نفسه، حتى بلغ أقصى الغاية ومنتهاها، لم يقدر على أكثر من أن يمنع قلبه من الفكر، كما منع الجوارح من العمل، فهذا غاية جهاد النفس، وتصحيح الباطن والظاهر، ونهاية الصدق، فبذلنا الوسع، والطبع باقٍ على تركيبه من الشهوة، واللذة، والغضب، والرغبة، والرهبة، وانقطع هاهنا وتحير هذهالأشياء عنها، حدثت المعاصي إلى القلوب، ومن القلوب إلى الأركان، فانقطع هاهنا وتحير، فكما لا يقدر أن يصير سواد الشعر بياضاً، كذلك لا يقدر على تغيير الطبع، فيجأر إلى الله، ويشتد عليه وجده لذلك لكدورة الأخلاق.فإن هذه الخصال تكدر عليه إيمانه، ولا يصفو، فعندها يرحمه الله بعد انقطاع أسبابه وتغوثه بالله، صارخاً، مضطراً، وقد قال: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}، وقال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.فيأخذه من تدبيره الذي وضعه لعباده، من مجاهدة النفس إلى تدبير نفسه، وهو القادر على ذلك، فيوكل به الحق، حتى يسير به إليه إلى منازل القربة، فكلما سار في القربة، زيد مركباً من النور ليسير به إلى محله من القربة، وكل نور يزاد يموت من طبعه بقدر ذلك؛ لأنه يزداد بكل نورٍ قربة، ويحظى إلى محله، ويزداد بالله علماً، ومنه خشية، فالحق يربيه بهذه الأنوار، حتى إذا انتهت التربية، وتغير الطبع عن النفسية إلى خلق الإيمان، جذب جذبة إلى محل القربة، وانكشف له الغطاء عن جلال الله وعظمته، ما يبهت فيه، وإذا الهوى قد طاوعه، والنفس قد ماتت، فحيي قلبه بالله، فهو الصديق، فهذا، وإن كان صديقاً، وهذه صفته، فلن يخلو من ذنب قد كان في سابق علم الله، ثم جرى القلم بذلك في اللوح المحفوظ، فهو يعلمه لا محالة، ولكنه في ستره عند الأحياء، وفي ستره عند الأموات.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 926
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
