حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا شباب ابن خليفة، عن يوسف بن خالدٍ السمتي، عن سالم بن بشير بن جحلٍ، سمع حبيبـ[اً] المزني يحدث: أنه سمع أفلح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((أخوف ما أخاف على أمتي ثلاثٌ: ضلالة الأهواء، واتباع الشهوات في البطن والفرج، والعجب)).قال محمد بن علي الحكيم رحمه الله:فهذا، وحديث شريح عن عائشة -رضي الله عنها- متفقان: أنهم ثلاثة أصناف: العجب، وهو البدعة، واتباع الشهوات، وهي الأهواء والضلالة.فإنما صار هؤلاء فرقاً؛ لأنهم فارقوا دينهم، فبمفارقة الدين تشتتـ[ت] أهواؤهم، فافترقوا.ألا ترى إلى ما قال الله تعالى في تنزيله: {إن الذين فرقوا دينهم}، ثم قال: {وكانوا شيعاً}، ثم قال: {لست منهم في شيءٍ}.فبرأه منهم، فوجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين، فلم يفترقوا، ولم يصيروا شيعاً؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم النظر فيه، والقول باجتهاد الرأي، فاختلفت آراؤهم،واختلفت أقوالهم، فإنما أمروا بذلك، فصاروا باختلافهم محمودين؛ لأنهم أدى كل واحد منهم على حياله بما أمر من جهة الرأي، والنظر فيه.فمن ذلك ما قال أبو بكر رضي الله عنه في مسألة الجد أنه بمنزلة الأب، وأن المال كله له دون الأخ.وقال علي وزيد رضي الله عنهما: المال بين الأخ والجد نصفان.ومثل ما قال عمر رضي الله عنه في بيع أمهات الأولاد: أن لا يبعن، وقال علي رضي الله عنه: يبعن.ومثل ما قالوا في الشركة، فمنهم من شرك، ومنهم من لم يشرك، وذلك في زوج، وأم، وأختين لأب وأم، وأختين لأم، فأعطوا الزوج النصف، والأم السدس، وأعطوا الأختين للأم الثلث.فمنهم من شرك الأختين للأم والأب في هذا الثلث؛ لأنهم كلهم لأم واحدة.ومنهم من لم يعط الأختين للأب والأم شيئاً، وجعل الثلث للأختين للأم، وقال: في فريضتهما في الكتاب بينة، ولكل وجهٍ مذهب.ومثل قول ابن عباس رضي الله عنهما: إن الفريضة لا تعول.وقال عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعول، وأنزلوه بمنزلة رجل ترك درهماً واحداً، ولرجل عليه ثلثا درهم، ولرجل آخر نصف درهم، فقالوا:يقسم هذا الدرهم الواحد بينهما على سبعة أسهم، على حصة دينهما.ومنهم من رأى طلاق السكران جائزاً، ومنهم من أبطله.ومثل قولهم في الطلاق قبل النكاح، فمنهم من أنزله، ومنهم من لم ينزله.وفي البيوع، وفي أشياء كثيرة من أمر الدين اختلفوا، فكان ذلك الاختلاف رحمة من الله على هذه الأمة، حيث أيدهم باليقين، ثم وسع على العلماء منهم النظر فيما لم يجدوا ذكره في التنزيل، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يلحقوه ببعض الأصول، فكانوا أهل مودةٍ، وعطف، متناصحين، أخوة الإسلام فيما بينهم قائمة.فلما حدثت هذه الأهواء المردية، الداعية صاحبها إلى النار، ظهرت العداوات، وتبيان الناس، وصاروا أحزاباً، دليل ذلك: أن هذا التباين والفرقة، إنما حدثت من المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان، فألقاها على أفواه أوليائه؛ ليختلفوا، ويرمي بعضهم بعضاً بالكفر.فكل مسألة حدثت في الإسلام، فخاض فيها الناس واختلفوا، فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة، ولا بغضاء، ولا فرقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام، يتناظر فيه، ويأخذ كل فريق بقول من تلك الأقوال، ثم يكون في أحوالهم من الشفقة، والرحمة، والألفة، والمودة، والنصيحة، كما فعل الصحابة والتابعون رضي الله عنهم.وكل مسألةٍ حدثت فاختلفوا فيها، فردهم اختلافهم في ذلك إلى التولي والإعراض، والتباين إلى الرمي بالكفر، علمنا أن ذلك ليس من أمر الدين في شيءٍ يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها، ويعرض عن الخوض فيها.ومما يؤكد ما قلنا: ما ذكر الله في كتابه من حال أهل الإسلام كيف يكونون، فقال الله عز وجل: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً}.فذكر أنهم أصبحوا بالإسلام إخواناً، فلما جاءت مسألة مما إذا اختلف فيها، ذهبت الأخوة، وجاءت الفرقة، علمنا: أن هذه المسألة ليست من الإسلام في شيء؛ لأن شرط الله في تمسكنا بالإسلام، أنما نصبح بذلك إخواناً، فصاروا، بهذه المسألة أحزاباً، يكفر بعضهم بعضاً، ووجدنا أهل الخذلان، إنما أعرض الشيطان في قلوبهم بمثل هذه الأشياء، وذلك لما خلت قلوبهم من خشية الله، ومن خوف عقاب الله، بما قدمت أيديهم، ومن الأهواء التي أمامهم، وذكر الموت، والصيحة، والحساب، والاهتمام بصحة الأمور، وطلب الإخلاص فيما بينهم، والانتباه بحسن صنعه بهم في ليلهم ونهارهم، وطلب النجاة من رق النفوس إلى حرية العبودة لربهم، فلما خلت من هذه الأشياء خربت، وصارت في القلوب ثلم،فوجد العدو فرصةً، فألقى إليهم مثل هذه الأشياء التي يعلم المستنيرة قلوبهم: أن هذا تكلفٌ، وخوضٌ فيما لا يعنيه، مثل قولهم في الجبر، والقدر، وفي الاستطاعة قبل الفعل، ومعه، وفي طلب كيفية صفات الله، وفي الإيمان: مخلوقٌ هو أم لا؟ وفي القرآن: ما هو؟ وفي الإمامة: من استحقها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟حتى أداهم ذلك أن رفضوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وجورهما، وأظهروا سبهما، فلولا أن هذا عبد قد خذله الله، ونكس قلبه، كان يشتغل بمثل هذا، وهم: قومٌ مضوا إلى الله بأعمالهم، فهو يقسم لهم المنازل بهواه، ويحمل بعضهم على بعض، وقد قال الله -جل ذكره-: {تلك أمةٌ قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}.وإنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغاً، ومعلماً، وهادياً، فخرج من الدنيا، وقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وعلم، وهدى، وأبلغ في النصيحة، فأين القول منه للأمة في هذه الأشياء التي ذكرناها، وأين هدايته، وتعليمه لهم ذلك؟ فهل يوجد حديث واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستطاعة والجبر؟والقرآن ما هو؟ والإيمان مخلوق أم لا؟ فإن كان بعث مبلغاً، وقد بلغ، ولم يكتم شيئاً من الوحي، فأين هذا في الوحي؟ وأين هذا في السنن التي جاءت عنه، وكيف أدت عنه أئمة العلماء آداب الإسلام في طعامهم، وشرابهم، ونومهم، وخلائهم، ووضوئهم، ولباسهم، ومشيهم، وزيهم، وسائر أحوالهم، وتركوا مثل هذه الأشياء التي أدى اختلاف القائلين فيها إلى إكفار بعضهم بعضاً، ذلك ليعلم أنها مسائل الفتن، وأنها تؤدي إلى الحيرة، وأن الكلام في ذلك مما يؤذن لك فيه.ووجدنا أن الله -تبارك اسمه- أثنى على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} إلى قوله: {ذلك مثلهم في التوراة}؛ أي: صفتهم في الترواة، فشهد لهم بهذه الخصال التي هي رأس الإيمان وذروته، فما ظنك بقوم يبلغ من أقدارهم ومحلهم أن يمدح لبني إسرائيل شأنهم، ويصف لهم محاسن خصالهم من قبل أن يخلقهم بكذا وكذا ألف سنة، ثم وصفهم في الإنجيل للأمة الأخرى، فقال: {يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار}.أخبر أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم غيظ الكفار، فمن وجدناه ممن ينتحل الإسلام قد صار كبراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له غيظاً، فقد ساء ظننا به،ونخاف أن يكون في قلبه داهية تسلبه الإسلام، وهو لا يشعر.وروي في نحوٍ من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من يخادع الله، يخدعه الله، ويخلعه من الإيمان وهو لا يشعر)).وروي عن أنس رضي الله عنه: أنه قال: من ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس له في الفيء نصيب.وذلك أن الله قسم الفيء في تنزيله بين ثلاثة أصناف، فقال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم}، {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم}، وهم الأنصار، {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}، وهم التابعون إلى يوم القيامة.فإنما صار الفيء بين هؤلاء، فمن جاء من بعدهم، فتناولهم بالسوء، فقد خرج من هذا الصنف، ولا نصيب له.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 909
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
