حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا الحسن بن أيوب الدمشقي، قال: قرأت على عبد الله بن صالحٍ المصري، قال: حدثني سليمان بن عبد الله الأيلي،قال: حدثني ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ: ليقم أهل الله! فيقوم أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان ذو النورين، وعلي بن أبي طالبٍ -رضوان الله عليهم-، فيقال لأبي بكرٍ: قم على باب الجنة، فأدخل فيها من شئت برحمة الله، ورد منها من شئت بقدرة الله، ويقال لعمر: قم عند الميزان، فثقل ميزان من شئت برحمة الله، وأخف ميزان من شئت بقدرة الله، ويقال لعثمان: خذ هذه العصا، فذد بها الناس عن الحوض، ويقال لعلي: البس هذه الحلة؛ فإني قد خبأتها لك منذ يوم خلقت السماوات والأرض إلى اليوم)).ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرحم أمتي بأمتي: أبو بكرٍ، وأقواهم في دين الله: عمر، وأصدقهم حياءً: عثمان بن عفان)).فهذا الحديث الأول يبين منازل القوم أنهم أهل الله وخاصته، وأنه ينكشف لأهل الموقف غداً، يظهره عليهم عند خلقه، وأن الرحمة حظها من الناس أبو بكر رضي الله عنه، وأن الحق حظه من الناس عمر رضي الله عنه، فلذلك يقوم أبو بكر رضي الله عنه عند باب الجنة، ويقوم عمر رضي الله عنه عند الميزان، ينبئ هذا القول عن الرجلين أن قلبيهما كانا قد استويا لله، وكانا في قبضته، فلا يرحمان إلا من يرحم، ولا يخيبان من الرحمة إلا من يخيب، وهذا من الإنابة، فإذا صار الأمين بحال يستكمل الأمانة، فوض إليه، فتكون مشيئته قد وافقت مشيئة الذي ائتمنه، فهؤلاء قوم قد صاروا أمناء الله، وقفت قلوبهم بين يديه راقبين لمشيئته، فلذلك قال: ((أهل الله)).والأهل والآل بمعنى واحد يؤولون لله؛ أي: يرجعون إليه في كل شيء، فيبرز لأهل الموقف فيقاومهم بقلوبهم وضمائرهم التي كانت فيما بينهم وبين الله؛ كرامة لهم، وتنويهاً بأسمائهم في ذلك الجمع، فكان الغالب على أبي بكر رضي الله عنه الرحمة في أيام الحياة، والغالب على عمر رضي الله عنهالقيام بالحق وتعزيزه، فكأنهما كانا ممن هو في قبضته يستعمله، واستعمل هذا بالرحمة، وهذا بالحق، فإذا كان يوم القيامة، وقف هذا عند باب الجنة، وهذا عند الميزان؛ لأن الحق يطالب أهل الموقف بالعدل، والرحمة تطلب أهل الموقف لتوردهم الجنة.ومعناي في قولي: أنه يستعمل العبد إذا صيره في قبضته ما جاء به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه يحكي عن جبريل -صلوات الله عليه- عن الله -تبارك وتعالى-: أنه قال: ((وإن عبدي ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه وبصره، ويده، ورجله ولسانه، وفؤاده، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يعقل، وبي يبطش، وبي يمشي)).ومنه قول عمر رضي الله عنه حيث أتاه رجل والدم يسيل من شجته، فقال: ويحك! من فعل بك هذا؟ قال: علي، فقال علي رضي الله عنه: رأيته مفاوضاً امرأة، فأصغيت إليهما، فساءني ما سمعته، فشججته، فقال عمر رضي الله عنه للرجل: أصابتك عين من عيون الله، وإن لله في الأرض عيوناً.فهذا هو ذاك الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش)).وأما قوله لعثمان رضي الله عنه: ((خذ [هذه] العصا، فذد بها عن الحوض))؛ فإن الحوض غياث الخلق يومئذٍ.وكان عثمان رضي الله عنه الغالب عليه إغاثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نوائبه بالمال، وهو جهز جيش العسرة، فخذلوه حتى سفك دمه، فحكم في شأن الحوض؛ ليذود من لم يستحق من الحوض شراباً.وأما قوله لعلي رضي الله عنه: ((البس [هذه] الحلة التي خبأتها لك)): فهو عندنا حلة التوحيد، فإن الغالب على علي رضي الله عنه النفاذ في علم التوحيد، وبه كان يبرز على عامة أصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الخطب التي جاءت عنه تدل على ذلك، وكان إذا أثنى على ربه، أبلغ وبرز على غيره، فهذا قسم الله لهم، وحظوظهم منه، فيظهرها الله عز وجل يوم الموقف على أحوالهم.رجعنا إلى حديث الأولياء:فأما قوله: ((وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، إنه يكره الموت، وأكره مساءته)).فالموت خلق فظيع، منكر ثقيل، بشع مرير، لا بد للأحباب أن يذوقوه، ولا يخلو من أن يكرهوه، وقد علم الله أنه يشتد عليهم، ويتأذون به، فتردد في فعله؛ لكراهة مساءتهم، كالذي يكره شيئاً، وقد قضى على نفسه حتماً أنه يفعله، فمشيئته لموتهم تردد بين الحق والرحمة.فالحق ينفذ الموت، والرحمة تدفع، فالمشيئة مترددة بينهما، مرةً إلى الرحمة، ومرةً إلى الحق، ومن دونهم ليس لهم هذا الحال، إذا جاءت المشيئة مع الحق، نفذ أمره، فليست للرحمة هناك حركة؛ لأن المشيئة لم تتردد بينهما.قال الله -جل ذكره-: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}.فالحائد عن الموت أيام الحياة، يأخذه الحق بتنفيذ الموت، وليست للرحمة حركة في الدفع عنه، ومن كان أيام الحياة يهتش لذكره شوقاً إلى الله، فغليان الشوق في قلبه مراجل، فإنما نال هذا القلب، وهذا الشوق في هذا القلب بالرحمة، فتلك الرحمة تتحرك له عند كل نائبة، وأعظم نوائبه الموت، يريد خلاصه، والحق من ناحيته يقتضيه أن ينفذ الموت عليه، والمشيئة من الله مترددةٌ فيما بينهما، مرةً إلى هذا، ومرةً إلى ذاك.وأما قوله: ((إني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرب)):فالليث: كريم لا يؤذي، حتى يجترأ عليه، فإذا اجترئ عليه، أو سلب منه ولده، حرب، فكسر، ودمر على من يظفر به، فمن آذى ولي الله،فإنما يجترئ على الله، يريد أن يحاربه، فيأخذ منه ما اصطفاه لنفسه، فيفسد شأنه، ويهدم بنيانه، وتربيته، فإن الولي إذا بلغ غاية الصدق سيراً إليه، ومجاهدةً لنفسه؛ نظر إلى نفسه، فوجدها كما كانت، فلم يقدر أن يمحو عن نفسه ما ركب فيه، كما لم يقدر على أن يسود ما ابيض من شعره، أو يبيض ما اسود، إذا كانت خلقة.فهذا الصادق جاهد، فصدق الله في المجاهدة، وفطم نفسه عن سيء الأخلاق، فلم يقدر على إماتتها واستئصالها، فحينئذٍ إذا رآه الله قد انقطعت حيلته، وبقي بين يديه ينتظر رحمته، انتجبه للولاية، ووكل الحق به، يهذبه، ويطهره، ويسير به إليه، فتلك الأنوار التي ترد عليه من قربه، تميت تلك الأخلاق، وتطهر نفسه، فذاك بنيان الله وتربيته، وتبين أخلاقه بتلك الأنوار على محابه، حتى يصلح لولايته، فإذا تم البنيان والتربية، كشف الغطاء، وأشرق على صدره نوره، وجعل لقلبه إليه طريقاً لا يحجبه عنه شيء؛ لأنه لم يبق في نفسه شيئاً يحجبه، فهو ولي الله، هو يتولاه في أموره، وهو يكلؤه، وهو الذي يستعمله، فهذا الذي يتعرض له، وبظلمه قد اجترأ على الله، يريد أن يهدم بنيانه، ويفسد تربيته فيغضب الله له.وذكر غضب الليث إذا أحرب، فإن الأسد إذا أحرب، لم يحل عن الشيء الذي يثب إليه، حتى يفنيه كسراً ودماراً.فإنما أراد بذكر هذا هاهنا: أن العقوبة من الله تسرع إليه إسراعاً كهيئة الاختطاف.وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 899
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
