حدثنا محمد بن يزيد النيسابوري، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا أبي، عن وهب بن منبهٍ،قال: مكتوبٌ في التوراة: شوقناكم، فلم تشتاقوا، ونحنا لكم، فلم تبكوا، ألا وإن لله ملكاً في السماء ينادي كل ليلة: بشر القتالين بأن لهم عند الله سيفاً لا ينام، وهو نار جهنم، أبناء الأربعين زرعٌ قد دنا حصاده، أبناء الخمسين هلموا إلى الحساب، أبناء الستين ماذا قدمتم؟ وماذا أخرتم؟ أبناء السبعين ماذا تنتظرون؟ ألا ليت الخلائق لم يخلقوا، فإذا خلقوا، علموا لما خلقوا، ألا أتتكم الساعة، فخذوا حذركم.فقوله: ((زرع قد دنا حصاده))؛ لأن الزرع إذا أدرك فاستحصد، حصد، فإن ترك، أدبر شأنه، ففسد، فكذلك أبناء الأربعين قد أدركوا تمام العمر، فصار الجسد في إدبار.وقوله: ((أبناء الخمسين هلموا إلى الحساب))؛ هو مقارب لما قال في الحديث الأول: ((خفف الله حسابه)).وقوله: ((أبناء الستين ماذا قدمتم وأخرتم؟))؛ هو موافق لقوله تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر}.وقوله: ((أبناء السبعين ماذا ينتظرون))؛ أي: قد نفد العمر وانتهى، وهو موافق لذلك.فهذا يحكي عن التوراة، وذاك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، إلا أن ذاك في فضل المعمرين في الإسلام، وما يجب لهم، وهذا في طريق الوعيد، وأذان أهل الغفلة في أسماعهم كي ينتهوا، فإذا عمر في الإسلام سبعين سنة، أوجب له محبته، فأحبه أهل السماء؛ لأنه يشهر حبه فيهم، كأنه يقال: هذا عبد قد كان في عبودة مولاه، سبعين سنة حقباً واحداً، لم يأبق من مولاه، ولم يتول عنه حتى شاب في الإسلام، وذهب شبابه وقوته، فإذا بلغ ثمانين سنة؛ قبلت حسناته، وتجاوز الله عن سيئاته.فهذا قد عمر ضعف العمر، وذلك أن العمر هو أربعون، ثم هو في إدبار، فقد عمر هذا العبد مثلي العمر في الإسلام، واستوجب أن قبلت حسناته، وتجاوز له عن سيئاته.وقد ذكر الله أهل الاستقامة في تنزيله، فقال: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنةً قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين}.فذكر هاهنا خصال أهل الاستقامة، وهو شكر أهل النعمة، والعمل الصالح المرضي، والتوبة، فقال الله -تبارك اسمه-: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة}، ثم قال: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}.أي: من كان بهذه الصفة، فقد سبق الموعود له بالجنة وما فيها من النعمة على ألسنة الرسل، وهو قوله: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك}.فهذا وعده تقبل الحسنات، والتجاوز عن السيئات، فهذا لمن بلغ أربعين سنة على هذه الخصال، فإذا كان مخلطاً، فعمر في الإسلام ضعف أربعين، أوجب له بحرمة ذلك العمر ما يوجب للمستقيم الذي ذكرنا من خصاله في وقت الأربعين.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 803
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
