حدثنا بذلك صالح بن محمدٍ، قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشبٍ، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنمٍ، عن الحارث بن عميرة الحارثي: أنه أتى باب سلمان، فخرج إليه فقال: أما تعرفني يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، عرف روحي روحك قبل أن أعرفك.ومثل قول أويس لهرم بن حيان حيث قال له: السلام عليك يا أويس، قال: وعليك السلام يا هرم بن حيان، قال: ومن أين عرفت -رحمك الله- أني هرم بن حيان؟ قال: عرف روحي روحك، وإن الأرواح خلقت قبل الأجساد بألفي عام، فتشامت كما تشام الخيل.ويقال: إن بصر الروح متصل ببصر العقل في عين الإنسان، فالعين جارحة، والبصر من الروح، وإدراك الألوان من بينهما، فإذا تفرغ العقل والروح من اشتغال النفس، أبصر الروح، وأدرك العقل ما أبصر الروح، فعلم، وإنما عجزت العامة عن هذا؛ لشغل الأرواح بالنفوس، واشتباك الشهوات بها، فيشغل بصر الروح عن درك هذه الأشياء.والذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يطلع عليكم من هذا الفج رجلٌ من أهل الجنة، فاطلع جريرٌ)).إنما يحمله أهل الظاهر: أن هذا، وما يشبهه من طريق الوحي، فعذروا فيما قالوا؛ لأن هذا طريق سهل يعرفه العالم والجاهل: أن الرسول يوحى إليه أخبار ما يكون، ولكن الرسول له من الإلهام، والفراسة، والحديث، وتلاقي الأرواح والرؤيا الصادقة ما للأولياء، بل كل شيء من ذلك لهم أصفى وأقوى وأخلص، ولهم مع ذلك زيادة النبوة، فليس كل شيء تكلم به الرسول تكلم به من الوحي، وأهل الباطن يرون أن هذا وشبيهه للرسول من طريق الأرواح، مع أن ذلك جائز أيضاً.وقوله: ((إن أرواح المؤمنين لتتلاقى)): فالمؤمن في ذلك الزمان عندهم هو المستكمل لحقائقه الذي قد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ليس الموحد الذي أحرز عرضه ودمه وماله بالكلمة العليا، وأقبل على شهواته، متشاغلاً عن العبودة، حتى خلط على نفسه الأمور، هذا قلبه مأسور، وروحه مشغول، ونفسه مفتونة، فكيف يبصر شيئاً، أو يعقل ما حضر؟ فهذا فيما حضر عاجز عن أن يبصر، فكيف فيما غاب عنه؟
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 748
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
