فحدثنا الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن القشيري، قال: حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أهل القرآن عرفاء أهل الجنة)).فالعريف: من تحت يدي الأمير له شعبة من السلطان، فالعرافة هناك لأهل القرآن، وأهل القرآن الذين عرفوا به هاهنا تلاوة له، وعملاً به.وأما القراء: فيلذذون أهل الجنة بما يعطون من الأصوات، وإنما سموا روحانيين؛ للروح الذي على قلوبهم، والروح من فرحهم بالله أيام الدنيا،وكل أحد في الجنة، فحظه من الله على درجته في الدنيا، فالصنف الذين كانوا في الدنيا إنما يفرحون بالعطاء مع نفوسهم، فهم كذلك في الجنة، فرحهم بما يعطون في الجنة، فبه يتلذذون، وبه يفرحون، والصنف الذين كانوا في الدنيا يفرحون بالله، فهم كذلك في الجنة فرحهم بالله، لقد دقت الجنة عندهم في جنب فرحهم بالله، أولئك الصديقون أولياء الرحمن، فأحسب أن الروح الذي على قلوبهم شهرهم، وحسن أصواتهم في الجنة حتى يطربوا، ويلذذوا أهل الجنان، بفضل ذلك الروح على قلوبهم، ويسمون الروحانيين، وهم المقربون، وأهل اليقين.ووجدنا هذه الطبقة على ثلاثة أصناف:1 - فصنف منهم الروح على قلوبهم، والفرح به غالب عليهم.2 - وصنف منهم الهول على قلوبهم، والأحزان غالب عليهم.وقد نجد لهذين الصنفين مثالاً في مقربي الملائكة عنده: فصنف من الملائكة المقربين روحانيون، وصنف كروبيون، أولئك أهل روح، وهؤلاء أهل كرب، أولئك من شأنهم التسبيح والتحميد والتقديس، وهؤلاء من شأنهم البكاء، وإنما يأخذ كل أحد ما أعطي، وينظر إلى ما وضع بين يديه، وكشف له عنه، وفتح له من الغيب.فأهل الروح والفرح به من الآدميين والملائكة: فتح لهم من جماله وبهائه، فانبسطوا، وملكهم الفرح به.وأهل الأحزان والكرب من الآدميين والملائكة: فتح لهم من جلاله، وعظمته، فاكتأبوا، وملكهم الكرب، ويقولون في تسبيحهم: سبحانك ما لم تبلغه قلوبنا من خشيتك، فاغفره لنا يوم نقمتك من أعدائك، فذلك قولهم هذا إن كربهم وأحزانهم من رؤية التقصير.والروحانيون قد شغلهم جماله عن الالتفات إلى أنفسهم، وأعمالهم، فإذا ذكروها، لم تدعهم رؤية جماله إلا أن يحسنوا الظن به، فحسن الظن به غالب على رؤية التقصير، فالفرح لهم به دائم، والروح على قلوبهم مترادف.3 - وصنف ثالث أعلى من هذين الصنفين: قد جاوزوا هذين الحظين إلى وحدانيته، فانفردوا به، فشغلتهم وحدانيته عن الجلال والجمال، فهم أمناء الله، وأعلامه في أرضه، وقواد دينه، وهم الكبراء الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة: ((جالس الكبراء، وساير العلماء، وخالل الحكماء)).فالكبراء: الذين تكبروا في عظمه الله وجلاله، واعتزوا به، فهم به، وله.والفرح على ثلاثة أضرب:1 - فرح بهذه الدنيا الزائلة الدنية فقد خسر أهله، فهذا فرح الظالمين، قال الله -تبارك اسمه-: {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاعٌ}. وفي قصة قارون: {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}.2 - وفرح بفضل الله وبرحمته {فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون}. فهذا فرح المقتصدين الشاكرين.3 - وفرح بالله؛ حيث انتبهوا أنه ربهم في عظمته، وجلاله، وجماله، ومجده، وكبريائه، وملكه، وغناه، وكرمه، فهذا فرح المقربين.فلو أن عبداً كان لرجل قروي حراث، أو جبلي غراس، فانتقل ملكه إلى سيد سوقي تاجر؛ لرفع به رأساً، وفخر به، ثم لو انتقل ملكه إلى أمير من الأمراء؛ لرفع به رأساً، وفخر به، وصال به على الناس، ثم لو انتقل ملكه حتى صار لأمير المؤمنين؛ لتكبر أن يكلم أولئك السادة الذين كانوا ملكوه، ورفع بنفسه أن يلحظ إلى كل أحد؛ اعتزازاً بأمير المؤمنين أنه سيده، وأنه من ملك يمينه، فكيف بمن انتبه أن سيده ومالكه خالق الخلق، ومالك الملوك، ورب العالمين، ألا ينشق وينقد فرحاً؟فقد كان هذا عبداً ملكته دنياه، فكان بها يفتخر، ويصول، ولها يفرح، ثم أفاق إفاقة، فملكته نفسه بالعطايا التي وردت على قلبه، فكان بها يفتخر، ويصول، وبها يفرح، ثم أفاق إفاقة، فملكه الحق؛ ليروضه، ويؤدبه بين يديه، حتى ينصلح له، حتى إذا تمت رياضة الحق له بباب الملك الأعلى، رفع الحجاب عن قلبه، وأوصله إلى قربه، فكان بين يديه، فكان بالله يفتخر ويصول، وبه يفرح، حتى إذا اطمأن، ومرن على المقام، واعتاده، وسكنت منه الأفراح، وسكنت منه الأهوال والدهشات من النظر إلى جلاله وجماله، قدمه إلى الوسيلة العظمى، والقربة الأوفر، فغرق قلبه في وحدانيته، فصار منفرداً به، مشغولاً به عن جميع صفاته، فهذاأمينه، وأحد أعلامه في أرضه، وواحده بين عبيده، فهو الذي يقول في أرضه إذا ناداه: ((يا واحدي! فيصدق في قوله))، وهو الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 696
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
