حدثنا يحيى بن حسان النخعي، قال: حدثنا مالك بن سعيرٍ بن الخمس، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله، مثل حديث ابن المبارك بتمامه.قال أبو عبد الله:فالغريب نازع قلبه إلى الوطن، ماد عينه إلى أهله، شاخص أمله إلى وقت الارتحال متى ينادى بالرحيل، فيرتحل، فكلما قطع مرحلة، خف ظهره، وهاج شوقه، ينتظر نفاد المراحل، ونهاية المسافة، فإذا بلغ آخر مرحلة، قلق، وضاق ذرعاً، فإذا وقع بصره على وطنه، رق، ودمعت عيناه، فبكى من طول الغربة، ومقاساة الوحشة والفجعة، ثم بكى فرحاً بوصوله إلى وطنه، ونظره إلى الأحباب والألاف، فعلى هذه الصفة دله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون نازع القلب إلى دار السلام، ماداً عينه إلى عرش الملك الأعلى، شاخص أمله إلى دعوة السيد المنان، ينتظر متى يدعى فيطير، فكلما قطع يوماً من عمره، خف ظهره من أثقال العمر، وهاج شوقه ينتظر نفاد الأيام والليالي التي أجلت له، فإذا بلغ آخر يومه، قلق، وضاق ذرعاً؛ لخوف الخطر الذي ركبه، وأنه لا يدري بم يختم له، فإذا كشف الغطاء عنه، وبشر بالسلام والرحمة من العزيز الرحيم، وأري مكانه من وطنه، رق، وبكى من طول الغربة، ومقاساة جهد النفس، ثم بكى فرحاً بلقائه مولاه، ووصوله إليه، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريبٌ، أو عابر سبيلٍ))، وهو المسافر وكلاهما قريب المعنى.فالغريب لا يتهنأ بعيش، والغريب وحداني منفرد، منكسر القلب، وإن كان في سعة من العيش ونعمة، والغريب قد فقد عشيرته وأودائه، وعابر سبيل لا يتوجع لما ينوبه في سفره، ولا يجزع لما يقاسي من الشدة؛ لأنه يعلم أن سفره منقطع، وأنه عابره، وإن لم يصب منيته وشهوته، قنع بما يجد، ويعظ نفسه ويعزيها، ويقول: هذه مراحل قحط وشدة، وسنقطعها.وأما قوله: ((وعد نفسك من أهل القبور)): فهذا قطع الأمل أن يقول ساعة بعد ساعة: الآن يحضرني أمر الله عز وجل، فيعد نفسه منهم، لا من الأحياء.ووجه آخر: أن أهل القبور قد انقطعت أطماعهم من الأحياء، وقطعوا الدنيا، ورفعوا بالهم عنها، فإذا كان بهذه الصفة، فقد عد نفسه من أهل القبور، وقد أمنه الخلق كما أمنه أهل القبور، وقد أخمد ذكره، وأمات شهوته، كما خمد أهل القبور، وأماتوا شهواتهم من الدنيا، وراضوا نفوسهم.والوجه الأول أشبه بما جاء عن السلف من فعلهم، فكانوا يبادرون في العلم وتصحيح الأمور؛ مخافة أن يحال بينهم وبين ذلك، فإن الأمربغتة قد غيب عن ابن آدم وقت خروجه من الدنيا.قال الله -تبارك اسمه-: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل}، فعقلوا هذا عن الله عز وجل، فبادروا.بلغنا: أن عامر بن عبد قيس ناداه رجل من خلفه بشيء، وهو يمر مسرعاً فيما توجه له، فقال له عامر: أبادر طي صحيفتي.وبلغنا: أن كرز بن وبرة انتهى إلى قنطرة، وعليها زحام، فنزل عن حماره، وقام يصلي، وقال: أكره أن يبطل من عمري ساعة، أو نحوه من الكلام.وبلغنا: أن جعفر بن برقان قيل له: ألا تخضب؟ قال: أكره أن يأتيني رسول ربي وأنا مشتغل.وبلغنا: أن محمد بن النضر سئل عن الصوم في السفر، فقال: المبادرة المبادرة، فاغتنم.وبلغنا: أن داود الطائي سئل عن الرمي وتعليمه؟ فقال: إنما هي أيامك، فاقطعها بما شئت.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 678
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
