1065 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ يَعْنِي ابْنَ سَاجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: " إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ، وَهِيَ دِفْنٌ بَيْنَ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ عِنْدَ مَنْحَرِ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ جُرْهُمُ دَفَنَتْهَا حِينَ ظَعَنُوا مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ بِئْرُ إِسْمَاعِيلَ الَّتِي سَقَاهُ اللهُ حِينَ ظَمِئَ وَهُوَ [ص:16] صَغِيرٌ، فَلَمَّا حَفَرَهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَلَّهُ الْإِلَهُ عَلَيْهَا، وَخَصَّهُ بِهَا زَادَهُ اللهُ بِهَا شَرَفًا وَحَظًّا فِي قَوْمِهِ، وَعُطِّلَتْ كُلُّ سِقَايَةٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ حِينَ ظَهَرَتْ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهَا الْتِمَاسَ بَرَكَتِهَا وَمَعْرِفَةِ فَضْلِهَا بِمَكَانِهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَإِنَّهَا سُقْيَا اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِإِسْمَاعِيلَ ابْنِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ أَمْرِهَا وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ " كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيُّ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زُرَيْرٍ الْغَافِقِيِّ قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَفْرِهَا، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ، فَقُلْتُ: وَمَا طَيْبَةُ؟ ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَرَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي، فَنِمْتُ الْغَدَ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ، قُلْتُ: وَمَا بَرَّةُ؟ ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ: لَا تَنْزِفُ، وَلَا تُذَمُّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ، قَالَ: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ شَأْنُهَا، وُدَلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ صَدَقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ، وَمَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْسَ مَعَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ، فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الطَّوَى كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، قَامُوا وَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، مِيرَاثُنَا مِنْ أَبِينَا إِسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيِهَا شِرْكًا، فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، إِنَّ هَذَا أَمْرٌ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وَأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، قَالُوا: فَأَنْصِفْنَا، فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُحَاكِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ، أُخَاصِمُكُمْ إِلَى كَاهِنَةِ بَنِي سَعْدِ [ص:17] بْنِ هُذَيْمٍ، قَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشَّامِ، فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي أَبِيهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ نَفَرٌ، قَالَ: وَالْأَرْضُ إِذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ، فَخَرَجُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، وَظَمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إِنَّا بِمَفَاوِزَ، وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ تَخَوَّفَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إِلَّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَةً لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمُ الْآنَ مِنَ الْقُوَّةِ، فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ وَوَارَوْهُ حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا؛ فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، قَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ، فَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَحَفَرَ حُفْرَةً لَهُ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاللهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَلَكًا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَنَسْتَبْقِي أَنْفُسَنَا، لَعَجْزٌ، فَعَسَى اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ، ارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلُوا حَتَّى فَرَغُوا، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فَاعِلُونَ، تَقَدَّمَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ انْفَجَرَ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبَ وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ، وَاسْتَقَوْا حَتَّى مَلَئُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى الْمَاءِ؛ فَقَدْ سَقَانَا اللهُ، فَاشْرَبُوا وَاسْقُوا، فَشَرِبُوا ثُمَّ قَالُوا: وَاللهِ، لَقَدْ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَاللهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي أَسْقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إِلَى سِقَايَتِكَ وَإِنَّهُ بَدَا لَهُ، فَرَجَعَ وَرَجَعُوا، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ، وَخَلَّوْا بَيْنَهُ [ص:18] وَبَيْنَهَا " فَهَذَا بَلَغَنِي عَنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ قَالَ عُثْمَانُ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ: [البحر الرجز]، ادْعُ بِالْمَاءِ الرُّوَا غَيْرِ الْكَدِرْ ... سُقْيَا الْحَجِيجِ فِي كُلِّ مَبَرْ، لَيْسَ يُخَافُ فِيهِ شَيْءٌ مَا عَمَرْ ، وَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: تَعْلَمُونَ أَنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَحْفِرَ زَمْزَمَ، قَالُوا: هَلْ بَيَّنَ لَكَ أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: ارْجِعْ إِلَى مَضْجَعِكَ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مِنَ اللهِ بَيَّنَ لَكَ، وَإِنْ يَكُنْ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ لَكَ، فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى مَضْجَعِهِ فَنَامَ فِيهِ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، إِنْ حَفَرْتَهَا لَمْ تَنْدَمْ، وَهِيَ تُرَاثُ أَبِيكَ الْأَعْظَمِ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا، وَلَا تُذَمُّ، تَرْوِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ مِثْلَ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ، يَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِيَغْنَمَ، تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمًا، لَيْسَ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمُ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، زَعَمُوا لِأَنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ، حَيْثُ يَنْقُرُ الْغُرَابُ غَدًا، فَاللهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، وَغَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ [ص:19] اللَّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ، وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْهُ وَحْدَهُ: وَاللهِ لَا نَدَعُكُ تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا اللَّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَقَالَ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: دَعْنِي حَتَّى أَحْفِرَ، فَوَاللهِ لَأَمْضِيَنَّ لِمَا أُمِرْتُ، فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَازِعٍ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ وَكَفُّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَحْفِرْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى بَدَا لَهُ الطَّيُّ، فَكَبَّرَ وَعَرَفَ أَنْ قَدْ صُدِقَ، فَلَمَّا فَرَغَ وَبَلَغَ مَا أَرَادَ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ، وَعَفَتْ عَلَى الْآبَارِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يَسْتَقِي عَلَيْهَا الْحَاجُّ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ إِلَيْهَا؛ لِمَكَانِهَا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنَ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنَّهَا بِئْرُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَفَخَرَتْ بِهَا يَوْمَئِذٍ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ لِمَا وُلُّوا عَلَيْهِمْ مِنَ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَمَا أَقَامُوا عَلَيْهِ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ، وَإِنَّمَا كَانُوا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ شَرَفٌ، وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَضْلٌ وَلَمَّا انْتَشَرَتْ قُرَيْشٌ وَكَثُرَ سَاكِنُ مَكَّةَ قَبْلَ حَفْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ قَلَّتْ عَلَى النَّاسِ الْمِيَاهُ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْمُؤْنَةُ "
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه الفاكهي · Hadith 1065
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
