حدثنا عبد الله بن خلف بن موسى البلخي، عن الوليد بن مسلمٍ، عن خالد بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله.ولم يذكر أبا ذر.قال أبو عبد الله: فأصل الزهد هو الاستقلال.يقال في اللغة: هذا شيء زهيد؛ أي: قليل، وإن استقل الشيء، دق في عينه، وحقره، وتهاون به.وقال في قصة يوسف -صلوات الله عليه-: {وكانوا فيه من الزاهدين}؛ أي: من المتهاونين به، والمستحقرين له.فالزاهد دقت في عينه الدنيا بما فتح له من الغيب، فرأى الآخرة ببصر قلبه، فاستقل هذه، وتهاون بها، وخلق مضطراً محتاجاً إلى القوت، وقد ضمن له رزقه، فوثق بضمانه، وصار هذا الذي في يده كالأمانة، كأنه أودع وديعة، ووكل بحفظها على نوائب الحق لينفقها هناك، فضمان الرب لعبده الرزق كان أوكد عنده، وأعظم شأناً من أن يلتفت إلى ما في يده، فيركن إليه أن هذا رزقي، فإنما قدر على هذا بما فتح له في الآخرة بصره، حتى قدت الدنيا في جنبه، وشخص بصره على ضمان الرزاق في رزقه عند الحاجة إليه.فأما من لم يفتح له بصره في الآخرة، وعظم قدر الدنيا عنده، فمتى ما وجد منها شيئاً، اجتذبت مخاليبه فيها، وتشبثت، وعلق قلبه بها، ولم يستبر على قلبه ضمان الرزق، وكلما ذكر الفقر، وأوجس في نفسه خيفة، ركن إلى ما في يده، فهذا، وإن جانب الدنيا، وأكل النخالةوالحشيش، فليس بزاهد، إنما هو متزهد، يتكلف الزهد بجوارحه.وكذلك في المصائب يكون ثواب المصيبة آثر عنده من أن لو بقي عنده ذلك الشيء؛ لأن الشيء من الدنيا، وقد دق في عينه، والثواب من الآخرة، وقد عظم في عينه.وأما قوله: ((ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه))، فهذا علم اليقين.فالموحدون كلهم يعلمون هذا، وذلك علم اللسان، وحجة الله على ابن آدم، يخرجه على ألسنتهم إيمانهم، فبلسان التوحيد ينطقون، فلا تستقر قلوبهم مع هذه الكلمة، حتى يفر من الذي يتخوف أن يصيبه فراراً يعصي الله فيه.وأما أهل اليقين: فاستقر هذا العلم في قلوبهم، فانشرحت به صدورهم، فكانوا في النوائب كرأي العين؛ أي: إن هذا الذي ناب قد كان في سابق العلم، ثم يصور عندهم كونه في اللوح مسطوراً، فاستقرت نفوسهم لعلم يقينهم بذلك.فهذا عبد قد استنار في صدره وقلبه إيمانه، فهو حقيقة الإيمان، والإيمان في القلب والصدر بينة، ولا يعلم ما في القلب إلا الله، فإذا خرج نوره إلى الصدر، انشرح، فذلك هو حقيقة الإيمان، فظهر على الجوارح.وأما حقيقة الإخلاص: فهو أن ينفي عن قلبه وصدره حب المحمدة، فقد يكون مخلصاً لله في أموره، يعملها من أعمال البر، وهو يجاهد نفسه في ذلك حتى يصفيها ويخلصها، وليس ذلك حقيقة الإخلاص.إنما حقيقة الإخلاص: أن يزول عنه حب المحمدة والثناء، وذلك أن النفس إنما تحب المحمدة والثناء؛ لينفذ قوله، وينال نهمته في دنياه من خلقه، وهو يقول بلسان التوحيد: هذا كله من الله، ثم يراه الله معلق القلب بخلقه، طامعاً فيما لديهم، فهو غير ناجٍ من التزين والترائي، يريد بذلك التحمد عندهم؛ لتنال النفس ما تطمع فيه؛ لأن النفس قد علمت أن المذموم ساقط القدر، وفي سقوط القدر حرمان الحوائج والنوال.وأن المحمود رفيع القدر، وفي علو القدر وصولٌ إلى النهمات، وإسراف على الأمور، ودرك الأشياء، فهذا عبد لم يبلغ حقيقة الإخلاص في العبودة لله، فإذا استنار صدره بالإيمان، وتعلق قلبه بالله، نجا من الخلق، ومن الأسباب، وشخصت آماله إلى خالقه، فيتقي الخلق بما تصور في صدره بما تنطق الألسنة به من قوله: لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 645
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
