حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثا محمد ابن وهبٍ الواسطي، عن محمد بن شعيب بن شابور، قال: حدثنا الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه)).قال أبو عبد الله: فحسن الشيء غير الشيء، كما أن برد الماء غير الماء، وطيب المسك غير المسك، وحلاوة العسل غير الغسل، وقبح الشيء غير الشيء.ألا ترى أنه كان فيما تقدم من الشرائع أفعالاً قد أطلق الله فيها، فكان غير قبيح، فلما حرمه، حل به القبح، من ذلك: نكاح الأخوات من لدن آدم إلى زمن نوح عليهما السلام، ومن بعد ذلك الجمع بين الأختين كانا مطلقاً.وكان يعقوب قد جمع بين الأختين، فاستثنى الله في كتابه، فقال: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف}.وقال: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً}.فاستثنى سالف فعل الأمم التي أطلق لهم ذلك، وفي زمانهم لم يكن فاحشة، ولا مقتاً، ولا ساء سبيلاً، فلما حرمها، صارت فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً.فالإيمان والإسلام معتقد المؤمنين، اعتقدوا بقلوبهم وحدانية الرب لا شريك له، فذاك إيمانهم بقلوبهم، واعتقدوا بأن عرفوا رباً أسلموانفوسهم إليه عبيداً بكل ما يأمر وينهى، ويحكم ويشاء، فذاك إسلامهم، فأمرهم بالحق، وزجرهم عن الباطل، وبين الحق في تنزيله، وبين الباطل، فكل شيءٍ يعترض للمؤمن، فلم يعنه، تركه؛ لأن إنما عناه الحق، فأقبل إليه؛ لقوله: الإيمان والإسلام، وإشراق ذلك النور في صدره، وتولى عنه الباطل وأدبر، ثم من بعد ذلك هذه الشهوة في نفسه تتعدد، والعدو قد قعد بمرصد؛ ليرد الباطل الذي تولى عنه إليه، ويصد عنه وجه الحق الذي أقبل إليه، والمؤمن محارب مجاهد، يستغيث بالله في أحواله.فقوله: ((إن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه))؛ أي: إن إسلامه أولاً بقلبه: أنه لما عرف ربه، وحلته خشية، ويخشع له قلباً، فألقى بيديه سلماً بين يديه، فمن حسن إسلامه بالقلب أن يترك ما لا يعنيه، وهو الباطل في كل أمر.يقول: هذا علامة حسن إسلامه في الباطن، أن يكون تاركاً ما ليس بحق؛ لأنه ليس من بال المؤمن إلا الحق وإقامته.والجملة في ذلك ترك فضول الأشياء كلها: فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول المال، وفضول الأعمال، وفضول الأمور التي له منها بدٌّ وغنى، فترك هذه الفضولات دليل على أنه قد حسن إسلامه إلى ربهنفسه، وبذله له عبودة، وقد يكون قد أسلم إلى ربه نفساً، ثم ليس هو بتارك لما لا يعنيه لشر نفسه، وغلبة شهواته، فهو إسلام، وليس بحسن إسلام، فإنما ذكر حسن الإسلام أن حسنه في تركه ما لا يعنيه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 566
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
