حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا إسحاق بن محمدٍ الفروي، قال: حدثنا أبو يعلى سلمة بن وردان المديني، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من الناس ناسٌ مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومن الناس ناسٌ مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل مفتاح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل مفتاح الشر على يديه)).فالخير: مرضاة الله، والشر: مسخطة، فإذا رضي الله عن عبدٍ، كانت علامة رضاه عنه أن يجعله مفتاحاً للخير، فإن رئي، ذكر الخير برؤيته، وإن حضر حضر الذكر معه، وإن ذكر ذكر الخير معه، وإن نطق نطق بخيرٍ،وعليه من الله سماتٌ ظاهرةٌ، يذكره بالخير من لقيه؛ لأنه ينقلب في الخير بعمل الخير، وينطق بالخير، (ويفكر في خير، ويضمر على خير، فهو مفتاح الخير حيثما حضر، وسبب الخير) لكل من خالطه، أو عاشره، أو صحبه.والآخر يتقلب في الشر، يعمل الشر، وينطق به، ويفكر في الشر، ويضمر على شرٍّ، فهو مفتاح الشر حيثما حضر، وسبب الشر لكل من خالطه، أو صحبه.فصحبة الأول دواء، وصحبة هذا داء، لا يرجع منه إلا بنقصان، والأول لا يرجع منه إلا بزيادة، فمن كان بين يدي قلبه دنياه، فإنما يفتتح بدنياه إذا لقيك: ومن كان بين يدي قلبه آخرته، فإنما يفتتح بآخرته إذا لقيك، ومن كان بين يدي قلبه خالقه، فإنما يفتتح بذكره إذا لقيك.كلٍّ إنما ينشر عليك بره، ويحدثك عما يطالع قلبه، فالناطق عن دنياه يرغبك فيها، ويزين لك أحوالها، فالاستماع منه سقمٌ يورطك في ورطته، ويوقعك في وهدته، والناطق عن آخرته يرغبك فيها، ويزين لك أحوالها، ويقلل الدنيا في عينك، ويزهدك فيها، ويقف بك منها على سبيل خطرٍ؛ لما يخبرك عن فتنتها وغرورها، وخدعها، وأمانيها الكاذبة، وما يلقى أهلها غداً من شدة الحساب في أهوال القيامة.والناطق عن الله: يقف بك على تدبير الله، وعلى سبيل الاستقامة فيالعبودة، ويلهيك عن نفسك، وعن الدارين؛ لما يفتح عليك من منن الله وإحسانه، ولما يكشف عن آلاء الله من سترات الغيوب التي حرم هذا الخلق؛ بمعرفة تلك الأشياء، والانتباه لها، حتى يؤديك إلى سنن التوحيد، فيرمي بك إلى فردانيته، فتنفرد للفرد الواحد، وهم الكبراء الذين روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال: ((يا أبا جحيفة! جالس الكبراء، وخالل الحكماء، وسائل العلماء)).فالعلماء: بعلم أموره ينطقون.والحكماء: بعلم تدبيره ينطقون.والكبراء: بعلم الآية ينطقون.فالكبراء تكبروا في كبرياء الله وعظمته، وانفردوا في فردانيته، اعتزوا به، فرؤيتهم دواء، وكلامهم شفاء، فالمجالسة لهؤلاء.والمخاللة للحكماء: تخالِله، وتصير له مأمناً، فتفضي إليك حكمته.والمساءلة للعلماء: تسائلهم عن حلال الله وحرامه وأحكامه.وقد جعل الله في الخير من البركة ما يغلب الشر حيثما كان؛ لأن مع الخير من الله تأييد، فصاحب الخير بحسن منطقه يسكت الناطقين، وبحسن فعله يقطع فعل الفاعلين، وبحسن خلقه يقهر أحوال السوء من المسيئين،ويميت الشر حيثما حضر.أما ترى كيف وصفهم الله فقال: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}؛ أي: صواباً وسداداً، فإنما قمعوا الجاهلين، وردوا جهلهم بصوابهم، فسلم على يده الجاهل بأنه قد نطق عند مخاطبة الجاهل بما سلم الجاهل، والجاهل إذ خاطب الجاهل، وقعا في ورطة؛ لأن النار لا تطفأ بالنار، بل تزداد تسعراً، وإنما تطفأ بالماء.فكذلك جهل الجاهل إنما يرد بصواب القول، حتى سلم القائل والسامع؛ لأن الجهل ظلمة، الصواب نور، والنور غالب للظلمة.وهذا حديث تفرد به إسحاق بن محمد الفروي، عن سلمة بن وردان، كما انفرد أبو نعيم وجعفر بن عون بحديثهما، عن سلمة بن وردان: ((من ترك الكذب وهو باطلٌ، بني له بيتٌ في ربض الجنة)).والقعنبي تفرد أيضاً بحديث آخر عن سلمة، وكما تفرد مكي بن إبراهيم بحديث بهز، عن أبيه، عن جده: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بشيءٍ فإن قيل: هديةٌ، مد يده، وإن قيل: صدقةٌ، كف)).ومثل الجارود بن يزيد، عن بهز، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انزعوا عن ذكر الفاجر)).وكمثل ما تفرد أبو بكر الهذلي، عن بهز، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل))، وكل من كان سبباً للخير، فله حرمة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 546
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
