حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت زياد بن علاقة يقول: سمعت أسامة ابن شريكٍ يقول: شهدت الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علينا حرجٌ في كذا، هل علينا جناحٌ في كذا، هل علينا جناحٌ في أن نتداوى؟ قال: ((تداووا عباد الله؛ فإن الله لم ينزل داءً إلا وضع له شفاءً، إلا الهرم)).قال أبو عبد الله: فالدواء: هو شيء أنبته الله في الأرض بالحكمة البالغة؛ لمنافع الآدميين، وقد ذكر الله في تنزيله، فقال: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}.فالطبائع تتغير بحدوث الأزمنة، من الحر والبرد، وفساد الهواء، فيصير داء في الأجساد، ويحدث في الجسد أحداث من الطعام، وما يتعاطاه ابن آدم من قضاء الشهوات واللذات، والنصب، والسهر، والتعب، والهموم، وما يجتمع في جسده من الدم، والمرة، والبلغم، فكل ذلك يحدث منه ما يتغير به حاله، فيحتاج إلى دواءٍ يسكن ما هاج منه، فهذا تدبير الجسد، فإذا ترك تدبيره، ضيعه؛ كما لو ترك تدبير المعاش، ضاع.فالتداوي: حقٌّ، وهو فعل الأنبياء.وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يلقحون النخل، فقال: ((ما أرى هذا يغني شيئاً)).فذهبت عامة ثمارهم هزلاً، وصارت دقلاً، فعرف أن التدبير من الله في ذلك غير ما رأى، فأمرهم أن يعودوا إلى ما كانوا عليه.وكذلك عامة ما وضع من هذه الأشياء لم يتم ذلك الأمر إلا به، وكذلك علل الأجساد، كذا وضعت أن يعالج أحداثها حتى ترد إلى الهيئات التي كانت عليها، ولولا ذلك، لكانت الأدوية بشأنها مهملة، ولم يخلق الله عبثاً.وكان سليمان -صلوات الله عليه- ينبت كل يوم في محرابه شجرةٌ، ثم تنادي به الشجرة: أنا دواء لكذا، فتقطع، وتوضع في الخزائن، ويكتب اسمها في ديوان الطب، فعامة أهل الطب إنما ورثوه من ذلك الكتب.والناس في التداوي على ثلاثة أصناف، وعلى ثلاثة طبقات:فالطبقة الأولى: هم الأنبياء، والأولياء، أهل يقينٍ ومشاهدةٍ، تداووا، وقلوبهم خالية من فتنة الدواء على معاتبة، يتداوون وقلوبهم مع خالقالدواء، والذي جعل الشفاء مع ذلك الدواء، فهم يتداوون على ما هيأ لهم من التدبير، وينظرون الشفاء من الله.والطبقة الثانية: قوم من أهل اليقين، لم يأمنوا خيانة نفوسهم أن تطمئن إلى الدواء، وتركن إليه، فنفروا من ذلك، فكلما عرض لهم دواءٌ، فوضوا الأمر في ذلك إلى الله، وتوكلوا عليه، ولم يتكلفوا تداوياً، وإنما تركوا التكلف من ضعف يقينهم، خوفاً على قلوبهم أن تطمئن نفوسهم إلى الدنيا، فيصير سبباً تتعلق به قلوبهم، والأول أعلى وأقوى، فوضوا الأمر إلى الله، وتوكلوا عليه مع التكلف، فلم يصر التكلف لهم علاقة ولا سبباً، والآخرون خافون أن يصير ذلك سبباً وعلاقة فيما بينهم وبين ربهم، فتركوه.والطبقة الثالثة: أهل تخليطٍ، وقلوبهم مع الأسباب، لا ينفكون منها، فهم محتاجون إلى التداوي، ولا يصبرون على تركها، فهم العامة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 518
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
