حدثنا عمر بن أبي عمر بإسنادٍ له بمثله، وزاد فيه: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}.فصاحب الخلق مع تخليط كثير وتضييع وتفريط، فإذا مات، انطلقت ألسنة المؤمنين بالثناء عليه، فيقال: كان سخي النفس، فيقبل الله شهادتهم عليه، ويدخله الجنة بسخاوته، ويموت أحدهم كذلك، فيقال: كان ليناً، ويموت أحدهم، فيقال: كان رحيماً، ويموت أحدهم، فيقال: كان حسن الخلق، ويموت أحدهم، فيقال: كان حليماً، ويموت أحدهم، فيقال: كان رزيناً، ويموت أحدهم، فيقال: كان عطوفاً، ويموت أحدهم، فيقال:كان براً متودداً، ويموت أحدهم، فيقال: كان كريماً، ويموت أحدهم فيقال: كان سهلاً، ويموت أحدهم، فيقال: كان مواتياً منبسطاً، ويموت أحدهم، فيقال: كان عفواً حمولاً، ويموت أحدهم، فيقال: كان ليناً رفيقاً، ويموت أحدهم، فيقال: كان عفيفاً، تعاف نفسه مداني الأخلاق والأمور، ويموت أحدهم، فيقال: كان شكوراً لما يؤتى إليه، ويموت أحدهم فيقال: كان شجاعاً جلداً صارماً.فهذه أخلاق الله -تبارك وتعالى-، أكثرها مما تسمى به، والذي لم يتسم به؛ لأنه لفظة تنسب المخلوقين إليها، وإنما تسمى بالأرفع والأعزب، وتلك داخلةٌ فيما تسمى به؛ لأن اللين والرزانة من الحلم، والرحمة والعفة من النزاهة والطهارة.فمنيحة الله إياه واحدةً من هذه الأخلاق: أن يعطيه نور ذلك الاسم الذي تسمى به ربنا، فيشرق نوره على قلبه وفي صدره، فيصير لنفسه بذلك الخلق بصيرةٌ، فيعتادها، ويتخلق بها، فحقيقٌ عليه إذا أكرمه بذلك أن يهب له مساوئه، ويستره بمغفرته، ويدخله الجنة، فإنه ما أعطاه ذلك حتى أوجب له ذلك في غيبه.وقد جاء في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق ما قلنا، من ذلك ما روي عنه أنه قال: ((بينما رجلٌ لم يعمل خيراً قط فرفع غصن شوكٍ من الطريق، وقال: لعل ماراً يمر به فيؤذيه، فغفر الله له)).فإنما غفر الله له بالرحمة التي في قلبه، وبالعطف الذي عطف على خلقه.وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((بينما رجلٌ حوسب فلم يجد له حسنةً، فقال الله سبحانه وتعالى: اذكر شيئاً كنت تعمله في الدنيا، فأذكر العبد، فقال لا أذكر شيئاً يا رب إلا أني كنت أسامح الناس، وآمر غلماني أن يسامحوهم في اقتضاء مالي منهم، فيقول الله: فأنا أحق أن أسامحك اليوم)).ومثل هذا كثير في الأخبار.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله تعالى يحب كل عبدٍ طلقٍ سهلٍ لينٍ هينٍ، وحرمه على النار)).وقال صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)).وقال: ((الجنة دار الأسخياء، وما جبل الله ولياً له إلا على السخاء، ولجاهلٌ سخيٌّ أحب إلى الله من عابدٍ بخيلٍ)).وقال: ((حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة، ويدرك به درجة الصائم والقائم)).وقال عز وجل: {والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}.وقال: ((التأني والتؤدة من الله)).فكانت هذه الأخلاق للعرب: ومنائح الله لهم، ثم طهرهم بالتوحيد، ثم طيبهم باليقين، فعبدوا الله على مطلع عظيم، وكأنهم يعبدونه عنرؤية، فشق لهم أسماء من اسمه، وشرع لهم أوسع الشرائع وأسمحها، وستر عليهم ذنوبهم، وجعل خروجهم منها بالندم والاستغفار، وأعطاهم جواهر الكلم.فقال لبني إسرائيل: عاقبوا أبدانكم بذنوبكم، واقطعوا منها كذا، وتجدونه مكتوباً على أبوابكم.وقال لنا في ستر ذنوبنا: {توبوا}؛ أي: ارجعوا بقلوبكم فيما بيني وبينكم.وقال لهم: {وقولوا حطةٌ}؛ أي: حط عنا، وقال لنا: قولوا: {اغفر لنا}.فهذا جوهر غير ذلك، وإنما صار هذا هكذا؛ لأن كلام كل قوم عند ربهم على ما هم عليه، فبنو إسرائيل لم يكن عندهم من اليقين ما عند هذه الأمة، فلما أذنبوا، قيل لهم: {وقولوا حطةٌ}؛ أي: حط عنا.وهذه الأمة بفضل يقينها استحيت من الله للذنب الذي تعمله، وكأنه رأى نفسه خارجاً من ستر الله عرياناً، فأعطي الكلمة التي تكون دواءً لما حل به، ورأى نفسه بتلك الحالة، فقيل له: قل: اغفر لي؛ [أي:]استر وغط، فإن أصل المغفرة: الستر والتغطية، ومنه سمي المغفر؛ لأنه يغطي الرأس.وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البزاق في المسجد، قال: ((فإنه أغفر للنخامة))؛ أي: أستر، فمن استحيا من ذنبه، ورأى نفسه عارياً بين يدي الله، قيل له: قل: اغفر لي، ومن عجز عن رؤية هذا، قيل له: قل: حطة، وصارت صدقاتهم عوداً بها على فقرائهم، فطابت نفوسهم بما رأوا على فقرائهم، من فضلهم، وسكنت قلوبهم على الصدقات أنها تصير إلى الله، ولم يتنطعوا، ولا تعمقوا، فأنزل الله عليهم: {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات}.فكان بعضهم يمشي بصدقته إلى السائل لا يكلها إلى غيره، ويقبلها من قبل أن يضعها في يده؛ ليقينهم بمن يأخذها منهم على ما أخبرهم ربهم أنه هو الذي يقبل ويأخذ، وقال: ((إن الصدقة لتقع في يد الله من قبل أن يأخذها السائل)).فرزقهم الله من اليقين ما إذا قيل لهم الشيء، سكنت قلوبهم.وقيل: إن قلوب هذه الأمة تأوي إلى ذكر الله، كما تحن الحمامة إلى وكرها، ولهي أسرع إلى الذكر من ظمأ الإبل في يوم ورودها إلى الماء.وأمرت بنو إسرائيل أن يضعوا في أرديتهم خيوطاً خضراء، كي إذا نظروا إليها ذكروا السماء، فإذا ذكروا السماء، ذكروا العرش، فيذكرون الله، ويوم الوفادة، حيث اختار موسى عليه السلام سبعين رجلاً لميقات الله، فلما صاروا إلى الجبل، أعطاهم الله ثلاث خصال فيما روي في الخبر:فقال: ((أعطيكم الحفظ لتقرؤوها عن قلوبكم))، قالوا: إنا نحب أن نقرأ التوراة نظراً، قال: ((فذلك لأمة أحمد))، قال: ((وأعطيكم السكينة في قلوبكم))، قالوا: نحن لا نقدر على حملها، فاجعلها لنا في تابوت، فكلمنا منها إذا احتجنا، قال: ((فذلك لأمة أحمد))، قال: ((وأعطيكم أن تصلوا من الأرض حيث أدركتكم))، قالوا: لا نحب إلا أن يكون ذلك في كنائسنا. قال: ((فذلك لأمة أحمد)).فكان نوف البكالي إذا حدث بهذا الحديث، قال: احمدوا ربكم الذي شهد غيبتكم، وأخذ بحظكم، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم.فجعل الله السكينة في قلوب المؤمنين، وجعل الأرض لهم مسجداً وطهوراً، وقرن الحفظ بالعقول منهم ليقرؤوا عن قلوبهم.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت أمتي ثلاثاً لم يعط أحدٌ: صفوف الصلاة، وتحية أهل الجنة، وآمين، إلا ما أعطي موسى وهارون من قوله: آمين)).وكان من قبلهم يتفرقون في الصلاة، وجوه بعضهم إلى بعضٍ، وقبلتهم إلى الصخرة، وإذا لقي أحدهم أخاه، انحنى له بدل السلام، وخضع له، وفيه مؤنة، يريد بذلك أمانه، فأعطينا تحية أهل الجنة أن يقول أحدهم بلسانه فيؤمنه.فمن يقدر أن يحصي ما أعطيت هذه الأمة من اليسر والعلوم والجواهر، والبر واللطف والكرامة والفضل البارز؟ وجعل سيماء عبودتهم له يوم القيامة على وجوههم غر محجلون: غر من السجود، ومحجلون من الوضوء.قد سجدت قبلهم الأمم، فلم يظهر على جباههم يومئذ شيء من هذا النور، ولا على أطرافهم، وتلك شارة أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم في الموقف، وبها يعرفون، وهم أهل الله وخاصته.قيل: يا رسول الله! من أهل الله؟ قال: ((أهل القرآن)).وما زال موسى -صلوات الله عليه- يقول: يا رب! إني أجد في الألواح أمة لهم كذا، ويعملون كذا، فاجعلهم أمتي، يقول الله: هم أمة أحمد.حتى قال فيما روي: يا ليتني كنت منهم؛ غبطةً بهم.روي في الخبر: عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن موسى عليه السلام اشتاق إلى رؤيتهم، فقال الله له بطور سيناء: أتحب أن أسمعك أصواتهم؟ فقال: بلى يا رب، فنادى: يا أمة أحمد! فأجابوه من الأصلاب: لبيك اللهم لبيك، فقال: أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، ورحمتكم قبل أن تعصوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبدي ورسولي، أدخلته جنتي.فذلك قوله: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمةً من ربك}؛ يمن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: لم تكن يا محمدبجانب الطور إذ نادينا أمتك، ولكن رحمة عليهم من قبل أن أخلقهم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 400
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
