حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن محمود بن لبيدٍ، عن حذيفة بن اليمان، قال: الأبدال بالشام، وهم أربعون رجلاً على منهاج إبراهيم، كلما مات رجل منهم، أبدل الله مكانه آخر، والعصب بالعراق أربعون رجلاً، كلما مات رجل منهم، أبدل الله مكانه آخر، عشرون منهم على اجتهاد عيسى بن مريم، وعشرون منهم قد أوتوا مزامير آل داود.العصب: رجال تشبه الأبدال.وروي عن وهب بن منبه: فيما يحكى في مناجاة موسى -عليه الصلاة والسلام-، عن الله -تبارك اسمه-: أنه قال: هم أربعون صديقاً، كلهم بي ولي وإلي.وروي في الخبر: أن الأرض شكت إلى الله ذهاب الأنبياء، وانقطاع النبوة، فقال لها: سوف أجعل على ظهرك صديقين أربعين، فسكنت.فالصديقون إنما بانوا من الخلق بصدق القلوب مع الله، لا بصدق الأعمال مع الملائكة، وهذا مقام القلوب عند الله، قد باينوا الخلق والنفس، والعمال ليس لقلوبهم طريق إلى الله، إنما طريق قلوبهم إلى الثواب، والأنبياء والصديقون من بعدهم قد انكشف الغطاء عنهم، وصار لهم إلى الله طريق حتى يعبدوه، كأنهم يرونه. كما قال صلى الله عليه وسلم: ((اعبد الله كأنك تراه)).وهو ما وعد الله من هداية السبل للذين جاهدوا فيه، فقال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.ومن جاهد نفسه في ذات الله صدقاً، هداه لسبيله، فقوي على التفويض والتوكل، ألا ترى إلى قول الرسل: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا}.فالتوكل والصبر الصافي، إنما هو للمهدي سبيله، وهو الذي أعطي اليقين، فأشرق صدره بنور مليكه، فصار من الأمور على معاينة، ومن القلب على مشاهدة للنجوى في محل القربة.فأما العمال: فليسوا من هذا الأمر في شيء، وإنما أعينهم إلى ثوابه وعقابه، وإلى أعمالهم لهما، والصديقون أعينهم إلى الله في كل أمر دنيا وآخرة، فسموا أبدالاً لوجهين: وجه: أنه كلما مات رجل منهم، أبدل مكانه آخر لتمام الأربعين.ووجه آخر: أنهم بدلوا أخلاقهم السيئة، وراضوا أنفسهم حتى صارت محاسن أخلاقهم حلية أعمالهم ونحلتهم.وأما قوله في مناجاة موسى صلى الله عليه وسلم: (كلهم بي ولي وإلي) أي: بي يقومون ويقعدون وينطقون، وبي يأخذون ويعطون.وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله تبارك اسمه: ((فإذا أحببت عبدي، كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يأخذ، وبي يعطي، وبي يعقل)).وقوله: (لي) أي: هم صفوتي، قد بذلوا لي قلوبهم ونفوسهم، فهم لي لا تشركني فيهم نفوسهم.وقوله: (إليّ) أي: تأوي قلوبهم إلي في كل أمرٍ وسعيٍ وحالٍ.فأما صفة الثلاثين الذين قال لهم: إن قلوبهم على قلب إبراهيم، فأولئك هم الذين لا تسكن قلوبهم إلى من دونه في شيء من أمر الدين والدنيا، قد ولهت قلوبهم، ووقعت في قبضته.وأما العصب: فهم المحقون، فمنهم مستعملون على طريق الجهد، ومنهم روحانيون، قد أوتوا من مزامير داود.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 302
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
