حدثنا سفيان، أخبرنا أبي، عن سفيان، عن نهشلٍ الضبي، عن قزعة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال لقمان: إن الله إذا استودع شيئاً، حفظه)). قال أبو عبد الله رحمه الله:فأصل الوديعة: هو الترك والتخلي عن الشيء.وهو قوله تعالى: {ما ودعك ربك وما قلى}؛ أي: ما تركك.وإن الله تعالى جعل الأمور تقوم بالأسباب؛ محنةً وبلوى لأهلها؛ لينظر من ينفذ قلبه من الأسباب إلى ولي الأسباب، ومن يتعلق بها، (فيكون قلبه سبياً من سبي الأسباب)، فيكون مثله كما ذكر الله في تنزيله، فقال: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجلٍ هل يستويان مثلاً}، ثم قال: {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}.فهذا في الظاهر تجده رجلاً يعبد أصناماً شتى، ورجلاً سلماً للواحد القهار، هل يستويان؟ وفي الباطن رجلاً في قلبه شركاء متشاكسون، وهي شهواته التي تغلي في صدره، فقد سبى قلبه أسباب تلك الشهوات، ورجلاً قد انفرد قلبه للواحد، وخلا من جميع الأسباب، وماتت نفسه من الشهوات {هل يستويان مثلاً}؟ثم قال: {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}. ثم قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.فباطن هذه الأمثال إنما طالعها أهل اليقين ببصائر نفوسهم، ونور يقينهم، فوضع الله هذه الأمور في الأسباب، وربوبيته في الأسباب قائمة، فلا تطرف عينٌ، ولا ينبض عرقٌ، ولا تحس حاسة من الحواس بشيء إلا بإذنه، وقوام الأشياء ودوامه به، كيفما تصرفوا في الأمور، وتقلبوا في الأحوال، فإنما يتصرفون في ربوبيته، فالموحدون وحدوه، وأخلصوا إليه التوحيد، ثم بقيت قلوبهم مع الأسباب التي منها يرون بدو الأسباب حين تبدو، ولم يعبروا إلى ولي الأسباب ومدبرها لهم، فتشبثت نفوسهم بالأشياء، وتعلقت قلوبهم بها، حتى افتتنوا بها، وعصوا الله من أجلها، فضيعوا حقوقه، وركبوا مساخطه.وأهل اليقين: احتدت أبصار قلوبهم بنور اليقين، فنفذت إلى تدبير ولي الأسباب، فصارت لهم معاينة، ووصلت إلى ولي الأسباب، فاستوطنت على القربة هناك عاكفة على ربها، وولت الأسباب ظهراً، فهو يمضي في الأسباب كسائر الخلق، والأسباب لا تأخذه، ولا تغير قلبه؛ لأنه قلبه هناك بين يدي الخالق، مبهوتٌ في جلاله وعظمته، والأسباب من وراء ظهره، فهو يمضي فيها، ولا يلتفت إليها، فلا تجد الأسباب سبيلاً إلى أن تفتنه، وإنما يأخذ الأسباب كل أحمق قد أسرته نفسه، فقلبه في غطاء عن الله، فلا يرى الأشياء تبدو له إلا من الأسباب، والنفس في خدعها وغرورها من ورائه، فلا يزال هكذا حتى يصير قلبه سبياً من سبي النفس، وأسيراً من أسراها، لا يعمل إلا ما تهوى به نفسه. فإذا خلف شيئاً في مكان، وأراد أن يغيب عنه؛ استودع الله عز وجل ذلك الشيء، فهذا منه في ذلك الوقت تخلٍّ وتبرؤ من حفظه ومراقبته؛ لأنه ما دام معه، فهو في نفسه يحسب أنه هو الذي يحفظه ويكلؤه ويرعاه، وهو يقول مع هذا: {فالله خيرٌ حافظاً}. ولكن هذا القول منه قول الموحدين، لا قول الموقنين المنتبهين لما يقول، فما دام معه، فهو يحفظه. ثم إذا خلفه في حرزٍ، أو في حراسة، أو أخفاه في موضع، فقد وكله إلى ذلك الحرز والحراسة، وإذا جعله هكذا، ثم مع هذا أودعه ربه سبحانه وتعالى، فقد وكله إلى الله، وتبرأ من حفظه، وحفظ حرزه وحارسه، وتخلى منه مضى في تدبير الآدميين أن يحرزوا أو يحرسوا، ثم وكله إلى الله، فوجده ملياً وفياً كريماً. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من توكل على الله، كفاه)).وقال في حديث آخر: ((من سره أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله)).لأنه إذا توكل، قوي قلبه، ولم يبال بأحدٍ، وذهبت مخاوفه.وقد قال في تنزيله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. فإذا كان الله عز وجل حسبه، فكفى به حسيباً.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من انقطع إلى الله عز وجل، كفاه)).فإن الله أعطى الخلق علم الأمور، وعلم أسبابها، وعلم حيلها، وأعطاهم القوة، ومعرفة التصرف في ذلك، ولم يغنهم عن نفسه بما أعطاهم، فكلهم مع جميع ما أعطاهم الله فقراء مضطرون؛ لأنه لا يكون شيء إلا به.فالغافل الأحمق: يرى ما أعطي من هذه الأشياء، فيقتدر بها في الأمور، ويتملك، فيريه الله عجزه، وفقره، وضعفه، ويعرفه أنه لا يقوم له شيء إلا به؛ فإن الأسباب التي أعطاهم كلهم ضعفاء فقراء مثله، فإذا قال العبد: لا حول ولا قوة إلا بالله، تبرأ من الأسباب، وتخلى من وبالها، فجاءته القوة والعصمة، وجاءه الغياث والتأييد، والرحمة تكنفه، فالوديعة التي تودع العبد ربه، إنما هو تخلٍّ وتبرٍّ من الحول والقوة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 206
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
