حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي المصري، حدثنا ابن وهبٍ، حدثني حييٌّ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرٍو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوماً فتاني القبر، فقال عمر رضي الله عنه: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: ((نعم، كهيئتكم اليوم)). فقال عمر: ففي فيه الحجر.قال أبو عبد الله رحمه الله: فالمؤمن كريم على ربه، يدل بزلفاه على خلقه، فمن عرض له بسوء، عارضه بإذن الله معتزاً بالله، وكيف لا يكون هكذا، وقد أوحى إليه في تنزيله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون}. فأعلم أن المنافقين لا يعلمون هذا، أما المؤمنون، فقد بان لهم أن الله تعالى قد أعزهم، وبان لهم عند أنفسهم أنهم إنما يعتزون بالله، فعمر رضي الله عنه حين ذكر له فتاني القبر، فغاظه ذلك من فعل الفتانين، ففزع إلى الله، وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنما كان يجد الخبر من الغيب على لسانه: أترد إلينا عقولنا؟ فلما قال: ((نعم، كهيئتكم اليوم))، أنطقته الجرأة، جرأة الدالة، لا جرأة الحماقة، جرأة الدالة من اليقظة والمعرفة، وجرأة الحماقة من الجهل والغفلة.(فقال: ففي فيه الحجر)؛ أي: إنه إذا كان عقلي الذي معي اليوم يرد علي كهيئته اليوم معي، أسكته من حسن الجواب، ووفارته وتمامه، فكأني ألقمته الحجر؛ أي: بجوابي، وبما أعطى من سلطان الحق، ونفاذ بصيرة العقل؛ لأنه نظر، فوجده كأنه أعطي سلطان الامتحان، ونظر إلى نفسه، فوجده قد أعطي سلطان الحق ونوره، فلم يبال به؛ فإنما سلط على سؤاله الجواب، وخلق خلقة منكرة، وسمي منكراً لذلك، ولصاحبه نكيراً مثل ذلك أيضاً. ألا ترى كيف وصفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وشعورهما تحت أقدامهما، يحفران الأرض بأنيابهما)).فسميا منكراً ونكيراً، فمنظرهما هائل، فإذا كان في القلب من سلطان المعرفة ما لا يهاب في الدنيا ملوك الدنيا وفراعينها، ولا يبالي بكل شيء تنفر منه القلوب، ولا يهابه كأن الذي في قلبه يدله على أنه لا يبالي به، ولا يهابه.وقال في رواية أخرى: ((إذاً أنا أكفيكهما يا رسول الله)).فقد عرف عمر رضي الله عنه قوة عقله، وما أعطاه الله من سلطان الحق، فلما علم أنه مردودٌ عليه يومئذ، تشجع، وكيف لا يتشجع وهو يجد في قلبه أنه لا يخاف إلا الله، ولا يهاب الحروب، ولا معاداة ملوك الدنيا شرقاً وغرباً، وهذا ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يفعل هذا الفعل بسبع من السباع، ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يروي.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 181
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
