كذلك حدثني به أبي، عن مطرف، عن مالك بن أنس رضي الله عنه. فجعلت حسناتهم على ثلاث منازل؛ لأنهم ثلاثة أصناف: ظالمون، ومقتصدون، وسابقون.فالصنف الأول: هم أهل تخليط، قومٌ موحدون لا يرعوون عن الحرام، ولا يحفظون حدود الله، خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، فهم الظالمون، والحسنة منهم بعشر أمثالها.والصنف الثاني: قوم هم متقون، متورعون، قائمون على الحدود على سبيل الاستقامة، وهم المقتصدون، والحسنة منهم بسبع مئة؛ لأن جوارحهم قد صارت مسبلةً لله، قد استقامت على سبيل الله، فإذا أنفقوا من جوارحهم عملاً، كان بسبع مئة، كالذي ينفق ماله في سبيل الله، فهو بسبع مئة.ومما يحقق ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حسن إسلام العبد، تمم الله له عمله بسبع مئة ضعفٍ)). فقوله: (حسن إسلامه): هو أن يكون مستقيم الطريق إلى ربه، لا يعرج يميناً ولا شمالاً؛ أي: لا يعصي، فهذا ترفع أعماله من جوارح طاهرةٍ، والأول من جوارح دنسةٍ.والصنف الثالث: قومٌ أهل يقين، انتبهوا، وحييت قلوبهم بالله، وماتت منها الشهوات، وهم السابقون المقربون، فأعمالهم مضاعفة لا يعلم تضعيفها إلا الله عز وجل، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل من أمتي يبلغ بوزن الحرف الواحد من تسبيحه زنة أحدٍ)).وما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: إن الرجل من هذه الأمة يعدل عمل يومه سبع سماوات وسبع أرضين.وبما روي عن كعب: إن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجداً، فيغفر لمن خلفه، فكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك، ويذكر أنه وجده كذلك في التوراة. وقد ذكر الله عز وجل في تنزيله هذه الأصناف، فقال: {فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله}، ثم قال: {ذلك هو الفضل الكبير}.وقال في شأن التضعيف: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}، فقد دخل فيه الكل، ثم قال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبةٍ}.فهذا لمن أنفق ماله في سبيل الله، فكيف من أنفق جوارحه في سبيله؟!فإذا لم تكن الجوارح سليمة، لم يمكنه أن ينفق منها في سبيله، إنما ينفق منها كما ينفق أحدهم دراهمه في سبيل الخيرات هاهنا في وطنه.ثم قال: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرةً}.فالقرض الحسن: هو الذي يعطى من غير التفات إلى ما أعطي، فهذا له بأضعاف ما لا يحصى عدده، وقد أجملنا هذه الكلمة في تفسير القرض الحسن، وقد شرحته في بابه في قصة أبي الدحداح رضي الله عنه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 122
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
