حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا محمد بن وهبٍ الواسطي، عن الوليد بن مسلمٍ، عن أبي بكر بن أبي مريم، قال: حدثني حكيم بن عمير أبو الأحوص، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا عبيدة! لا تأمنن على أحدٍ بعدي)). قال أبو عبد الله: فالرسول صلى الله عليه وسلم مأمن الخلق ومفزعهم، له عطف الآباء، وشفقة الأمهات، ورحمة الوالهات، وشهد الله له في تنزيله أعظم شهادة، فقال تعالى: {عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ}.فقد حشي بالرأفة والرحمة، والنصيحة لله في خلقه، واستنار قلبه بنور الله، فدقت الدنيا بما فيها في عينه، وصغر عنده بذل نفسه لله في جنب الله، فكان مفزعاً، وكان مأمناً، وكان غياثاً، وكان رحمةً، وكان أماناً.فأما المفزع: فقال تعالى في تنزيله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً}.وكان مفزعاً لهم عند الذنوب يصيرون إليه حتى يستغفر لهم.وفي المأمن: قوله تعالى: {ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى}؛ أي: يأمنون بقوله: لا ينطق عن الهوى.وفي الغياث: قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها}.وفي الرحمة: قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين}. وفي الأمان: قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}، فليس لأحد بعد الرسول هذا المقام، صديقاً كان أو فاروقاً أو أميناً، فلذلك قال: ((لا تأمنن على أحدٍ بعدي))؛ أي: كأمنك علي؛ كأنه دله على أن يكون على حذر، ويحترس، ولا يتكل، ولا يأمن على من بعده كاتكاله عليه؛ فإن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم، وليس لمن بعده عصمة الرسل -عليهم السلام-.فالمعصوم مأمون، ومن خلا من عصمتهم فغير مأمون أن يستغل العدو منهم هفوة أو زلة، ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه خطب الناس فقال: ((إن لي شيطاناً يعتريني فاجتنبوني إذا غضبت، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وإذا زغت، فقوموني)).وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((ما منكم أحدٌ إلا وقد وكل به قرينه من الشيطان))، قالوا: ومعك يا رسول الله؟ قال: ((ومعي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم)). فكأن الله قد عصمه، واكتنفه، وتولاه، وطهره، وطيبه، وحسن أخلاقه، وأقامه على أدب القرآن، وأثنى عليه فقال تعالى: {وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ}، وكان قد بلغ من أمانته ما يعجز الواصف عنه.وروي عنه: أنه أراد قتل بعض المشركين العتاة، وكان قد أمرهم أن يقتلوه، وإن وجدوه متعلقاً بأستار الكعبة، فجاء به عثمان يسأل له الأمان، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فسكت، ثم سأله الثالثة، فأعطاه الأمان، فقال: ((انتظرت أن يقوم أحدكم فيضرب عنقه))، قالوا: فهلا أومأت؟ قال: ((إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين)).وروي عنه -أيضاً-: أنه كان إذا مشى لا يلتفت، فكان أصحابه قد أمنوا التفاته، ويضحكون، ويمزحون، فربما تعلق رداؤه بشجرة، أو بشيء، فيقوم، ولا يلتفت حتى يضعوه عليه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 88
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
