سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد عن الإيمان، ما هو؟ فقال: الإيمان هو والتصديق: الإيقان، وحقيقة العلم بما غاب عن الأعيان، لأن المخبر لي بما غاب عني: إن كان عندي صادقاً لا يعارضني في صدقه ريب ولا شك، أوجب علي تصديقي إياه، إن ثبت لي العلم بما أخبر به؛ ومن تأكيد حقيقة ذلك: أن يكون تصديق الصادق عندي، يوجب علي أن يكون ما أخبرني به كأني له معاين، وذلك صفة قوة الصدق في التصديق، وقوة الإيقان الموجب لاسم الإيمان؛ وقد روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فأمره بحالتين، إحداهما أقوى من الأخرى، لأني كأني أرى الشيء بقوة العلم به وحقيقة التصديق له: أقوى من أن أكون أعلم أن ذلك يراني، وإن كان علمي بأنه يراني حقيقة علم موجبة للتصديق؛ والمعنى الأول أولى وأقوى، والفضل بجمعهما على تقديم إحداهما على الأخرى، قال أحمد، وسألته عن علامة الإيمان، قال: الإيمان علامته: طاعة من آمنت به، والعمل بما يحبه ويرضاه، وترك التشاغل عنه بشيء ينقضي عنده، حتى أكون عليه مقبلاً، ولموافقته مؤثراً، ولمرضاته متحرياً؛ لأن من صفة حقيقة علامة الإيمان: ألا أوثر عليه شيئاً دونه، ولا أتشاغل عنه بسبب سواه، حتى يكون المالك لسري، والحاث لجوارحي بما أمرني، من آمنت به وله عرفت، فعند ذلك تقع الطاعة لله على الاستواء، ومخالفة كل الأهواء، والمجانبة لما دعت إليه الأعداء، والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا، والإقبال على من هو أولى؛ وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه، وصفة الكل المطلوب شرحه، قال: وسألته ما الإيمان؟ فقال: هذا سؤال لا حقيقة له، ولا معنى ينبئ عن مزيد من علم، وإنما هو: الإيمان بالله جل ثناؤه مجرداً، وحقيقته في القلوب مفرداً، وإنما هو: ما وقر في القلب من العلم بالله والتصديق، وبما أخبر من أموره في سائر سماواته وأرضه مما ثبت في الإيقان، وإن لم أره بالعيان، فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق، وللإيقان إيقان؟ وإنما الصدق: فعل قلبي، والإيقان: ما استقر من العلم عندي، فكيف يجوز أن يفعل فعلي، وإنما أنا الفاعل، أو يعلم علمي، وإنما أنا العالم، والسؤال في مستقيم، ولو جاز أن يكون للإيمان إيمان وللتصديق تصديق، جاز أن يوالي ذلك ويكرر، إلى غاية تكثر في العدد، وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيماني وثواب تصديقي: أن يعود علي إيمان إيماني ثواب، وعلى تصديق تصديقي جزاء، ولو أردت استقصاء القول في واجب ذلك، لا تسع به الكتاب، وطال به الخطاب، وهذا مختصر من الجواب. (10/ 265 - 266) * أحمد بن جعفر يقول
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · Hadith 838
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
Sanad
سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد عن الإيمان، ما هو؟ فقال: الإيمان هو والتصديق: الإيقان، وحقيقة العلم بما غاب عن الأعيان، لأن المخبر لي بما غاب عني: إن كان عندي صادقاً لا يعارضني في صدقه ريب ولا شك، أوجب علي تصديقي إياه، إن ثبت لي العلم بما أخبر به؛ ومن تأكيد حقيقة ذلك: أن يكون تصديق الصادق عندي، يوجب علي أن يكون ما أخبرني به كأني له معاين، وذلك صفة قوة الصدق في التصديق، وقوة الإيقان الموجب لاسم الإيمان؛ وقد روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فأمره بحالتين، إحداهما أقوى من الأخرى، لأني كأني أرى الشيء بقوة العلم به وحقيقة التصديق له: أقوى من أن أكون أعلم أن ذلك يراني، وإن كان علمي بأنه يراني حقيقة علم موجبة للتصديق؛ والمعنى الأول أولى وأقوى، والفضل بجمعهما على تقديم إحداهما على الأخرى، قال أحمد، وسألته عن علامة الإيمان، قال: الإيمان علامته: طاعة من آمنت به، والعمل بما يحبه ويرضاه، وترك التشاغل عنه بشيء ينقضي عنده، حتى أكون عليه مقبلاً، ولموافقته مؤثراً، ولمرضاته متحرياً؛ لأن من صفة حقيقة علامة الإيمان: ألا أوثر عليه شيئاً دونه، ولا أتشاغل عنه بسبب سواه، حتى يكون المالك لسري، والحاث لجوارحي بما أمرني، من آمنت به وله عرفت، فعند ذلك تقع الطاعة لله على الاستواء، ومخالفة كل الأهواء، والمجانبة لما دعت إليه الأعداء، والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا، والإقبال على من هو أولى؛ وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه، وصفة الكل المطلوب شرحه، قال: وسألته ما الإيمان؟ فقال: هذا سؤال لا حقيقة له، ولا معنى ينبئ عن مزيد من علم، وإنما هو: الإيمان بالله جل ثناؤه مجرداً، وحقيقته في القلوب مفرداً، وإنما هو: ما وقر في القلب من العلم بالله والتصديق، وبما أخبر من أموره في سائر سماواته وأرضه مما ثبت في الإيقان، وإن لم أره بالعيان، فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق، وللإيقان إيقان؟ وإنما الصدق: فعل قلبي، والإيقان: ما استقر من العلم عندي، فكيف يجوز أن يفعل فعلي، وإنما أنا الفاعل، أو يعلم علمي، وإنما أنا العالم، والسؤال في مستقيم، ولو جاز أن يكون للإيمان إيمان وللتصديق تصديق، جاز أن يوالي ذلك ويكرر، إلى غاية تكثر في العدد، وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيماني وثواب تصديقي: أن يعود علي إيمان إيماني ثواب، وعلى تصديق تصديقي جزاء، ولو أردت استقصاء القول في واجب ذلك، لا تسع به الكتاب، وطال به الخطاب، وهذا مختصر من الجواب. (10/ 265 - 266)
