nan30 - بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ كَمَا خبرنا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَكَمَا هُوَ مَفْهُومٌ فِي فِطْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، عُلَمَائِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ، أَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ، ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، بَالِغِيهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ، كُلُّ مَنْ دَعَا اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ: فَإِنَّمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى اللهِ، إِلَى أعلى لاَ إِلَى أَسْفَلَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِوَاءَ رَبِّنَا عَلَى الْعَرْشِ فِي الْبَابِ قَبْلُ، فَاسْمَعُوا الآنَ مَا أَتْلُو عَلَيْكُمْ في كِتَابِ رَبِّنَا الَّذِي هُوَ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، مَقْرُوءٌ فِي الْمَحَارِيبِ وَالْكَتَاتِيبِ، مِمَّا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي التَّنْزِيلِ أَنَّ الرَّبَّ جَلَّ وَعَلاَ فِي السَّمَاءِ، لاَ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ: إِنَّهُ فِي أَسْفَلِ الأَرَضِينَ فَهُوَ فِي السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهُ المتتابعة. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضُ}. وَقَالَ اللَّهُ - عز وجل -: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}. أَفَلَيْسَ قَدْ أَعْلَمَنَا - يَا ذَوِي الْحِجَا - خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ.(1/231)وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعْهُ}، أَفَلَيْسَ الْعِلْمُ مُحِيطًا يَا ذَوِي الْحِجَا وَالأَلْبَابِ أَنَّ الرَّبَّ جَلَّ وَعَلاَ فَوْقَ مَنْ يَتَكَلَّمْ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، فَتَصْعَدُ إِلَى اللهِ كَلِمَتُهُ؟ لاَ كَمَا زَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ أَنَّهُ تَهْبِطُ إِلَى اللهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ كَمَا تَصْعَدُ إِلَيْهِ. أَلَمْ تَسْمَعُوا يَا طُلاَّبَ الْعِلْمِ، قَوْل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، أَلَيْسَ إِنَّمَا يَرْفَعُ الشَّيْءَ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، لاَ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ؟ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}، وَمُحَالٌ أَنْ يَهْبِطَ الإِنْسَانُ مِنْ ظَهْرِ الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهَا، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ وَأَسْفَلَ. فَيُقَالُ: رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، لأَنَّ الرِّفْعَةَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ - الَّذِينَ بِلُغَتِهِمْ خُوطِبْنَا - لاَ تَكُونُ إِلاَّ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى وَفَوْقَ أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ خَالِقِنَا جَلَّ وَعَلاَ يَصِفُ نَفْسَهُ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، أَوَ لَيْسَ الْعِلْمُ مُحِيطًا، أنَّ اللَّهَ فَوْقَ جَمِيعِ خلقه، مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالْمَلاَئِكَةِ، الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ السَّمَاوَاتِ جَمِيعًا؟ أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْخَالِقِ الْبَارِئِ {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.(1/232)فَأَعْلَمَنَا الْجَلِيلُ - عز وجل - فِي هَذِهِ الآيَةِ أَيْضًا أَنَّ رَبَّنَا فَوْقَ مَلاَئِكَتِهِ، وَفَوْقَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِي الأَرْضِ، مِنْ دَابَّةٍ، وأَعْلَمَنَا أَنَّ مَلاَئِكَتَهُ يَخَافُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي فَوْقَهُمْ. وَالْمُعَطِّلَةُ تَزْعُمُ أَنَّ مَعْبُودَهُمْ تَحْتَ الْمَلاَئِكَةِ، كما هو فوقهم، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ خَالِقنَا: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}، أَلَيْسَ مَفهوما فِي اللُّغَةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْعَرَبِ الَّتِي خُوطِبْنَا بِهَا وَبِلِسَانِهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ، أَنَّ تَدْبِيرَ الأَمْرِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، إِنَّمَا يُدَبِّرُهُ الْمُدَبَّرُ، وَهُوَ فِي السَّمَاءِ لاَ فِي الأَرْضِ، وكَذَلِكَ مَفْهُومُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْمَعَارِجَ: الْمَصَاعِدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}، وَإِنَّمَا يَعْرُجُ الشَّيْءُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى وَفَوْقَ، لاَ مِنْ أَعْلَى إِلَى دُونَ وَأَسْفَلَ، فَتَفَهَّمُوا لُغَةَ الْعَرَبِ لاَ تَغَالَطُوا.(1/233)وَقَالَ جَلَّ وَعَلاَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} والأَعْلَى: مَفْهُومٌ فِي اللُّغَةِ: أَنَّهُ أَعْلَى كل شَيْءٍ، وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاللَّهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ تَنْزِيلِهِ وَوَحْيِهِ، وأَعْلَمَنَا أَنَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، أَفَلَيْسَ الْعَلِيُّ يَا ذَوِي الْحِجَا مَا يَكُونُ عاليا، لاَ كَمَا تَزْعُمُ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ أَنَّهُ أَعْلَى وَأَسْفَلُ، وَوَسَطٌ، وَمَعَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ أَرْضٍ وَسَمَاءٍ، وَفِي أَجْوَافِ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ. وَلَوْ تَدَبَّرُوا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ وَوَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِفَهْمِهَا: لَعَقَلُوا أَنَّهُمْ جُهَّالٌ، لاَ يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وبان لَهُمْ جَهْلَ أَنْفُسِهِمْ، وَخَطَأَ مَقَالَتِهِمْ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا سَأَلَهُ كَلِيمُهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّ يُرِيَهُ يَنْظُرَ إِلَيْهِ قَالَ: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} أَفَلَيْسَ الْعِلْمُ مُحِيطًا يَا ذَوِي الأَلْبَابِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَمَعَ كُلِّ بَشَرٍ وَخَلْقٍ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعَطِّلَةُ، لَكَانَ مُتَجَلِّيًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وكذاك جَمِيعِ مَا فِي الأَرْضِ، لَوْ كَانَ مُتَجَلِّيًا لِجَمِيعِ أَرْضِهِ سَهْلِهَا وَوَعْرِهَا وَجبلها، وَبَرَارِيهَا وَمَفَاوِزِهَا، وُمُدُنِهَا وَقُرَاهَا، وَعُمْرَانِهَا وَخَرَابِهَا، وَجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ نَبَاتٍ، وَبِنَاءٍ لَجَعَلَهَا دَكًّا كَمَا جَعَلَ اللَّهُ الْجَبَلَ الَّذِي تَجَلَّى لَهُ دَكًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا}.(1/234)
كتاب التوحيد لا بن خزيمة - ت سمير بن أمين الزهيري - ن دار المغني - الرياض · Hadith 30
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
