صحیح الترغیب والترھیب #3704
3704 - (3) [صحيح] وعن عبد الله بن مسعودٍ عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يجمعُ الله الأوَّلين والآخِرينَ لميقاتِ يوم معلومٍ قياماً أرْبعينَ سنةً، شاخِصةً أبْصارُهم، ينتظرون فصل القضاء"، فذكر الحديث (1) إلى أن قال: "ثم يقولُ -يعني الربُّ تبارَك وتعالى-: ارْفَعوا رؤوسَكم، فيرفَعون رؤوسَهُم، فيعطيهمْ نورَهُم على قدرِ أعْمالِهم، فمنهم مَنْ يُعطى نورَهُ مثلَ الجَبلِ العظيمِ يسْعى بين يديْهِ، ومنهم مَنْ يُعطَى نورَه أصغَر مِنْ ذلك، ومنهم مَنْ يُعطى مثلَ النخْلَةِ بيمينه، ومنهم مَنْ يعطى [نوراً] أصغَر مِنْ ذلك، حتى يكون آخرُهم رجلاً يُعْطى نورَه على إبْهامِ قدَمهِ، يضيءُ مرَّةً ويُطْفأُ مرَةً، فإذا أضاءَ قدَّم قدَمَه [فمشى]، وإذا طفِئَ قام، [قَال: والرب عز وجل أمامهم، حتى يُمَرَّ في النار فيبقى أثَرُهُ كَحدِّ السيفِ؛ دحضٌ مَزَلّة، قال: ويقول: مُروا] (2). فيَمرُّون على قدرِ نورِهْم، منهم مَنْ يَمرُّ كطَرْفَةِ العَيْنِ، ومنهم من يمُرّ كالبرقِ، ومنهم مَنْ يمرُّ كالسحابِ، ومنهم مَنْ يمرُّ كانْقِضاضِ الكَوكب، ومنهم مَنْ يمرّ كالريحِ، ومنهم من يمرُّ كشدِّ الفَرسِ، ومنهم مَنْ يمرُّ كشدِّ الرجُلِ، حتى يمرُّ الذي يُعطى نورَه على إبهام قدمه يَحْبو على وجْهِهِ ويديه ورجْلَيْهِ، تَخِرُّ يدٌ وتَعَلَّقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رجلٌ، وتعلَّق رجلٌ، وتصيبُ جوانِبَه النارُ، فلا يَزال كذلك حتى يخْلُصَ، فإذا خَلَص وقفَ عليها فقال: الحمدُ لله الذي أعْطاني ما لَمْ يُعْطِ أحداً؛ إذْ نَجَّاني منها بعدَ إذْ رأيتُها. قال: فيُنْطَلَق به إلى غديرٍ عند بابِ الجنَّة فيغتَسِلُ، فيعوذ إليه ريحُ أهْلِ الجنَّة وألْوانهم، فيرى ما في الجنَّة مِنْ خلال الباب، فيقولُ: ربِّ أدْخِلْني الجنَّة. فيقولُ [الله] له: أتسْألُ الجنَّةَ وقد نجَّيْتك مِن النارِ؟ فيقول: ربِّ اجْعل بيني وبينَها حجاباً لا أسْمَعُ حسيسَها. قال: فيدخُل الجنَّة ويرى أو يُرفع له منزلٌ أمامَ ذلك كأنَّ ما هو فيه إليه حُلُم. فيقولُ: ربِّ أعْطني ذلك المنزل: فيقول لَه: لعلَّك إنْ أعْطيتُكَه تسألُ غيرَه؟ فيقول: لا وعِزَّتِكَ لا أسألُك غيره، وإنِّي منزلٌ أحْسَن منه؟! فيُعْطاهُ فينزِلُه، ويرى أمامَ ذلك منزلاً كأنَّ ما هو فيه [بالنسبة] إليه حُلُم، قال: ربِّ أعْطِني ذلك المنزلَ. فيقولُ الله تباركَ وتعالى له: فلَعلَّك إنْ أعطيتُكَهُ تسأَلُ غيره؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ [لا أسألك غيره]، وأنِّي منزلٌ أحسنُ منه؟! فيُعطاه فينزله، [قال: ويرى أو يرفعُ له أمامَ ذلك منزلٌ آخر، كأَنما هو إليه حلمٌ، فيقولُ: أعطني ذلكَ المنزلِ، فيقولُ الله جلَّ جلالُه: فلعلك إن أعطيتُكَهُ تسأل غيره، قال: لا وعِزَّتِكَ لا أسأل غيره، وأي منزل يكونُ أحسنَ منه؟! قال: فيعطاه فينزله،] ثمَّ يسْكُت فيقولُ الله جلَّ ذكرُه. ما لَك لا تسْأَل؟ فيقول: ربِّ! قد سألتك حتى استَحْييتُك، وأقسَمْتُ [لك] حتى اسْتَحْيَيتُك. فيقول الله جلَّ ذكره: ألَمْ ترضَ أنْ أعْطيَكَ مثلَ الدنيا منذُ خلقْتُها إلى يومِ أفْنَيْتها وعشرةَ أضْعافِه؟ فيقولُ: أتهزَأُ بي وأنْتَ ربُّ العِزَّة؟ فيضْحَكُ الربُّ تعالى مِنْ قولِه". -قال: فرأيتُ عبدَ الله بَن مسْعودٍ إذا بلَغ هذا المكان مِنْ هذا الحديث ضَحِك، [فقالَ له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن! قد سمعتكَ تحدّث هذا الحديثِ مراراً؛ كلما بلغت هذا المكان ضَحِكْتَ؟ فقال: إني سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحدّث هذا الحديث مراراً، كلما بَلَغَ هذا المكان من هذا الحديثِ ضَحِكَ] (1) حتى تبدوَ أضْراسُه- قال: "فيقول الربُّ جلَّ ذِكْرُه: لا، ولكنِّي على ذلك قادِرٌ، سَلْ، فيقولُ: أَلْحِقْني بالناسِ فيقول: الْحَقْ بالناسِ. فينطَلِقُ يرمُل في الجنَّة، حتى إذا دَنا مِن الناس رُفع له قصرٌ مِنْ درَّةٍ؛ فيَخِرُّ ساجِداً، فيقالُ له: ارْفَعْ رأسَك، ما لَك؟ فيقول: رأيتُ ربِّي -أو تراءى لي ربي-، فيُقال [له]: إنَّما هو منزِلٌ مِنْ منازِلِكِ، قال: ثم يَلْقى رجلاً فيتهيَّأُ للسجودِ له، فيقالُ له: مَهْ! [ما لك؟] فيقولُ: رأيتُ أنَّك ملَك مِنَ الملائكةِ! فيقول: إنَّما أنا خازِنٌ مِنْ خُزَّانِكَ، وعبدٌ مِنْ عبيدِك، تحتَ يدي ألْفُ قَهْرَمانٍ على مثل ما أنا عليه. قال: فينطَلقُ أمامَه حتى يَفْتَح لهُ القَصْرَ، قال: وهو مِنْ دُرَّةٍ مجوَّفة، سقائفهِا وأبْوابُها وأَغلاقُها ومفاتيحُها منها، تسْتَقْبِله جوْهَرةٌ خضْراءُ مُبَطَّنةٌ بحَمْراءَ، (فيها سبْعونَ باباً، كلُّ بابٍ يُفْضي إلى جوهرةٍ خَضْراءَ مُبَطَّنَةٍ) (1)، كلُّ جوْهَرةٍ تُفْضي إلى جَوْهَرةٍ على غير لَوْنِ الأُخْرى، في كلِّ جوهرةٍ سررٌ وأزْواجٌ ووصائِفُ، أدْناهُنَّ حَوْراءُ عَيْناءُ، عليها سَبْعون حُلَّة، يُرى مخَّ ساقِها مِنْ وراءِ حُلَلِها، كبِدُها مِرْآتُه، وكبِدُه مِرْآتُها، إذا أعْرضَ عنها إعْراضَةً ازدادَتْ في عيْنه سبْعين ضِعْفاً [عما كانت قبلَ ذلِكَ، إذا أعْرضَتْ عنه إعراضةً ازدادَ في عينِها سبعينَ ضِعْفاً عما كان قَبْلَ ذلك، فيقولُ لها: والله لقد ازددتِ في عيني سبعين ضِعْفاً، وتقول له: وأنتَ والله لقد ازددتَ في عيني سبعين ضعفاً]، فيُقال له: أشْرِفْ، فيُشْرِفَ، فيقال له: مُلْكُكَ مسيرَةُ مئةِ عامٍ، يَنْفُذه بَصَرُكَ". قال: فقال عمر: ألا تسمَعُ ما يحدِّثنا ابْنُ أمِّ عبْدٍ يا كعبُ! عن أدْنى أهْلِ الجنَّةِ منزِلاً، فكيفَ أعْلاهُم؟ قال: يا أميرَ المؤْمِنينَ! ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذنٌ سمِعَتْ، إنَّ الله جلَّ ذكرُه خلق داراً جعلَ فيها ما شاءَ مِنَ الأزْواجِ والثمراتِ والأشْرِبَةِ، ثمَّ أطْبَقها فلَمْ يَرها أحَدٌ مِنْ خلْقهِ لا جبريلُ ولا غيرُه مِنَ الملائكة، ثم قرأ كعب: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. قال: وخلَقَ دونَ ذلك جنَّتَيْنِ، وزيَّنَهما بِما شاءَ، وأراهُما مَنْ شاءَ مِنْ خَلْقِه، ثم قال: فَمنْ كان كتابُه في علِّيِّين نزلَ في تلك الدارِ التي لَمْ يَرها أحَدٌ، حتى إنَّ الرجُلَ منْ أهْلِ علِّيِّين ليخرجُ فيسيرُ في مُلْكِهِ، فلا تبْقَى خَيْمَةٌ مِنْ خِيَمِ الجنَّة إلا دخَلها مِنْ ضوْءِ وجْهِهِ، فيسْتَبْشِرون بريحه، فيقولون: واهاً لهذا الريحِ! هذا ريحُ رجُلٍ مِنْ أهْلِ عِلِّيِّين، قد خرجَ يسيرُ في ملْكِه. قال: ويحَك يا كعبُ! إنَّ هذه القُلوبَ قد اسْتَرْسلَت فاقْبِضْها، فقال كعب: [والذي نفسي بيده] إنَّ لِجَهنَّم يومَ القيامَةِ لزفْرةً ما مِنْ ملَكٍ مقرَّب، ولا نبيٍّ مُرْسَلٍ، إلا خَرَّ لركْبتَيْهِ، حتى إنَّ إبراهيمَ خليلَ الله لَيقولُ: ربِّ! نفْسي نفْسي، حتى لو كانَ لك عملُ سبعينَ نبِيّاً إلى عَملِك لظَنَنْتَ أن لا تَنْجوَ. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم هكذا عن ابن مسعودٍ مرفوعاً، وآخره من قوله: "إن الله جل ذكره خلق داراً" إلى آخره موقوفاً على كعب. وأحد طرق الطبراني صحيح، واللفظ له، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وهو في مسلم بنحوه باختصار عنه. (1) __________ (1) تقدم هذا التمام في أول (26 - البعث / 2/ 3519). (2) في العبارة شيء فانظر التصويب في "البعث".
عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
صحیح الترغیب والترھیب · [28 - كتاب صفة الجنة]. · Hadith 3704
