بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #288
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ , أَحْمَدُ بْنُ سِبَاعٍ قَالَ : حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الضَّوْءِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ عَوْنٍ الْوَاسِطِيَّ , قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو الْأَحْوَصِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ ,عَنْ حُذَيْفَةَ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَرَبَ لِسَانِي , فَقَالَ : فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ فَقَدْ قَالَ : سَبْعِينَ مَرَّةً , وَقَالَ : أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً , وَقَالَ : مِائَةَ مَرَّةٍ , فَيَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالسَّبْعِينَ الْحَدَّ وَالْغَايَةَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا , وَلَكِنَّهُ قَالَ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ كَثِيرًا.وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا هَوَى فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا , وَقَالَ فِيهِ سَلْمَانُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ عُمَرُ فَقَالَ : إِي وَاللَّهِ يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ , وَمَعَ السَّبْعِينَ سَبْعِينَ خَرِيفًا.
وَالْأَخْبَارُ فِي ذِكْرِ السَّبْعِينَ كَثِيرَةٌ , وَأَكْثَرُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْكَثْرَةِ , لَا إِخْبَارٌ عَنْ نِهَايَةٍ , وَوَجْهُ تَخْصِيصِ السَّبْعِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْدَادِ عِنْدَ الْعِبَارَةِ عَنِ الْكَثْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْعَدَدَ قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ , فَالْقَلِيلُ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ , وَالْكَثْرَةُ الثَّلَاثَةُ فَمَا فَوْقَهَا , وَأَدْنَى الْكَثِيرِ الثَّلَاثَةُ , وَلَيْسَ لِأَقْصَاهُ غَايَةٌ , ثُمَّ الْعَدَدُ أَيْضًا نَوْعَانِ : شَفْعٌ وَوِتْرٌ , وَالشَّفْعُ أَوَّلُ النَّوْعَيْنِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} {الفجر) , وَأَوَّلُ الْإِشْفَاعِ اثْنَانِ , وَأَوَّلُ الْأَوْتَارِ الثَّلَاثَةُ , وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ , أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا ضَرَبْتَ وَاحِدًا فِي وَاحِدٍ لَمْ يَخْرُجْ هُنَاكَ عَدَدٌ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى فِي كِتَابِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ : الْوَاحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ وَإِنَّمَا الْعَدَدُ جَمَاعَةٌ مُرَكَّبَةٌ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مَأْخُوذًا مِنَ الْعَوْدِ , كَأَنَّ الْعَدَدَ إِعَادَةُ الْحِسَابِ مَرَّاتٍ , فَيُعَادُ الْوَاحِدُ مَرَّاتٍ فَيَصِيرُ عَدَدًا , فَالشَّفْعُ إِعَادَةُ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ , وَالْوِتْرُ إِعَادَتُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , هَذَا أَوَّلُ الْأَشْفَاعِ , وَأَوَّلُ الْأَوْتَارِ , وَالْوَاحِدُ وِتْرٌ , وَلَيْسَ مِنْ جِهَةَ الْعَدَدِ , وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ غَيْرُ زَوْجٍ , لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِوِتْرٍ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ , لَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ فَرْدٌ لَا يَزْدَوِجُ بِشَيْءٍ , كَمَا أَنَّهُ وَاحِدٌ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ , وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ , وَالسَّبْعَةُ أَوَّلُ جَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَوْتَارًا ثَلَاثَةً , وَأَشْفَاعًا ثَلَاثَةً , فَأَوَّلُ أَشْفَاعِهَا الِاثْنَانِ , ثُمَّ الْأَرْبَعَةُ , ثُمَّ السِّتَّةُ , وَأَوَّلُ أَوْتَارِهَا الثَّلَاثَةُ , ثُمَّ الْخَمْسَةُ , ثُمَّ السَّبْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِوِتْرٍ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ - كَمَا قُلْنَا - فَالسَّبْعَةُ جَمْعُ كَثْرَةِ الْعَدَدِ , وَكَثْرَةِ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا نَوْعَا الْعَدَدِ , ثُمَّ الْعَشَرَةُ كَمَالُ الْحِسَابِ ؛ لِأَنَّ الْآحَادَ مُنْفَرِدٌ كُلُّ عَدَدٍ مِنْهَا بِنَفْسِهِ إِلَى الْعَشَرَةِ , كَقَوْلِهِمُ : اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ إِلَى الْعَشَرَةِ , فَإِذَا جَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَهِيَ إِضَافَةُ الْآحَادِ إِلَى الْعَشَرَةِ , كَقَوْلِهِمُ : اثْنَا عَشَرَ , وَثَلَاثَةَ عَشَرَ إِلَى عِشْرِينَ , وَالْعِشْرُونَ تَكْرِيرُ الْعَشَرَةِ مَرَّتَيْنِ , وَثَلَاثُونَ تَكْرِيرُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَى مِائَةٍ , وَالْقَوْلُ فِي الْمِائَةِ وَالْعَشَرَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْآحَادِ وَالْعَشَرَةِ , كَذَلِكَ الْأَلْفُ وَلَيْسَ وَرَاءَهُ اسْمٌ لِلْحِسَابٍ , بَلْ هُوَ إِعَادَةُ الْأَلْفِ مَرَّاتٍ وَتَكْرِيرُهُ.
فَالسَّبْعُونَ يُجْمَعُ مِنَ الْكَثْرَةِ وَالنَّوْعِ وَالْكَثْرَةِ وَكَمَالِ الْحِسَابِ , وَالْكَثْرَةُ مِنْهُ , وَالنَّوْعَيْنِ مِنَ الْكَمَالِ , وَالْكَثْرَةُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ عَشْرُ مَرَّاتٍ سَبْعَةٌ فَهُوَ فِي كَمَالِ الْحِسَابِ الَّذِي هُوَ الْعَشَرَةُ كَالسَّبْعَةِ فِي الْآحَادِ , وَالسَّبْعُونَ أَدْنَى الْكَثِيرِ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ , وَالْأَقْصَى لَا الْغَايَةُ لَهُ , فَعَبَّرَ عَنِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُجَاوِزُ الْعَدَدَ بِالسَّبْعِينَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِذَا بُولِغَ فِي الْكَثْرَةِ قَالُوا : سَبْعُمِائَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ {سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ} ثُمَّ قَالَ {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} , فَأَخْرَجَهُ عَنِ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ , وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلْحَاجِّ الْمَاشِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ , قِيلَ مَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ ؟ قَالَ : كُلُّ حَسَنَةٍ سَبْعُمِائَةٍ كَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْكَثْرَةِ , فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِمِائَةِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَعْدَادِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فَإِنَّهَا مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ , وَذَلِكَ الْعَدَدُ مَحْصُورٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِثْلَ قَوْلِهِ {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} , وَقَوْلِهِ تَعَالَى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} , وَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} {السجدة) ؛ لِأَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُتَنَاهٍ مَعْدُودٌ , فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُمَا نُزُولًا وَصُعُودًا لِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.
وَقَوْلُهُ {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} {المعارج) , فَهُوَ مَقْصُودُ طُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مُتَنَاهٍ , آخِرُهُ دُخُولُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ , وَأَهْلِ النَّارِ النَّارَ , وَالْخُلُودُ فِيهِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم.ُ
حَدِيثٌ آخَرُ.