اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه #209
209 - وعن عِمْران بن حُصَيْن قال: كنا في سَفَرٍ مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وإنا أَسْرَيْنَا حتى (1) كنا في آخر الليل وقعنا وَقْعَة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها. فما أيقظنا إلا حَرُّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلان، ثم فلانٌ ثم فلانٌ -يُسَمِّيهم أبو رجاء فنسي عوف- ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو الذي يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يَحْدُثُ له في نومه، فلما استيقظ عمر، ورأى ما أصاب الناس -وكان رجلًا جَلِيدًا، فكبَّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يُكبر، ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ لصوته النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما استيقظ شَكَوْنا إليه الذي أصابهم فقال: "لا ضَيْرَ -أو لا يضير- ارتحلوا" (2)، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوَضُوءِ فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس. فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزلٍ لم يُصَلِّ مع الناس. قال: "ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ " قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك". ثم سار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاشتكى إليه الناس من العطش فنزل فدعا فلانًا -كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف- ودعا عليًّا -رضي اللَّه عنه- فقال: "اذهبا فابتغيا الماء"، فانطلقا فلقيا (3) امرأةً بين مَزَادَتَيْنِ -أو سَطِيحَتَيْنِ- من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونَفَرُناَ خُلُوفٌ قالا لها: انطلقي إذًا. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قالت: الذي يقال له: الصابئ؟ قالا: هو الذي تَعْنِينَ، فانطلقي، فجاءا بها إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحدثناه الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بإناء، فأفرغ (1) فيه من أفواه المَزَادَتَيْنِ -أو السطيحتين- وأَوْكَأَ أفواههما، وأطلق العَزَالي، ونودي في الناس: اسقوا واستَقُوا فسقى من سقى (2) واستقى من شاء، وكان آخر ذلك (3) أَنْ (4) أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء قال: "اذهب فأَفْرِغْهُ عليك"، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها وَايْمُ اللَّه لقد أُقْلِعَ عنها وإنه ليخيل إليها أنها أشد مِلأةً منها حين ابتدأها (5). فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجمعوا لها طعامًا"، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها. قال لها: "تعلمين ما رَزِئْنَا من مائك شيئًا، ولكن اللَّه هو الذي أسقانا"، فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجبُ، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له: الصابئُ، ففعل كذا وكذا فواللَّه إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه -وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء -تعني السماء والأرض- أو إنه لَرَسُولُ اللَّه حقًّا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ (1) الذي هي منه. فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام فأطاعوها فدخلوا في الإسلام. الغريب: "السُّرَى": سير الليل، وفِعْلُه سرى وأسرى لغتان قرئ بهما. و"الجليد من الرجال": الجَلَدُ، وهو الشهم الجريء على الأمور. و"لا ضَيْرَ": أي: لا ضرر. و"الصعيد": وجه الأرض، قاله الخليل. و"المَزَادَة": القِرْبَة الكبيرة بزيادة جلد فيها من غيرها، وبذلك سميت مَزَادَه. و"السطيحة": نوع من القِرَب مُسَطَّحة. و"النَّفَر" هنا: النساء. و"خُلوف": لا رجال معهم، يقال: حي خلوف: إذا خرج رجالهم في غارة أو نحوها، و"الصَّابئ": هو الخارج من دين إلى غيره، من صَبَأ النجم والسن: إذا طلعا، فأصله الهمزة. وقد يسهل، وقرئ بهما، وقد يكون المسهل من صبا يصبو: إذا مال. و"أَوْكَأَ": ربط بالوِكَاء، وهو الخيط الذي يشد به فم السقاء. و"العَزَالي": جمع عزلاء -ممدودًا مهموزًا- وهي مخرج الماء من المزادة. وقال الهَرَوِيُّ: هو فوها الأسفل، و"رَزِئْنَاك": نقصناك، وصوابه بالهمزة كما رواه الأصيلي، و"سقى" و"أسقى": لغتان، وقد فرق بينهما. * * *
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه · (7) كتاب التيمم · Hadith 209
