275- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْفَارِسِيُّ الزَّاهِدُ : مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْمُسْلِمِينَ , وَلاَ فِي الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ , وَلاَ فِي الْعُلَمَاءِ الْمُتَفَقِّهِينَ , وَلاَ فِي الْعَارِفِينَ الْعَابِدِينَ , وَلاَ فِي الضُّلاَّلِ الْمُبْتَدِعِينَ أَحَدٌ يَسْتَحِلُّ فِي عَقْدِ دِيَانَتِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ الطَّعْنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَدَّ فَضِيلَةً فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهَا , وَخَصَّهُ بِهَا , كَمَا خُصَّ بِالزِّيَارَةِ إِلَيْهِ حَيًّا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ , وَنَادَى بِذَلِكَ فِي أَسْمَاعِ الْخَلاَئِقِ , فَقَالَ : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} ثُمَّ سَارَ بِهِ الْمَلَكُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مُنْتَهَى مُنْقَطِعِ عِلْمِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ , فَقَالَ : {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} فَانْتَهَى الْعِلْمُ إِلَيْهِمَا مِنْ قِبَلِ الْمَلاَئِكَةِ خَاصَّةً دُونَ وَلَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ؛ لأَنَّ بَنِي آدَمَ قَدْ شَغَلَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْفُسِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي مَلَكُوتِ الأَعْلَى , فَقَالَ : {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}.
- وَقَدْ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} , قَالَ : يُجْلِسُهُ عَلَى الْعَرْشِ . فَبَلَغَنِي أَنَّ مَسْلُوبًا مِنَ الْجُهَّالِ أَنْكَرَ ذَلِكَ , فَنَظَرْتُ فِي إِنْكَارِهِ , فَإِنْ كَانَ قَصَدَ مُجَاهِدًا , فَابْنَ عَبَّاسٍ قَصَدَ , وَإِنْ كَانَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ قَصَدَ , فَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ , وَإِنْ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ , فَبِاللَّهِ كَفَرَ , وَإِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَهُ مَنْ أَنْكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا , أَوْ جَحَدَ لَهُ فَضْلاً , أَوْ غَاضَهُ شَيْءٌ مِنْ فَضْلِهِ , أَنْ لاَ يُنِيلَهُ شَفَاعَتَهُ , وَأَنْ لاَ يَحْشُرَهُ فِي زُمْرَتِهِ , وَأَنْ يَحْتَجِبَ عَنْهُ كَمَا وَعَدَ الْجَهْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ مِنَ الاِحْتِجَابِ عَنْهُمْ , فَإِنَّهُ قَالَ : {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمَ ثُمَّ يُقَالَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} , وَوَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَقْعَدَ الصِّدْقَ عِنْدَهُ , وَالنَّظَرَ إِلَى وَجْهِهِ بِالنُّضْرَةِ فِي وُجُوهِهِمْ إِذَا نَظَرُوا إِلَى وَجْهِهِ , وَالسُّرُورَ فِي قُلُوبِهِمْ إِذَا عَبْدُوهُ بِالْحُبِّ لَهُ , وَالاِشْتِيَاقَ إِلَى الْمَقْعَدِ عِنْدَهُ وَمُجَاوَرَتِهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ ,
فَالْعَجَبُ الْعَجَبُ أَنَّ النَّصَارَىَ تَضْحَكُ بِنَا أَنَّا نُسَلِّمُ الْفَضَائِلَ كُلَّهَا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ تُشْبِهُ الرُّبُوبِيَّةَ , أَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ , فَهَذِهِ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِيهِ وَحْدَهُ , فَسَلَّمْنَا ذَلِكَ لِعِيسَى بِالرِّضَا وَالتَّصْدِيقِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنْكَرَ هَذَا الْمَسْلُوبُ فَضِيلَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَحْنُ نَفْخَرُ عَلَى الأُمَمِ كُلِّهَا أَنَّ نَبِيَّنَا أَفْضَلُ الأَنْبِيَاءِ , فَأَمَّا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ : الشَّفَاعَةُ , فَإِنَّا لاَ نَدْفَعُ ذَلِكَ فَنُشَارِكُهُ فِي جَهْلِهِ , بَلْ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُشَفِّعُهُ فِي وَقْتٍ مَا , يَأْذَنُ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ وَيُكْرِمُهُ بِمَا أَحَبَّ مِنَ الْكَرَامَةِ , حَتَّى يُعَرِّفَ أَوْلِيَاءَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ كَرَامَتَهُ وَفَضْلَهُ , وَلَقَدْ ضَاقَ قَلْبُ الْمَسْلُوبِ عَنْ حَمْلِ مَعَانِي الْعِلْمِ , فَلاَ يَطَّلِعُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ وَالاِتِّبَاعِ عَلَى مَعَانِي الْكِتَابِ , قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ} فَهَذِهِ سَاعَةُ تَزْفِرُ جَهَنَّمَ , فَتَذْهَلُ الْعُقُولُ , حَتَّى يَقُولَ الرُّسُلُ مِنْ شِدَّةِ الْجَهْدِ إِذَا زَفِرَتْ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ , فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {مَاذَا أُجِبْتُمْ , قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا} ثُمَّ تَأْتِي عَلَيْهِمْ سَاعَةُ يَشْهَدُونَ بِعُقُولٍ صَحِيحَةٍ ,
أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ {وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} وَقَوْلِهِ {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} فَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي وَقْتٍ , وَالشَّفَاعَةُ فِي وَقْتٍ , إِلاَّ أَنْ يَزْعُمَ هَذَا الْجَاهِلُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُجْلِسَهُ عَلَى الْعَرْشِ , أَوْ يَقُولَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ , وَكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ وَاللَّهُ يَحْلِفُ بِحَيَاتِهِ , فَقَالَ : {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} وَمَعْنَاهُ : وَحَيَاتِكَ , وَيُقَالَ : وَعَيْشِكَ , كَيْفَ وَهُوَ يَتْرُكُ يَعْقُوبَ فِي حُزْنِهِ ثَمَانِينَ سَنَةً لاَ يَسْأَلُهُ عَنْ حُزْنِهِ , فَقَالَ : {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} حَتَّى إِذَا حَزَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ أَنْزَلَ عَلَيْهِ {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} وَقَالَ : {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أَيْ أَنَا الْمُكَذَّبُ لاَ أَنْتَ , وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِأُمِّ سَلَمَةَ أَوْ زَيْنَبَ أَرْسَلَ ضُعَفَاءَ أَصْحَابِهِ , فَأَوْلَمَ عَلَيْهِمْ فَجَلَسُوا لِلْحَدِيثِ , وَعَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ الْخَلْوَةَ بِأَهْلِهِ , فَمَنَعَهُ الْحَيَاءُ مِنْهُمْ أَنْ يُخْرِجَهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ}
وَعَاتَبَ عَنْهُ نِسَاءَهُ إِذَا سَأَلُوهُ الدُّنْيَا , فَقَالَ اللَّهُ {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} . وَبَلَغَ مِنْ قَدْرِهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ إِذَا سَأَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ دِينِهِمْ , وَإِذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ , أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} يَسْأَلُونَكَ عَنْ كَذَا , يَسْتَفْتُونَكَ فِي كَذَا , {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} وَ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} فِي كُلِّ ذَلِكَ يَتَوَلَّى عَنْهُ الْجَوَابَ , فَوَاللَّهِ يَا إِخْوَتِي , لَوْ رُدَّتْ كَلِمَةُ جَاهِلٍ فِي فِيهِ لَسَعِدَ رَادُّهَا كَمَا شَقِيَ قَائِلُهَا , وَإِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ رَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ أَنْكَرَ لَهُ حَقًّا , أَوْ جَحَدَ لَهُ فَضْلاً , أَوْ أَغَاضَهُ شَيْءٌ مِنْ فَضْلِهِ , وَفَضَائِلِ أَصْحَابِهِ أَنْ لاَ يُنِيلَهُ شَفَاعَتَهُ , وَلاَ يَحْشُرَهُ فِي زُمْرَتِهِ , وَلَسْتُ أَدَّعِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذِكْرَ مَا فَضَّلَنَا اللَّهُ بِهِ مِنْ فَضَائِلِ نَبِيِّنَا , وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى قَوْلِهِ {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى , وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} فَلِرَبِّنَا الْحَمْدُ عَلَى مَا أَوْدَعَ قُلُوبَنَا مِنْ حُبِّ الاِتِّبَاعِ , وَلَهُ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ يُذِلَّنَا بِالاِبْتِدَاعِ , وَالسَّلاَمُ.