أخبار مكة للأزرقي #734
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْرَقِيُّ: قَالَ جَدِّي: " لَمَّا بَنَى الْمَهْدِيُّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَزَادَ الزِّيَادَةَ الْأُولَى، اتَّسَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ وَشِقُّهُ الَّذِي يَلِي دَارَ النَّدْوَةِ الشَّامِيُّ وَضَاقَ شِقُّهُ الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَلِي الْوَادِيَ وَالصَّفَا، فَكَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي شِقِّ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَادِيَ كَانَ دَاخِلًا لَاصِقًا بِالْمَسْجِدِ فِي بَطْنِ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ، قَالَ: وَكَانَتِ الدُّورُ وَبُيُوتُ النَّاسِ مِنْ وَرَائِهِ فِي مَوْضِعِ الْوَادِي الْيَوْمَ، إِنَّمَا كَانَ مَوْضِعُهُ دُورِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُسْلَكُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الصَّفَا فِي بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ يُسْلَكُ فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْتِفَافِ الْبُيُوتِ، فِيمَا بَيْنَ الْوَادِي وَالصَّفَا، وَكَانَ الْمَسْعَى فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْيَوْمَ، وَكَانَ بَابُ دَارِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَادِ بْنِ جَعْفَرٍ عِنْدَ حَدِّ رُكْنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْيَوْمَ، عِنْدَ مَوْضِعِ الْمَنَارَةِ الشَّارِعَةِ فِي نَحْوِ الْوَادِي، فِيهَا عَلَمُ الْمَسْعَى، وَكَانَ الْوَادِي يَمُرُّ دُونَهَا فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْيَوْمَ " قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: " فَلَمَّا حَجَّ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَرَأَى الْكَعْبَةَ فِي شِقٍّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، كَرِهَ ذَلِكَ، وَأَحَبَّ أَنْ تَكُونَ مُتَوَسِّطَةً فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَا الْمُهَنْدِسِينَ فَشَاوَرَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَدَّرُوا ذَلِكَ، فَإِذَا هُوَ لَا يَسْتَوِي لَهُمْ مِنْ أَجْلِ الْوَادِي وَالسَّيْلُ، وَقَالُوا: إِنَّ وَادِيَ مَكَّةَ لَهُ أَسْيَالٌ عَارِمَةٌ، وَهُوَ وَادٍ حَدُورٌ، وَنَحْنُ نَخَافُ إِنْ حَوَّلْنَا الْوَادِيَ عَنْ مَكَانِهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ لَنَا عَلَى مَا نُرِيدُ، مَعَ أَنَّ وَرَاءَهُ مِنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ مَا تَكْثُرُ فِيهِ الْمُؤْنَةُ، وَلَعَلَّهُ أَلَّا يَتِمَّ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: لَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُوَسِّعَهُ حَتَّى أُوَسِّطَ الْكَعْبَةَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَوْ أَنْفَقْتُ فِيهِ مَا فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، وَعَظُمَتْ فِي ذَلِكَ نِيَّتُهُ، وَاشْتَدَّتْ رَغْبَتُهُ، وَلَهَجَ بِعَمَلِهِ، فَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّهِ، فَقَدَّرُوا ذَلِكَ وَهُوَ حَاضِرٌ، وَنُصِبَتِ الرِّمَاحُ عَلَى الدُّورِ، مِنْ أَوَّلِ مَوْضِعِ الْوَادِي إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَرَعُوهُ مِنْ فَوْقِ الرِّمَاحِ حَتَّى عَرَفُوا مَا يَدْخُلُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا يَكُونُ لِلْوَادِي فِيهِ مِنْهُ، فَلَمَّا نَصَبُوا الرِّمَاحَ عَلَى جَنْبَتَيِ الْوَادِي، وَعُلِمَ مَا يَدْخُلُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ، وَزَنُوهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَقَدَّرُوا ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ الْمَهْدِيُّ إِلَى الْعِرَاقِ، وَخَلَّفَ الْأَمْوَالَ، فَاشْتَرَوْا مِنَ النَّاسِ دُورَهُمْ، فَكَانَ ثَمَنُ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ ذِرَاعٍ مُكَسَّرٍ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا، وَكَانَ ثَمَنُ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الْوَادِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ فَنُقِلَتْ أَسَاطِينُ الرُّخَامِ فِي السُّفُنِ حَتَّى أُنَزَلَتْ بِجُدَّةَ، ثُمَّ نُقِلَتْ عَلَى الْعَجَلِ مِنْ جُدَّةَ إِلَى مَكَّةَ، وَوَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ فَهَدَمُوا الدُّورَ وَبَنَوْا الْمَسْجِدَ، فَابْتَدَءُوا مِنْ أَعْلَاهُ مِنْ بَابِ بَنِي هَاشِمٍ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ الْوَادِيَ وَالْبَطْحَاءَ، وَوُسِّعَ ذَلِكَ الْبَابُ، وَجُعِلَ بِإِزَائِهِ مِنْ أَسْفَلِ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلُهُ بَابًا آخَرَ، وَهُوَ الْبَابُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ فَجَّ خَطِّ الْحِزَامِيَّةِ، يُقَالُ لَهُ: بَابُ الْبَقَّالِينَ، فَقَالَ الْمُهَنْدِسُونَ: إِنْ جَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، وَلَمْ يَحْمِلْ فِي شِقِّ الْكَعْبَةِ، فَابْتَدَءُوا عَمَلَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَاشْتَرُوا الدُّورَ وَهَدَمُوهَا، فَهَدَمُوا أَكْثَرَ دَارِ ابْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَايِذِيِّ، وَجَعَلُوا الْمَسْعَى وَالْوَادِيَ فيهِمَا فَهَدَمُوا ما كَانَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْوَادِي مِنَ الدُّورِ، ثُمَّ حَرَّفُوا الْوَادِيَ فِي مَوْضِعِ الدُّورِ حَتَّى لَقُوا بِهِ الْوَادِيَ الْقَدِيمَ، بِبَابِ أَجْيَادٍ الْكَبِيرِ بِفَمِ خَطِّ الْحِزَامِيَّةِ، فَالَّذِي زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شِقِّ الْوَادِي تِسْعَوْنَ ذِرَاعًا مِنْ مَوْضِعِ جَدْرِ الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا كَانَ عَرْضُ الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ مِنْ جَدْرِ الْكَعْبَةِ الْيَمَانِيِّ إِلَى جَدْرِ الْمَسْجِدِ الْيَمَانِيِّ الشَّارِعِ عَلَى الْوَادِي الَّذِي يَلِي بَابَ الصَّفَا تِسْعً وَأَرْبَعِونَ ذِرَاعًا وَنِصْفَ ذِرَاعٍ، ثُمَّ بَنَى مُنْحَدَرًا حَتَّى دَخَلَتْ دَارُ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ عِنْدَهَا بِئْرٌ جَاهِلِيَّةٌ، كَانَ قُصَيٌّ حَفَرَهَا ، فَدَخَلَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَحَفَرَ الْمَهْدِيُّ عِوَضًا مِنْهَا الْبِئْرَ الَّتِي عَلَى بَابِ الْبَقَّالِينَ الَّذِي فِي حَدِّ رُكْنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْيَوْمَ، ثُمَّ مَضَوْا فِي بِنَائِهِ بِأَسَاطِينِ الرُّخَامِ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ الْمُذَهَّبِ الْمَنْقُوشِ، حَتَّى تُوُفِّيَ الْمَهْدِيُّ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَقَدِ انْتَهَوْا إِلَى آخِرِ مُنْتَهَى أَسَاطِينِ الرُّخَامِ مِنْ أَسْفَلِ الْمَسْجِدِ، فَاسْتُخْلِفَ مُوسَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينِ، فَبَادَرَ الْقَوْمُ بِإِتْمَامِ الْمَسْجِدِ، وَأَسْرَعُوا فِي ذَلِكَ، وَبَنَوْا أَسَاطِينَهُ بِحِجَارَةٍ، ثُمَّ طُلِيَتْ بِالْجِصِّ، وَعُمِلَ سَقْفُهُ عَمَلًا دُونَ عَمَلِ الْمَهْدِيِّ فِي الْإِحْكَامِ وَالْحُسْنِ، فَعَمِلَ الْمَهْدِيُّ فِي ذَلِكَ الشِّقِّ مِنْ أَعْلَى الْمَسْجِدِ إِلَى مُنْتَهَى آخِرِ أَسَاطِينِ الرُّخَامِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عُمِلَ فِي خِلَافَةِ مُوسَى إِلَى الْمَنَارَةِ الشَّارِعَةِ، عَلَى بَابِ أَجْيَادٍ الْكَبِيرِ، ثُمَّ مُنْحَدَرًا فِي عَرْضِ الْمَسْجِدِ، إِلَى بَابِ بَنِي جُمَحٍ، إِلَى الْأَحْجَارِ النَّادِرَةِ مِنْ بَيْتِ الزَّيْتِ، حَتَّى وَصَلَ بِعَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَمَلِ الْمَهْدِيِّ فِي الزِّيَادَةِ الْأُولَى، فَهَذَا جَمِيعُ مَا عُمِّرَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَا أُحْدِثَ فِيهِ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَانَ فِي مَوْضِعِ الدَّارِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: دَارُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، بَيْنَ بَابِ الْبَقَّالِينَ وَبَابِ الْخَيَّاطِينَ، لَاصِقَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، رَحَبَةٌ بَيْنَ يَدَيِ الْمَسْجِدِ، حَتَّى اسْتَقْطَعَهَا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ، فَبَنَاهَا وَلَمْ يُتِمَّ أَعْلَاهَا حَتَّى جَاءَ نَعْيُهُ، وَلَمْ يُتِمَّ جَنَاحَهَا وَأَعْلَاهَا "
جَدِّي ← أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْرَقِيُّ:
أخبار مكة للأزرقي · 1-1- كتاب الطهارة · Hadith 734
