Wednesday, Safar 29, 1448 AH · Aug 12, 2026

Preserving the Prophetic ﷺ tradition for every generation

favorite Support This Mission
logo

Hadith Nabawi

logo

Hadith Nabawi

    SearchBooksTopicsNarratorsTerminologyAbout
person Sign in

About

  • Our Mission
  • Methodology
  • Team
  • Contact

Resources

  • FAQ
  • Book Catalog
  • Narrator Database
  • Topics

Contribute

  • Become a Translator
  • Report an Error
  • Donate
  • GitHub

Legal

  • Terms of Use
  • Privacy Policy
  • License

Follow Us تابعنا

fin@X

Daily Hadith, scholarly articles, and updates from the team.

© 2026 Hadith Nabvi Platform · A project by Learning SoulsHadith e Nabawai (PBUH)
تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي

Tazeem Qadar Al Salah

1,104 Hadith132 Chapters
Read Book arrow_right_alt
IntroductionChaptersHadithsNarratorsAuto Biography

Chapters

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #790

790 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمُ} [البقرة: 54] ابْتُلُوا - وَاللَّهِ - بِشَدِيدَةٍ مِنَ الْبَلَاءِ تَنَاحَرُوا بِالشِّفَارِ صَفَّيْنِ فَلَمَّا بَلَغَ مِنْهُمْ نِقْمَتَهُ سَقَطَتِ الشِّفَارُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَكَانَ لِلْمَقْتُولِ مِنْهُمْ شَهَادَةً وَلِلْحَيِّ تَوْبَةً "

قَتَادَةَ ← سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، ← يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ← حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 790

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #791

791 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ،: " {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] قَالَ: قَامُوا صَفَّيْنِ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا. قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَتْ شَهَادَةً لِلْمَقْتُولِ، وَتَوْبَةً لِلْحَيِّ "

قَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، ← مَعْمَرٌ، ← عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ← إسحاق ومحمد بن رافع

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 791

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #792

792 - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، ثنا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 54] قَالَ: كَانَ مُوسَى أَمَرَ قَوْمَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ أَبَاهُ وَيَقْتُلُ وَلَدَهُ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ: وَالْعِجْلُ حُلِيُّ اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: أَحْرِقُوهُ فَأَحْرَقُوهُ، وَكَانَ السَّامِرِيُّ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَطَرَحَهَا فِيهِ فَانَسَبَكَ فَكَانَ لَهُ كَالْجَوْفِ تَهْوِي فِيهِ الرِّيحُ، فَقَالَ السَّامِرِيُّ: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ".

مُّجَاھِدٍ ← ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ← عِيسَى، ← أَبُو عَاصِمٍ، ← أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَی بْنُ خَلَفٍ

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 792

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #793

793 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا رَوْحٌ، ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ كَانَ الْبُغْضُ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَجَائِزٌ [ص:741] أَنْ يُبِيحَ اللَّهُ بُغْضَهُ لِمَنِ اعْتَقَدَ مَعْرِفَتَهُ. فَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ مُحَالٌ أَنْ يُفَارِقَ الْكُفْرُ الْبُغْضَ. قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ مُحَالٌ أَنْ يُفَارِقَ الْإِيمَانُ الْحُبَّ وَكَانَ عَزِيزًا أَنْ يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَارِقَ الْبُغْضُ الْكُفْرَ، فَالْحُبُّ الْإِيمَانُ لَا غَيْرُهُ، وَالْبُغْضُ مِنَ الْكُفْرِ جُزْءٌ لَا غَيْرُهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ خَلَّتَانِ: الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْعَارِفَ قَدْ يَعْرِفُ وَيَجْحَدُ، وَأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَإِنْ قَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: لَيْسَ الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَلَكِنَّهُ الْخُضُوعُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ. قِيلَ لَهُمُ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا فِي الْخُضُوعِ كَالْمَسْأَلَةِ فِي الْحُبِّ إِذْ كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ لَا يَكُونُ إِيمَانًا إِلَّا بِخُضُوعٍ، وَلَيْسَ الْخُضُوعُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَقَدْ أَضَفْتُمُوهُ إِلَيْهَا فَكَذَلِكَ الْحُبُّ يَقُومُ بِالْخُضُوعِ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا وَلَوْ كَانَ الْحُبُّ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا الْبُغْضُ جُزْءًا مِنَ الْكُفْرِ لَجَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فَيَكُونُ إِيمَانٌ بِلَا حُبٍّ، وَبُغْضٌ بِلَا كُفْرٍ، لِأَنَّكُمْ وَإِنِ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا يَكُونُ إِيمَانًا إِلَّا [ص:742] وَمَعَهَا خُضُوعٌ فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ لَيْسَ مَعَهُ مَعْرِفَةٌ وَلَا خُضُوعٌ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ مَعْرِفَةً وَخُضُوعًا وإِقْرَارًا بِاللِّسَانِ، وَلَا يَتِمُّ الْمَعْرِفَةُ وَالْخُضُوعُ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَالْإِقْرَارُ هُوَ إِيمَانٌ فِي عَيْنِهِ فَجَازَ أَنْ يُوجَدَ بَعْضُ الْإِيمَانِ فِي زَوَالِ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَزُولَ الْحُبُّ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ لِأَنَّ الْحُبَّ عَنِ الْإِيمَانِ، وَالْإِقْرَارُ فِي نَفْسِهِ إِيمَانٌ، وَكَمَا وُجِدَ إِقْرَارٌ بِلَا تَصْدِيقٍ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يُوجَدَ تَصْدِيقٌ بِلَا حُبٍّ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ فَرْعٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَكَذَلِكَ الْحُبُّ فَرْعٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَمَا وُجِدَ فَرْعٌ بِلَا أَصْلٍ، فَجَائِزٌ أَنْ يُوجَدَ حُبٌّ بِلَا تَصْدِيقٍ. فَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ مُحَالٌ. قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ ثَبَتُّمْ أَنَّ الْحُبَّ لِلَّهِ أَوْجَبُ أَنْ يَكُونَ إِيمَانًا مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ إِذْ كَانَ الْإِقْرَارُ قَدْ يَنْفَرِدُ دُونَ التَّصْدِيقِ فَيَكُونُ إِقْرَارًا وَلَا تَصْدِيقٌ وَلَا يَنْفَرِدُ الْحُبُّ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا يُفَارِقُهُ فَإِذَا كَانَ الْإِقْرَارُ يَنْفَرِدُ مِنَ التَّصْدِيقِ فَإِنْ يَقْدُمُهُ التَّصْدِيقُ صَارَ الْإِقْرَارُ إِيمَانًا، وَإِذَا انْفَرَدَ لَمْ يَصِرْ إِيمَانًا، فَالْحُبُّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ إِيمَانًا إِذْ لَا جَائِزَ أَنْ يَنْفَرِدَ مِنَ التَّصْدِيقِ، فَالْحُبُّ عَلَى دَعْوَاكُمْ أَوْكَدُ [ص:743] مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ أَنْ يَكُونَ إِيمَانًا، وَكَذَلِكَ الْبُغْضُ أَوْكَدُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ رَخَّصَ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَدُوِّ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْجَحْدَ بِلِسَانِهِ فَيَكُونُ مُؤْمِنًا وَقَدْ أَتَى مَا يَجْحَدُ بِلِسَانِهِ وَبَقِيَ التَّصْدِيقُ فِي قَلْبِهِ، وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُفَارِقَ الْبُغْضَ لِلَّهِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ الْجَحْدُ بِاللِّسَانِ عِنْدَ الرُّخْصَةِ مِنَ التَّصْدِيقِ فَلَا يَكُونُ كُفْرًا وَلَا يَنْفَرِدُ الْبُغْضُ مِنَ التَّصْدِيقِ إِلَّا كَانَ كُفْرًا نَاقِضًا لِلتَّصْدِيقِ فَالْجَحْدُ بِاللِّسَانِ لِلرُّخْصَةِ لَا يَنْقُضُ التَّصْدِيقَ، وَالْبُغْضُ لَا يَكُونُ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا إِلَّا كَانَ نَاقِضًا لِلتَّصْدِيقِ فَالْبُغْضُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا فَقَدْ نَاقَضْتُمْ دَعْوَاكُمْ فِيهِ فِي دَعْوَاكُمْ مَعَ خُرُوجِكُمْ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ الْبُغْضَ لِلَّهِ فِي عَيْنِهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَأَنَّ الْحُبَّ لَيْسَ بِإِيمَانٍ. فَإِنْ قَالُوا: الْحُبُّ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، وَالْبُغْضُ كُفْرٌ لِأَنَّ الْبُغْضَ شَتْمٌ. قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الْحُبُّ مَدْحٌ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّا قَدْ نُحِبُّ مَنْ يَسْتَأْهِلُ عِنْدَنَا وَلَا يَسْتَأْهِلُ، وَلَا نُبْغِضُ إِلَّا مَنْ يَسْتَأْهِلُ الْبُغْضَ فَالْبُغْضُ شَتْمٌ. قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الْحُبُّ مَدْحٌ عَلَى قَوْلِكُمْ، وَلَا جَائِزٌ [ص:744] لِلْعَاقِلِ أَنْ يُحِبَّ مَنْ لَا يَسْتَأْهِلُ الْحُبَّ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، كَمَا لَا جَائِزَ أَنْ يُبْغِضَ إِلَّا مَنْ يَسْتَأْهِلُ الْبُغْضَ وَمَعَ ذَلِكَ إِنَّكُمْ قَدْ فَرَّقْتُمْ فَزَعَمْتُمْ أَنَّ اثْنَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ أَحَدُهُمَا ضِدٌّ لِلْآخَرِ، وَأَحَدُهُمَا كُفْرٌ وَضِدُّهُ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، فَإِذَا كَانَ قَدْ تَأْتِي بِالْحُبِّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ إِيمَانًا ضِدًّا لِلْكُفْرِ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبُغْضِ، وَلَا يَكُونُ الْإِيمَانُ يُخْرِجُهُ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبُغْضُ كُفْرًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُبُّ إِيمَانًا، لِأَنَّ الْإِيمَانَ ضِدُّهُ الْكُفْرُ وَأَحَدُهُمَا يَنْفِي الْآخَرَ فَإِذَا كَانَ الْبُغْضُ فِي عَيْنِهِ كُفْرًا يَنْفِي الْإِيمَانَ فَكَذَلِكَ الْحُبُّ فِي عَيْنِهِ إِيمَانٌ يَنْفِي الْكُفْرَ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَفْهَمُ الْمَعْقُولَ وَيَعْقِلُ اللُّغَةَ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْحُبَّ إِيمَانٌ، وَالْبُغْضَ كُفْرٌ. قِيلَ لَهُمْ: وَأَيْنَ وَجَدْتُمْ هَذَا فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْحُبَّ تَصْدِيقٌ، وَأَنَّ الْبُغْضَ جَحْدٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: وَإِنْ لَمْ نَجِدْهُ فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ التَّصْدِيقَ لَا يُفَارِقُ الْحُبَّ وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقٌ إِلَّا مُحِبًّا، وَالْبُغْضُ لَا يُفَارِقُ الْكُفْرَ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مُبْغِضٌ إِلَّا كَافِرًا. قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ جَعَلْتُمْ مَا أَوْجَبَهُ الْإِيمَانُ إِيمَانًا، وَمَا [ص:745] أَوْجَبَهُ الْكُفْرُ كُفْرًا، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَكَانَا سَبَبًا لَهُ فَهُوَ إِيمَانٌ أَوْ كُفْرٌ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ فَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا اعْتَلَلْتُمْ، وَوَافَقْتُمْ مُخَالِفِيكُمْ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ الَّتِي قَالَتْ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْخُضُوعُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ فَكُلُّ خَاضِعٍ مُطِيعٌ. قِيلَ: وَأَيْنَ وَجَدْتُمُ الْخُضُوعَ فِي اللُّغَةِ إِيمَانًا؟ فَإِنْ قَالُوا: وَجَدْنَا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَكَمَ لِمَنْ فَعَلَهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَكَفَرَ مَنْ لَمْ يَخْضَعْ. قِيلَ لَهُمْ: فَلَمْ تَأْخُذُوا ذَلِكَ عَنِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُ عَنِ اللَّهِ فَإِنْ كَانَ الْخُضُوعُ مِنَ الْإِيمَانِ فَكُلُّ خُضُوعٍ إِيمَانٌ إِذَا اتَّبَعْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ، وَخَرَجْتُمْ مِمَّا تَعْقِلُونَ مِنَ اللُّغَةِ فَالْخُضُوعُ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] فَثَبَتَ الْخُضُوعُ لِلْأَعْنَاقِ، فَحَيْثُ مَا يُوجَدْ خُضُوعٌ لِلَّهِ فَهُوَ إِيمَانٌ، وَحَيْثُ وُجِدَ إِبَاءٌ وَاسْتِكْبَارٌ أَوْ تَرْكٌ لِأَمْرِهِ فَهُوَ كُفْرٌ، فَالتَّرْكُ مَعَ الْإِبَاءِ كُفْرٌ كَمَا كَانَ الْفِعْلُ بِالْخُضُوعِ وَالْإِرَادَةِ إِيمَانًا، فَإِنْ كَانَتِ الْمُرْجِئَةُ إِنَّمَا قَالَتْ: إِنَّ الْإِقْرَارَ إِيمَانٌ مَعَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ تَحْقِيقٌ لِلتَّصْدِيقِ فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا لَوْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ: آمِنْ بِاللَّهِ وَاشْهَدْ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ قَالَ: آمِنْ وَأَقِرَّ بِلِسَانِكَ، فَقَالَ [ص:746] بِلِسَانِهِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي قَلْبِهِ لَكَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى تَحْقِيقِ مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يَلِي عِلْمَ السَّرَائِرِ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: آمِنْ بِاللَّهِ وَقُمْ فَصَلِّ فَبَادَرَ إِلَى الْوُضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِقْرَارًا، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ مَالِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَقُلْ نَعَمْ فَبَادَرَ فَأَعْطَاهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْإِقْرَارِ مُحَقِّقًا لِمَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ إِذْ أَبْدَى الطَّاعَةَ وَسَارَعَ إِلَيْهَا كَمَا سَارَعَ إِلَيْهَا الْمُقِرُّ بِلِسَانِهِ فَقَدْ قَامَتِ الْجَوَارِحُ مَقَامَ اللِّسَانِ فِي التَّحْقِيقِ لِلْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ كَانَ اللِّسَانُ أَعْظَمَ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ بِالشَّهَادَةِ فَكُلٌّ يُحَقِّقُ لِلْمَعْرِفَةِ. قَالَ: وَيُقَالُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ رَجُلًا زِنْدِيقًا أَوْ نَصْرَانِيًّا كَانَ جَالِسًا فِي سَفِينَةٍ أَوْ رَأْسِ جُرُفٍ مُطِلًّا عَلَى الْمَاءِ فَتَدَبَّرَ وَتَفَكَّرَ فِي الْخَلْقِ فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْهُ فَزَلَّتْ قَدَمُهُ فَغَرِقَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ بِلِسَانٍ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُؤْمِنًا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ؟ [ص:747] فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَأَيْنَ الْإِقْرَارُ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ إِلَى أَنْ يُؤَدِّي الْإِقْرَارَ. قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ شَهِدْتُمْ بِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِلَا إِقْرَارَ إِيمَانٌ كَامِلٌ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِقْرَارَ فَلَمْ يُقِرَّ أَيَنْقُصُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ عِنْدَكُمْ؟ فَإِنْ أَقَرَّ كَمُلَ الْإِيمَانُ فَشَهِدْتُمْ لَهُ بِالْكَمَالِ فِي وَقْتٍ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مُكْمِلٌ فِي وَقْتٍ ثَانٍ فَكَيْفَ يَكْمُلُ مَا قَدْ كَمُلَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا كَمُلَ الْمُفْتَرَضُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ إِنْ لَمْ يَبْقَ فَإِنْ بَقِيَ فَأَقَرَّ زَادَ كَمَالًا إِلَى كَمَالِهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَامِلًا مِنْ جِهَةِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ كَامِلًا مِنْ جِهَةِ مَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفِي فَصَدَّقَ وَأَقَرَّ. قِيلَ لَهُمْ: فَهَذَا الَّذِي زَعَمْتُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْفَرْضَ مِنَ الْإِيمَانِ إِذَا لَزِمَ الْعَبْدُ فَأَدَّاهُ فِي وَقْتِهِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِ بِبَاقِي الْفَرْضِ مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي لَزِمَ غَيْرَهُ فَإِنْ بَقَى إِلَى وَقْتٍ ثَانٍ فَأَدَّى مِنَ الْفَرْضِ مَا أَدَّى غَيْرُهُ كَانَ زِيَادَةً عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ كَمَا قُلْتُمْ فِي الْمُصَدِّقِ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ ثُمَّ عُوجِلَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ ثَانٍ وَلَوْ أَتَى وَقْتٌ ثَانٍ فَشَهِدَ فِيهِ كَانَ زِيَادَةً عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ [ص:748]. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الَّذِي صَدَقَ ثُمَّ عُوجِلَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ إِنْ نَوَى أَنْ يُقِرَّ بِاللَّهِ وَيَشْهَدَ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ قِيلَ لَهُمْ فَقَدْ ضَمِنْتُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ النِّيَّةَ، وَلَيْسَتْ فِي اللُّغَةِ وَتَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ صَدَقَ فِي أَوَّلِ وَقْتٍ فَعُوجِلَ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَمَاتَ أَمُؤْمِنٌ هُوَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا فَالَّذِي نَوَى فَعُوجِلَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الْإِقْرَارِ أَيْضًا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا إِذْ لَمْ يَأْتِ الْوَقْتُ الَّذِي يُمْكِنُهُ فِيهِ الْإِقْرَارَ قَبْلَ تَصْدِيقِهِ لِأَنَّهُ عَجَّلَ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ مَنْ عَرَفَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ عُوجِلَ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ مَنْ عَرَفَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ عُوجِلَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِ وَقْتٌ يَنْوِي فِيهِ فَقَدْ جَعَلُوا الْإِيمَانَ تَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ مَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُ عَمَلِ جَارِحِهِ، فَإِذَا أَتَى وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ التَّشَهُّدَ كَانَ التَّشَهُّدُ فِيهِ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ جَمِيعُ عَمَلِ الْجَوَارِحِ إِذَا أَتَى أَوْقَاتُهَا فَأَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِهَا كَانَ قِيَامُهُ بِهَا زِيَادَةٌ عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ. فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ بِقَلْبِهِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثُمَّ عُوجِلَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ التَّشَهُّدَ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَدْ كَفَّرُوا مَنْ هُوَ مُؤْمِنٌ فِي اللُّغَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} [البقرة: 260] [ص:749] فَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ إِيمَانٍ قَدْ كَانَ قَبْلَ الْعِبَادَةِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَقَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أَيْ مُصَدِّقٍ فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي اللُّغَةِ كَافِرٌ بِغَيْرِ تَرْكٍ مِنْهُ لِلْإِقْرَارِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَكَفَّرُوهُ بِغَيْرِ جُحُودٍ وَلَا إِبَاءٍ لِلْإِقْرَارِ، وَلَا امْتِنَاعٍ مِنْهُ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ اللُّغَةِ وَمِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ إِذِ الْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا جُحُودًا بِالْقَلْبِ أَوْ تَكْذِيبًا بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ إِبَاءً أَوِ امْتِنَاعًا بِاسْتِكْبَارٍ وَاسْتِنْكَافٍ. فَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا عِنْدَ الْبُلُوغِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُسْلِمٌ اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ثُمَّ أَفْلَجَ قَبْلَ أَنْ يَجِئَ وَقْتُ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ فَيَبُسَتْ يَدَاهُ وَلِسَانُهُ فَمَكَثَ بِذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَلَا الْإِشَارَةُ بِجَارِحِهِ فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُ عَاشَ كَافِرًا حَتَّى مَاتَ وَهَذَا الْخُرُوجُ مِنَ اللُّغَةِ، وَمِنْ قَوْلِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا. فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا فُرْقَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَدِّقِ وَالْمُعَاجِلِ بِالْفَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ الْإِقْرَارَ، وَكَذَلِكَ إِنْ صَدَّقَ ثُمَّ جُنَّ فَزَالَ عَقْلُهُ مَعَ آخِرِ وَقْتِ التَّصْدِيقِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ الْإِقْرَارَ لَا فُرْقَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَاجِلِ بِالْفَرْضِ فَقَدْ تَرَكُوا [ص:750] قَوْلَهُمْ وَنَقَضُوا أَصْلَهُمْ، وَأَقَرُّوا بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ بَعْدَ مَا شَهِدُوا لَهُ بِالْكَمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ فَهَذَا دَعْوَى ادَّعَوْهَا لِيُثْبِتُوا بِهَا عِنْدَ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] و {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ إِلَّا بَعْدَ الْكَمَالِ، وَأَنَّ الْجُزْءَ الثَّانِي إِذَا ضُمَّ إِلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَ بِزِيَادَةٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ لَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَعْلُومٌ فَإِذَا ضَمَّ جُزْءًا إِلَى جُزْءٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْإِيمَانِ حَتَّى يُتِمَّ فَإِذَا تَمَّ جَارَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنَ الْقَوْلِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا تَمَّ ثُمَّ ضُمَّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ مَا كَانَ جُزْءًا مِنْهُ لَا أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانُوا قَدْ أَتَوْا بِالْإِيمَانِ كَامِلًا ثُمَّ ازْدَادُوا مَعْرِفَةً فِيمَا ادَّعَوْا، ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْإِيمَانِ فَكَيْفَ زَادَ فِيمَا هُوَ كَامِلٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ مَا لَمْ يُسَمَّ بِهِ وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ إِيمَانٌ مَعَ الْإِقْرَارِ فَقَدْ جَاءُوا بِالْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ وَذَلِكَ هُوَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ جَاءَ بِمَعْرِفَةٍ وَقَدْ كَمُلَتِ الْمَعْرِفَةُ وَلَمْ تَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ يَأْتِي بِهَا الْعَارِفُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ [ص:751] وَعِنْدَهُمْ فَإِذَا كَمُلَ الْمَعْلُومُ ثُمَّ جِئَ بِثَانٍ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْإِيمَانِ الْمَعْلُومِ إِلَّا أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ فَرْضٌ وَنَافِلَةٌ، وَالنَّافِلَةُ تَرْكُهَا مُبَاحٌ، وَفِعْلُهَا قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْكُفْرُ ضِدُّ الْإِيمَانِ فَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ مِنْهُ مُفْتَرَضٌ، وَمِنْهُ نَافِلَةٌ فَضِدُّهُمَا جَمِيعًا الْكُفْرُ فَكَمَا كَانَ تَرْكُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ بَعْدَ مَا يَتْرُكُ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ نَافِلَةٌ مُبَاحٌ فَتَرْكُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ عِنْدَهُمْ فَكُفْرٌ بِاللَّهِ مُبَاحٌ، وَكُفْرٌ مُحَرَّمٌ وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ إِلَّا مُخْتَلِطٌ. فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَمَّوُا الزِّيَادَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْرِفَةٍ وَالْمَعْرِفَةُ هِيَ الْإِيمَانُ. قِيلَ لَهُمْ: قَدْ غَلَطْتُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ الزَّائِدَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُفْتَرَضَةً أَوْ غَيْرِ مُفْتَرَضَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْتَرَضَةٍ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ، وَذَلِكَ عِنْدَكُمْ مَا لَا يَزِيدُ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مُفْتَرَضَةً فَقَدْ ثَبَتُّمْ إِيمَانًا بِالْإِبَاحَةِ وَهَلْ أَبَاحَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ تَرْكَ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ ضِدَّهُ وَكَانَ كُفْرٌ مُبَاحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا هَلْ يُوصَلُ إِلَى هَيْبَةِ شَيْءٍ، وَتَعْظِيمِهِ، وَخَوْفِهِ، وَرَجَائِهِ، وَحُبِّهِ إِلَّا بِخَصْلَتَيْنِ إِمَّا بِمُعَايَنَةٍ وَإِمَّا بِإِيمَانٍ لَهُ بِخَبَرٍ صَادِقٍ أَوْ [ص:752] دَلِيلٍ يَلْزَمُ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يُوصَلُ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُنَالُ إِلَّا بِمَا ذَكَرْتَ. قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ عَنِ الْعِبَادِ فَلَمْ يُعَايِنْ أَحَدٌ مِنْهُمُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَمْ يَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ إِلَّا مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْعِبَادِ وَسِيلَةٌ يَنَالُوا بِهَا الْخَوْفَ، وَالرَّجَاءَ، وَالتَّعْظِيمَ، وَالْإِجْلَالَ إِلَّا الْإِيمَانَ فَلَمْ يُفَاوِتِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا فِي الطَّاعَاتِ مِنَ الْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالْهَيْبَةِ، وَالْحُبِّ، وَالْيَقِينِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ إِذْ زَالَ الْعِيَانُ، وَلَا وَسِيلَةَ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ وَلَا أَصْلَ لَهَا يَنْبَعِثُ مِنْهُ، وَيَهِيجُ مِنْهُ إِلَّا الْإِيمَانُ وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْنًى ثَالِثٍ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُنَالُ خَوْفٌ وَلَا رَجَاءٌ، وَلَا حُبٌّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُعَايَنَةٍ أَوْ إِيمَانٍ فَلَمْ يُفَاوِتُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فَرَأَيْنَا بَعْضَهُمْ خَائِفًا مِنَ اللَّهِ مَرْعُوبًا مُجِلًّا لَهُ مُشْفِقًا رَاجِيًا لَهُ رَاغِبًا فِيمَا عِنْدَهُ قَدْ أَزْعَجَهُ خَوْفُهُ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَحَمَلَهُ رَجَاؤُهُ وَرَغْبَتُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ. وَرَأَيْنَا آخَرِينَ مُقِرِّينَ لِلَّهِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ لَا يُزَايِلُهُمُ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ وَهُمْ فِي عَامَّةِ أُمُورِهِمْ آمِنُونَ لَا يَخَافُونَ اللَّهَ عِنْدَ مَعْصِيَةٍ يَرْكَبُونَهَا وَلَا يَبْذِلُونَ لِلَّهِ الْحَقَّ فِيمَا يَرْجُونَ [ص:753] ثَوَابَهُ فَوَجَدْنَاهُمْ أَقَلَّ خَوْفًا وَرَجَاءً وَإِجْلَالًا لِلَّهِ وَهَيْبَةً مِنَ الْآخَرِينَ. وَكُلٌّ قَدْ يُفَارِقُهُمُ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ جَمِيعًا قَدِ اسْتَحَقُّوا اسْمَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ زَايَلُوا بِهِ الْجَحْدَ وَالتَّكْذِيبَ، وَأَنَّهُمْ قَدْ تَفَاضَلُوا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ فِي كَثْرَةِ الْإِيمَانِ وَقِلَّتِهِ وَعَظِيمِ قَدْرِهِ فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَعْظِيمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ إِذْ لَا تَبْلُغُ لَهُ غَايَةَ مَعْرِفَةٍ فَيُسَاوِيهِ بِالْعِلْمِ بِنَفْسِهِ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى فَدَلَّ تَبَايُنُهُمْ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَايَنُوا الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاحِدًا إِذْ كَانُوا لَا يَنَالُونَ مَا تَبَايَنُوا فِيهِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ إِذْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ فَبَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَايَنُوا فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَهُمْ حَقٌّ لَا بَاطِلٌ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَمَا قَالَ صِدْقٌ لَا كَذِبٌ وَبِمَا وَعَدَ وَتَوَعَّدَ مِنْ عِقَابِهِ وَثَوَابِهِ فَاسْتَوَوْا فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَمَا قَالَ وَمَا تَوَاعَدَ وَوَعَدَ وَلَوْ دَخَلَ بَعْضُهُمُ الرَّيْبَ فِي ذَلِكَ لَكَفَرَ، وَالتَّفَاضُلُ لَا يَقَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ حَتَّى يَكُونَ فِي الْمَفْضُولِ مِنْهُمَا مَعْنًى يُسَاوِي بِهِ التَّفَاضُلَ يَسْتَحِقُّ بِهِ مَعَ الِاسْمِ ثُمَّ يَفْضُلُ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَفْضَلَ مِمَّا عِنْدَ [ص:754] الْأَخَرِ فَيُدْرِكُ بِفَضْلِهِ لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ صَحِيحٌ أَقْوَى بَصَرًا مِنْ فُلَانٍ الْأَعْمَى، وَلَا فُلَانٌ السَّمِيعُ أَقْوَى سَمْعًا مِنْ فُلَانٍ الْأَصَمِّ فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ فُلَانٌ الْمُؤْمِنُ أَقْوَى إِيمَانًا مِنْ فُلَانٍ الْكَافِرِ هَذَا سَاقِطٌ فِي التَّفَاضُلِ لَا يَقُولُهُ ذُو لُغَةٍ وَلَا مَعْقُولٍ فَإِذَا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الِاسْمَ الَّذِي يُزَايِلُ بِهِ الْعَمَى الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَصَرِ، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ قَلِيلِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ اسْمَ الْبَصَرِ فَيُزَايِلُ بِهِ اسْمَ الْعَمَى فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ الْبَصِيرُ أَقْوَى بَصَرًا مِنْ فُلَانٍ إِذْ لِلْمَفْضُولِ مِنَ الْبَصَرِ مَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْبَصَرِ وَكَذَلِكَ الْقُوَّةُ وَالسَّمْعُ وَلَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِبَانَةِ الْأَشْيَاءِ وَإِبْصَارِهَا إِلَّا بِبَصَرٍ وَلَا حَمْلِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِقُوَّةٍ وَلَا إِدْرَاكَ الْأَصْوَاتِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهَا إِلَّا بِسَمَاعٍ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ بَصِيرَيْنِ نَظَرَ أَحَدُهُمَا اسْتَبَانَ شَيْئًا عَلَى قَدْرِ مِيلٍ وَأَبْصَرَهُ بَيِّنًا وَلَا يَتَبَيَّنُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ وَنَظَرَ الْآخَرُ إِلَيْهِ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ فَأَبْصَرَهُ وَتَبَيَّنَهُ وَأَبْصَرَ النَّظَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَرَهُ لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ اضْطِرَارًا عَلَى أَنَّ الْمُتَبَيِّنَ لِلشَّيْءِ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ أَقْوَى بَصَرًا مِنَ الَّذِي لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ الشَّيْءُ إِلَّا عَلَى رَأْسِ مِيلٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ تَوَلَّى عَنْهُمَا فَجَعَلَا يَسْتَبِينَانِهِ جَمِيعًا [ص:755] حَتَّى بَلَغَ رَأْسَ الْمِيلِ ثُمَّ خَفِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَرَهُ وَجَعَلَ الْآخَرُ يَتَبَيَّنُهُ حَتَّى رَآهُ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ أَنَّ هَذَا أَقْوَاهُمَا بَصَرًا إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُمَا إِلَى الِاسْتِبَانَةِ إِلَّا بِبَصَرٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ أَحَدُهُمَا مِئَةَ رَطْلٍ فَزِيدَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ فَأَلْقَاهَا وَلَمْ يُطِقْهَا وَزِيدَ عَلَى الْآخَرِ خَمْسُونَ أُخْرَى لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ بِأَنَّ هَذَا أَشَدُّهُمَا قُوَّةً وَإِنْ كَانَ عِنْدَ هَذَا مِنَ الْقُوَّةِ مَا زَايَلَ بِهِ الزَّمَانَةَ. وَكَذَلِكَ السَّمْعُ فَلَمَّا كَانَتِ الْأَبْصَارُ لَا يُنَالُ بِهَا اسْتِبَانَةُ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِقَدْرِ قُوَاهَا، وَلَا الْقَوِيُّ يَنَالُ بِهَذَا الْحِمْلِ إِلَّا بِقَدْرِ الْقُوَى. وَكَذَلِكَ إِدْرَاكُ الْأَصْوَاتِ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِقَدْرِ قُوَى الْأَسْمَاعِ فَلَمَّا تَفَاوَتُوا فِي ذَلِكَ شَهِدَتِ الْقُلُوبُ بِاضْطِرَارِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِيهَا مُسْتَوِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهَا لَا يَتَفَاوَتُونَ فَكَذَلِكَ شَهِدَتِ الْعُقُولُ إِذَا تَدَبَّرَتِ الْإِيمَانَ وَعَلِمَتْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يُنَالُ خَوْفٌ وَلَا رَجَاءٌ لِلَّهِ وَلَا إِجْلَالٌ وَلَا هَيْبَةٌ وَلَا مُسَارَعَةٌ إِلَى طَاعَةٍ إِلَّا بِالْإِيمَانِ إِذْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ فَكَانَ مَا يُنَالُ بِهِ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ كُلِّهَا إِيمَانًا لَا غَيْرَهُ [ص:756] فَإِذَا تَدَبَّرَتِ الْعُقُولُ ذَلِكَ شَهِدَتْ أَنَّهُمْ لَوْلَا أَنَّ الْخَائِفِينَ وَالْمُطِيعِينَ لِلَّهِ فَضُلُوا الْعَاصِينَ الَّذِينَ قَلَّ خَوْفُهُمْ مِنْهُ وَتَعْظِيمُهُمْ لَهُ فِي الْإِيمَانِ لَمَا تَفَاوَتُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ فِيهِ مُتَفَاوِتُونَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانُوا فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالْإِجْلَالِ، وَالْهَيْبَةِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي الْإِيمَانِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ إِلَّا بِهِ وَمِنْهُ ثُمَّ يَتَفَاوَتُونَ فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ لَجَازَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي قُوَى الْأَبْصَارِ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الِاسْتِبَانَةِ مِنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَيَسْتَوُوا فِي الْقُوَى وَيَخْتَلِفُوا فِي الْحَمْلِ وَالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ فَيَكُونَانِ جَمِيعًا فِي الْقُوَّةِ يَسْتَوِيَانِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْحَمْلِ فَيَحْمِلُ أَحَدُهُمَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ، وَالْآخَرُ لَا يُطِيقُ إِلَّا مِائَةً فَإِنِ اسْتَحَالَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْإِيمَانِ مُسْتَحِيلٌ لَا فُرْقَانَ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ قَالَ جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ وَلَا التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ بِالْمَعْقُولِ وَلَا كَيْفَ أُصُولُ الطَّاعَاتِ فَقَالَ: إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ بِالتَّوْفِيقِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَفَّقَ بَعْضَهُمْ وَلَمْ يُوَفِّقِ الْآخَرَ [ص:757]. قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ فِي الْقَدْرِ نَازَعْنَاكُمْ وَقَدْ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ بِالتَّوْفِيقِ وَلَكِنْ كَيْفَ وَفَّقَ مَنْ كَثُرَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَقَوَّى تَعْظِيمَهُ وَثِقَتَهُ وَتَوَكُّلَهُ بِأَنْ أَلْزَمَ قَلْبَهُ ذَلِكَ كَمَا أَلْزَمَهُ نَاظِرَ عَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَنْ مَعْرِفَةٍ بِمَا خُوِّفَ بِهِ وَلَا عَنْ ذِكْرٍ لِلَّهِ وَلَا هُوَ مُخْتَارٌ لَهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُكْتَسِبٍ وَلَا عَامِلٍ إِلَّا وَفَّقَهُ بِأَنْ وَهَبَ لَهُ التَّذَكُّرَ وَالتَّفَكُّرَ فَعَقَلَ عَنْهُ مَا قَالَ فَعَظُمَتْ بِذَلِكَ مَعْرِفَتُهُ وَقَوِيَ بِهِ إِيمَانُهُ فَعَظُمَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ. قَالُوا: جَائِزٌ أَنْ يَلْزَمَ ذَلِكَ قَلْبَهُ بِلَا تَذَكُّرٍ وَلَا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِمَا خُوِّفَ بِهِ وَلَا اخْتِيَارٍ لَهُ كَالسَّحَرَةِ أَلْزَمَ قُلُوبَهُمُ الْخَوْفَ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنْهُمْ وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا ذِكْرٌ وَلَا اخْتِيَارٌ. قِيلَ لَهُمْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ مَا كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ عَمَلًا وَلَا مُدِحُوا بِهِ كَمَا لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ جَمَالُ وُجُوهِهِمْ لَهُمْ عَمَلًا وَلَا صِحَّةُ أَجْسَامِهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: كُلُّ حَسَنٍ يُلْزِمُهُ اللَّهُ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ لَيْسَ مِنَ الطَّاعَاتِ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ بِعَمَلٍ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا أُلْزِمَ مِنَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ فَهُوَ لَهُ عَمَلٌ. قِيلَ لَهُمُ: الْعِلَّتَانِ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا أَنْتُمْ تَدَّعُونَ وَلَمْ تَأْتُوا بِتَفْرِقَةٍ وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى خِلَافِ مَا قُلْتُمْ لِأَنَّ اللَّهَ [ص:758] وَصَفَ الْخَائِفِينَ بِالتَّذَكُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ بِمُتَذَكِّرٍ وَلَا مُتَفَكِّرٍ فَقَالَ: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَنْ عَقَلَ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ كَانَ اللَّهُ فِيمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةً فَقَدْ عَارَضَ اللَّهَ، وَمَا قَالَ بِرَدٍّ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنِ السَّحَرَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ دَعْوَاكُمْ لِقَوْلِهِمْ: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} [طه: 73] فَلَا شَاهِدَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ يُخْبِرُكَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِقَصْدٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَاخْتِيَارٍ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} [طه: 74] فَعَبَّرُوا عَنْ عَقْلِهِمْ عَنِ اللَّهِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ فَهَذَا الِاكْتِسَابُ وَمَا سِوَاهُ اضْطِرَارًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ قَالُوا: بَلْ وَفَّقَهُمْ بِأَنْ وَهَبَ لَهُمُ التَّذَكُّرَ وَالتَّفَكُّرَ فَعَقَلُوا عَنْهُ فَخَافُوهُ. قِيلَ: فَكَذَلِكَ وَفَّقَهُمْ حَتَّى عَقَلُوا عَنْهُ فَصَدَّقُوا بِهِ جَمِيعًا أَنَّهُ حَقٌّ ثُمَّ تَفَاوَتُوا فِي التَّصْدِيقِ حَتَّى كَانَ أَحَدُهُمْ كَأَنَّمَا يُعَايِنُ مَا صَدَّقَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #794

794 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: " كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَرَأَ رَجُلٌ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا وَقَرَأَ صَاحِبُهُ غَيْرَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأَا» فَقَرَأَا، فَقَالَ: أَحْسَنْتُمَا وَأَصَبْتُمَا، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ سَقَطَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي فَارْفَضَّيْتُ عَرَقًا وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَبِّي، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا أُبَيُّ إِنَّ رَبِّي أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ". [ص:760]

أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ← جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، ← عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، ← إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، ← يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ← إِسْحَاقُ

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 794

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #795

795 - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَسَأَلَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْإِحْسَانِ فَقَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ.،

أَبُو عَبْدِ اللهِ‏:‏

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 795

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #796

796 - وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَارِثَةَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، قَالَ: وَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ قَالَ: عَرَفْتُ نَفْسِي فِي الدُّنْيَا فَأَسْهَرْتُ لِيَلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ قَالَ: " أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ،

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 796

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #797

797 - وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ: عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ فَكَذَلِكَ يَتَفَاضَلُونَ فِي التَّصْدِيقِ.

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 797

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #798

798 - كَمَا رَوَى عَنِ الْحَسَنِ، وَذَكَرَ، هَذِهِ الْآيَاتِ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا جَاءَتْهُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ اللَّهِ صَدَّقُوا بِهَا فَوَصَلَ نَفْعُهَا إِلَى قُلُوبِهِمْ فَخَشَعَتْ لِذَلِكَ قُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ، فَكُنْتُ إِذَا رَأَيْتُهُمْ [ص:761] رَأَيْتُ قَوْمًا كَأَنَّمَا يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ رَأَيَ الْمُتَّقِينَ أَفَلَا تَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعُلَمَاءَ مِنْ بَعْدِهِ يَدُلُّونَ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ يَتَفَاوَتُ فِي شِدَّةِ الْيَقِينِ وَالْبَصَائِرِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبْنَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: فَلِمَ لَا يُسَمَّى النَّظَرُ جُزْءًا مِنَ النَّاظِرِ، وَالِاسْتِمَاعُ جُزْءًا مِنَ السَّمْعِ وَالْحَمْلُ جُزْءًا مِنَ الْقُوَى قِيلَ لَهُمْ إِنَّمَا ضَرَبْنَا لَكَ مَثَلًا لِتَصْدِيقِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ فَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ النَّظَرَ مِنَ الْبَصَرِ، وَالطَّاقَةُ مِنَ الْقُوَى، وَالِاسْتِمَاعُ مِنَ السَّمْعِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ مِنَ التَّصْدِيقِ وَكُلُّهَا تُضَافُ إِلَى الْإِيمَانِ فِي الِاسْمِ. فَإِنْ قَالُوا: فَلَيْسَ الِاسْتِمَاعُ فِي عَيْنِهِ غَيْرُ السَّمْعِ وَالنَّظَرُ غَيْرُ الْبَصَرِ لِأَنَّ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ فِعْلُ اللَّهِ، وَالِاسْتِمَاعُ وَالنَّظَرُ فِعْلُ الْعَبْدِ. قِيلَ لَهُمْ: هُوَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ مِنَ الشَّيْءِ عَلَى جِهَتَيْنِ وَإِنْ كَانَا غَيْرَيْنِ فَأَحَدُهُمَا لَا يُوجِبُ [ص:762] الْآخَرَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَلَا يَكُونَ الْآخَرُ، هَلِ الْكَلَامُ إِلَّا مِنَ اللِّسَانِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اللِّسَانُ وَلَا يَكُونُ الْكَلَامُ فَأَمَّا الْبَصَرُ الصَّحِيحُ إِذَا لَاقَتْهُ الْأَشْخَاصُ فَلَا جَائِزَ إِلَّا أَنْ يُوجِبَ نَظَرَ اسْتِبَانَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَسْمَاعُ إِذَا ظَهَرَتْ لَهَا الْأَصْوَاتُ فَلَا جَائِزَ إِلَّا أَنْ تُوجِبَ دَرَكًا لِلْأَصْوَاتِ كَالنَّارِ إِذَا لَاقَتِ الْمَاءَ فَلَا جَائِزَ إِلَّا أَنْ تُوجِبَ تَسْخِينًا، وَكَذَلِكَ الثَّلْجُ إِذَا لَاقَى الْأَشْيَاءَ الْقَابِلَةَ لِلْبَرْدِ فَلَا جَائِزَ إِلَّا أَنْ يُوجِبَ تَبْرِيدًا. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ نَرَى مِنَ النَّارِ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يُوجِبُ مِثْلَهُ التَّسْخِينُ وَلَا الْإِحْرَاقُ وَكَذَلِكَ الثَّلْجُ قِيلَ لَهُمْ إِنَّهُ وَإِنْ قَلَّ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُبَرِّدٌ وَمُسَخِّنٌ لِأَنَّهُ إِذَا ضُمَّ إِلَى الْآخَرِ الَّذِي مِنْ جِنْسِهِ سَخَّنَ أَوْ أَحْرَقَ أَوْ بَرَّدَ فَلَيْسَ مِنْهَا جُزْءٌ أَوْجَبَ التَّسْخِينَ وَالتَّبْرِيدَ دُونَ الْجُزْءِ الْآخَرِ، وَالَّذِي انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَسْخِينٌ وَلَا تَبْرِيدٌ فَإِذَا ضُمَّ إِلَى الْأَجْزَاءِ الْمُسَخَّنَةِ وَالْمُبَرَّدَةِ أَخَذَ بِقِسْطِهِ مِنَ التَّسْخِينِ أَوِ التَّبْرِيدِ وَكُلُّهَا مُوجِبَةٌ لِلتَّسْخِينِ أَوِ التَّبْرِيدِ لَيْسَ مِنْهَا جُزْءٌ مُوجِبًا لِذَلِكَ دُونَ الْآخَرِ. فَإِنْ قَالُوا: أَلَيْسَ إِذَا انْفَرَدَ أَقَلُّ أَجْزَائِهَا عَلَى حَالٍ لَمْ يَكُنْ تَسْخِينٌ وَلَا إِحْرَاقٌ وَلَا تَبْرِيدٌ؟ [ص:763] قُلْنَا: وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ فَإِنَّ فِيهِ التَّسْخِينُ وَالْإِحْرَاقُ وَالتَّبْرِيدُ وَكَذَلِكَ أَقَلُّ قَلِيلِ الْإِيمَانِ لَا يُوجِبُ الْخَوْفَ الْمُزْعِجَ عَلَى تَرْكِ مَا كَرِهَ اللَّهُ وَلَا الرَّجَاءَ الْمُزْعِجَ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا أَحَبَّ اللَّهُ فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ أَجْزَاءٌ مِنْ جِنْسِهِ أَوْجَبَ الْخَوْفَ الْمُزْعِجَ عَنْ كُلِّ مَا كَرِهَ اللَّهُ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَتَمَالَكُ. فَكَذَلِكَ الرَّجَاءُ، وَالْحُبُّ، وَالْهَيْبَةُ وَالتَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ لِلَّهِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ وَجَدْنَا أَقَلَّ قَلِيلِ الْإِيمَانِ إِنْ زَايَلَهُ أَقَلُّ قَلِيلِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْحُبِّ لِلَّهِ كَانَ كَافِرًا وَلَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحِبَّ لِلَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ لَا يَهَابُهُ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ عَرَفَ رَبَّهُ وَاعْتَرَفَ بِهِ أَوْجَبَتْ مَعْرِفَتُهُ حُبَّهُ وَهَيْبَتَهُ وَرَجَاءَهُ وَخَوْفَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أُعْطِي الدُّنْيَا كُلَّهَا عَلَى أَنْ تَكْفُرَ بِهِ أَوْ تَكْذِبَ عَلَيْهِ مَا فَعَلَ وَإِنْ أَتَى بِكُلِّ الْعِصْيَانِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ مُحِبٌّ مَا آثَرَهُ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ تَهَابُهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا لِلْكُفْرِ يَقْبَلُهُ، أَوْ قَائِلٌ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَهَبْ غَيْرُهُ مِنَ الْخَلْقِ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُجِلَّهُ فَقَدْ صَغَّرَ [ص:764] قَدْرَهُ فَكَذَلِكَ الْخَالِقُ مَنْ لَمْ يَهَبْهُ وَلَمْ يُجِلَّهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ. وَكَذَلِكَ أَقَلُّ أَجْزَاءِ النَّارَ أَوِ الثَّلْجِ قَدْ تُوجِبُ الْحَرْقَ وَالتَّسْخِينَ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ لَمْ يُوجِبْهُ لَكَانَتِ النَّارُ مُتَقَلِّبَةً عَنْ شَبَحِ النَّارِيَّةِ، وَكَانَ الثَّلْجُ مُتَقَلِّبًا عَنْ شَبَحِ الثَّلْجِيَّةِ. فَإِنْ قَالُوا: فَلَسْنَا نَرَى ذَلِكَ، وَلَا نَعْرِفُهُ. قِيلَ: إِنَّمَا مَنَعَكُمْ مِنْ ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِكُمْ بِالْأَشْيَاءِ كَيْفَ صَنَعَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَنَحْنُ نُرِيكُمْ ذَلِكَ إِنَّمَا امْتَنَعَ الْأَبْصَارُ أَنْ تَرَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ النَّارِ إِذَا لَاقَى جُزْءًا مِنَ الْحَطَبِ أَقْوَى مِنْهُ لَمْ تُحْرِقْهُ وَغَلَبَهُ الْجُزْءُ مِنَ الْحَطَبِ فَأَطْفَأَهُ وَإِذَا لَاقَى جُزْءًا أَضْعَفَ مِنْهُ أَحْرَقَهُ أَوْ سَخَّنَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرَارَةَ الضَّعِيفَةَ إِذَا لَاقَتِ الْحَرِيرَ أَحْرَقَتْهُ، وَإِذَا لَاقَتْ مَا فَوْقَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَمْ تَعْمَلْ فِيهِ وَقَهَرَهَا بِقُوَّةِ طَبْعِهِ وَكَذَلِكَ الثَّلْجُ لَوْ أُلْقِيَتْ مِنْهُ حَبَّةٌ فِي مَاءٍ جَارٍ مَا وَجَدْتَ لَهُ تَبْرِيدًا، وَلَوْ أُلْقِيَتْ تِلْكَ الْحَبَّةُ عَلَى حَدَقَةِ الْإِنْسَانِ أَوْ عَلَى لِسَانِهِ لَأَحَسَّ تَبْرِيدَهَا فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَبْعَهَا فِيهَا قَائِمٌ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ [ص:765] كُلُّ مُوجِبٌ لِشَيْءٍ لَا مَحَالَةَ فَهُوَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ عَلَى التَّجْزِئَةِ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إِلَيْهِ لَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُضِيفُهُ إِلَيْهِ فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ يُضَافُ إِلَيْهِ مَا هُوَ مُوجِبَةٌ لَا مَحَالَةَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ اضْطِرَارًا لِأَنَّكُمْ نَوْعَانِ نَوْعٌ مِنْكُمْ وَهُمْ جُمْهُورُكُمْ وَعَامَّتُكُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا يَكُونُ فِي عَيْنِهَا إِيمَانًا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى قُلُوبِ مَنْ سُمِّيَ بِالْكُفْرِ أَنَّهَا عَالِمَةٌ مُؤْقِنَةٌ فَزَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَيْسَتْ فِي عَيْنِهَا إِيمَانًا حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ الْإِقْرَارُ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا تَكُونُ الْمَعْرِفَةُ إِيمَانًا حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ الْخُضُوعُ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا تَكُونُ الْمَعْرِفَةُ إِيمَانًا حَتَّى يَكُونَ مَعَهَا الْخُضُوعُ وَالْإِقْرَارُ. ثُمَّ زَعَمَ مَنْ قَالَ مِنْكُمْ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى تَعَرُّفِكُمْ أَنَّ الْخُضُوعَ إِيمَانٌ مَعَ الْمَعْرِفَةِ، وَالْإِقْرَارُ كَذَلِكَ، وَالتَّصْدِيقُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَتِ الْمَعْرِفَةُ هِيَ الْخُضُوعُ وَلَا الْإِقْرَارُ وَلَا التَّصْدِيقُ وَلَكِنْ مَعْرِفَةٌ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ. فَهَلْ تَجِدُونَ بَيْنَ مَا قُلْتُمْ وَبَيْنَ مَا قَالَ مُخَالِفُوكُمْ فُرْقَانًا [ص:766] إِذْ سَمَّوْا إِيمَانًا مَا أَوْجَبُهُ التَّصْدِيقُ وَسَمَّيْتُمْ إِيمَانًا مَا أَوْجَبَتْهُ الْمَعْرِفَةُ بَلْ هُمْ قَدِ ادَّعَوُا الصِّدْقَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَعَلُوا الْأَعْمَالَ إِيمَانًا مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْقَوِيَّةِ، وَالتَّصْدِيقُ الْقَوِيُّ يُوجِبُهُ الْعَمَلُ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَهُمُ التَّصْدِيقُ يَتَفَاوَتُ، وَمَا ادَّعَيْتُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لَا يُوجِبُ التَّصْدِيقَ وَالْخُضُوعَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا يَتَفَاوَتُ وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ وَأَقْرَرْتُمْ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ فَلَوْ كَانَتْ تُوجِبُ الْخُضُوعَ وَالتَّصْدِيقَ وَالْإِقْرَارَ مَا جَامَعَتِ الْكُفْرَ أَبَدًا، لِأَنَّ الْخُضُوعَ وَالْإِقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ فِي قَوْلِنَا وَقَوْلِكُمْ إِيمَانٌ وَهُوَ ضِدُّ الْكُفْرِ فَلَوْ كَانَتْ تُوجِبُ ذَلِكَ مَا قَارَنَهَا الْكُفْرُ أَبَدًا فَلَمَّا وَجَدْنَا عَارِفًا كَافِرًا، وَعَارِفًا مُؤْمِنًا عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمُ اسْتَحَالَ أَنْ تُوجِبَ الْمَعْرِفَةُ الْإِيمَانَ إِذَا كَانَتْ لَا تَتَفَاوَتُ، وَلَا جَائِزَ أَنْ تُوجِبَ خُضُوعًا، وَلَا إِقْرَارًا أَبَدًا إِنْ كَانَتْ لَا تَتَفَاوَتُ فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ الْمَعْرِفَةَ فَإِذَا كَانَ مَعَهَا الْخُشُوعُ وَالتَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ إِيمَانًا فَقَدْ ضَمَمْتُمْ إِلَى الْمَعْرِفَةِ مَا لَيْسَ جُزْءًا مِنْهَا وَلَا هِيَ مُوجِبَةٌ لَهُ فَدَعْوَى مُخَالِفِيكُمْ فِي إِضَافَتِهِمْ أَصْدَقُ وَأَبَيَنُ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَهُمْ يَتَفَاوَتُ لَهَا أَوَّلٌ وَأَعْلَى، وَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ لَهُ أَوَّلٌ وَأَعْلَى فَإِذَا [ص:767] عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ أَوْجَبَتِ الْعَمَلَ لَا مَحَالَةَ فَجَعَلُوا مِنَ الْإِيمَانِ وَأَضَافُوا إِلَيْهِ مَا أَوْجَبَهُ عَظِيمُ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصْدِيقِ فَقَدْ وَافَقْتُمُوهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا خَالَفُتُمُوهُمْ، وَيُصَدِّقُ دَعْوَاكُمْ وَلَمْ تَقُودُوا قَوْلَكُمْ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَكُمْ إِذَا انْفَرَدَتْ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ فَإِذَا جَامَعَهَا الْخُضُوعُ وَالْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ صَارَتِ الْمَعْرِفَةُ إِيمَانًا فَكَانَتْ فِي عَيْنِهَا وَحْدَهَا لَا إِيمَانَ فَلَمَّا ضُمَّ إِلَيْهَا غَيْرُهَا انْقَلَبَتْ فَصَارَتْ إِيمَانًا؟ وَقَالَ مُخَالِفُوكُمُ: الْإِيمَانُ أَصْلٌ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ ازْدَادَ بِهِ وَلَا يَتَقَلَّبُ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إِضَافَتُكُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ الْقَوْلَ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّ الْقَوْلَ أَجْزَاءٌ مُؤَلَّفَةٌ فِي صَوْتٍ عَنْ حَرَكَةِ لِسَانٍ، وَالْمَعْرِفَةُ عَقْدٌ بِضَمِيرِ الْقَلْبِ لَيْسَتْ بِصَوْتٍ وَلَا حُرُوفٍ وَلَا حَرَكَةٍ فَأَضَفْتُمْ إِلَى الْمَعْرِفَةِ مَا لَيْسَ فِيهَا وَلَا يُشْبِهُهَا وَلَا هِيَ مُوجِبَةٌ لَهُ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يُوجِبُ الْقَوْلَ وَهُوَ وَإِنْ أَوْجَبَهُ فَلَيْسَ الْقَوْلُ مِنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ فِي شَيْءٍ إِذِ الْقَوْلُ حُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ فِي صَوْتٍ عَنْ حَرَكَةٍ وَلَيْسَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ كَذَلِكَ فَأَضَفْتُمْ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا يُشْبِهُهُ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا إِلَّا بِهِ فَهَذَا أَعْجَبُ مَنْ [ص:768] قَوْلِ مُخَالِفِيكُمْ فَقَدْ قَايَسْنَاكُمْ عَلَى اللُّغَةِ وَالْمَعْقُولِ فَتَبَيَّنَ دَحْضُ حُجَّتِكُمْ وَبُطْلَانُ دَعْوَاكُمْ وَأَوْلَى بِالْحَقِّ اتِّبَاعِهِ مَنْ أَرَادَ اللَّهَ وَخَافَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ، وَأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ فَمَنْ دُونَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنَ الْإِيمَانِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَمَرَ بِهِ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَمَرَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَلْزَمُ فَرْضُهُ إِلَّا جُمْلَةً، وَلَا يَحْدُثُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ، وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ مِنْهُ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ إِلَّا كَانَ كَافِرًا. فَيُقَالُ لَهُمْ: خَبِّرُونَا عَنْ أَهْلِ زَمَانِ مُوسَى وَعِيسَى هَلْ كَانَ مِنْ إِيمَانِهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا وَيَعْتَقِدُوا التَّصْدِيقَ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولًا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ مِنْ إِيمَانِهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا وَيَعْتَقِدُوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولًا، وَلَكِنْ كَانَ مِنْ إِيمَانِهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا وَيَعْتَقِدُوا أَنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ مُحَمَّدًا رَسُولًا. قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ مِنْ إِيمَانِنَا الْيَوْمَ أَنْ نَعْلَمَ، وَنَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولًا؟ فَإِنْ قَالُوا: وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَوْجَبُوا عَلَيْنَا مِنَ [ص:769] الْإِيمَانِ مَا لَمْ يُوجِبُوهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَهَذَا نَقْضٌ لِمَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَصْلَهُمْ، وَخُرُوجٌ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ. وَإِنْ قَالُوا: الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ مُحَمَّدًا رَسُولًا لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِأَنَّهُ قَدْ بَعَثَهُ رَسُولًا، وَأَهْلُ الزَّمَانِ الْأَوَّلِ قَدْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولًا إِذْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَبْعَثُهُ رَسُولًا وَهَذَا هُوَ الْخُلْفُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالتَّنَاقُضُ مِنَ الْمَقَالِ. وَيُقَالُ لَهُمْ: خَبِّرُونَا عَنْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ زَمَانِ مُوسَى وَعِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ آمَنَ بِمُوسَى وَعِيسَى وَجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ جُمْلَةً هَلْ يَكُونُ مُؤْمِنًا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَجَمِيعِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَمِيعِ مَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ، فَجَهِلَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِهِ، وَلَمْ يَفْتَرِضْهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا وَهُوَ مُقِرٌّ مُصَدِّقٌ بِمُوسَى وَعِيسَى، وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَقُولُ [ص:770] هَذَا مُسْلِمٌ. وَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُؤْمِنٌ إِذْ آمَنَ بِمُوسَى وَعِيسَى وَبِمَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ. قِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَعَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا سَيُبْعَثُ أَوْ أَدْرَكَ زَمَانَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلِمَ وَأَقَرَّ بِهِ وَصَدَّقَ بِهِ هَلْ حَدَثَ لَهُ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ أَصَابَ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ فَقَدْ رَجَعُوا عَنْ قَوْلِهِمْ. وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُصِبْ بِعِلْمِهِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِقْرَارِهِ بِهِ إِيمَانًا لَمْ يَكُنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُمْ: فَإِنْ جَهِلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ أَوْ عَلِمَهُ فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ، وَأَقَامَ عَلَى أَمْرِهِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُهُمْ، وَإِنْ قَالُوا: إِذَا جَهِلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ أَوْ عَرَفَهُ فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ. قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ يَكُونُ كَافِرًا إِلَّا بِتَرْكِ الْإِيمَانِ؟ [ص:771] فَإِنْ قَالُوا: لَا فَقَدْ أَقَرُّوا بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ فَرْضُهُ بَعْدَ مَا بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُقَالُ لَهُمْ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ، وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164] . خَبِّرُونَا عَنْ أُولَئِكَ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ الَّذِينَ لَمْ يَقْصُصْهُمْ عَلَيْنَا، وَلَمْ يُخْبِرْنَا بِأَسْمَائِهِمْ هَلْ كَلَّفَهُمُ اللَّهُ الْمَعْرِفَةَ بِهَؤُلَاءِ الرُّسُلِ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ لَزِمَ أُولَئِكَ مِنْ فَرْضِ الْإِيمَانِ مَا لَزِمَ أُولَئِكَ وَلَزِمَ أُولَئِكَ مِنْ فَرْضِ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يَلْزَمُنَا، لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ وَعَايَنُوهُمْ وَأَخْبَرُونَا بِأَسْمَائِهِمْ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، وَالْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَمْ نُدْرِكْهُمْ نَحْنُ، وَلَمْ نُعَايِنْهُمْ، وَلَا أَخْبَرَنَا بِأَسْمَائِهِمْ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا مِنَ الْإِيمَانِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ مَا وَجَبَ عَلَى أُولَئِكَ، وَكَذَلِكَ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْفَرَائِضِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْ يُنْزِلُهَا جُمْلَةً فِي أَوَّلِ مَا بَعَثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ الْفَرَائِضَ، وَفَسَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:772] فَعَرَّفَهَا وَعَرَّفَ تَفْسِيرَهَا فَمَنْ آمَنَ بِهَا زَادَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124] وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْأَوَّلَ يَحْمِلُ الْفَرَائِضَ الَّتِي نَزَلَتْ وَيُنَزِّلُ كَانَ هُوَ الْإِيمَانُ مَا لَمْ يُكَلِّفُوا الْإِيمَانَ بِتَفْسِيرِ الْفَرَائِضِ الَّتِي نَزَلَتْ وَالَّتِي تَنْزِلُ فَإِذَا نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ وَفُسِّرَتْ لَهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ بِتَفْسِيرِهَا كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِجُمْلَتِهَا وَصَارَ الْإِيمَانُ بِتَفْسِيرِهَا مَضْمُومًا إِلَى الْإِيمَانِ الْأَوَّلِ فَصَارَ إِيمَانُهُمْ أَكْمَلَ. فَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْإِيمَانِ غَيْرُ مُسْتَوِينَ إِذْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ افْتَرَضَ عَلَى الْأَوَّلِينَ مِنَ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يَفْتَرِضُ عَلَى الْآخِرِينَ، وَافْتَرَضَ عَلَى الْآخِرِينَ مَا لَمْ يَفْتَرِضُ عَلَى الْأَوَّلِينَ نَحْوًا مِمَّا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ مَعْرِفَةِ الرُّسُلِ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ وَحُدُودِ الْفَرَائِضِ الَّتِي افْتُرِضَتْ عَلَيْهِمْ، وَتَفْسِيرِهَا فَكُلُّ مَنْ أَدَّى مَا كُلِّفَ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْفَرْضِ عَلَيْهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُسْتَكْمِلٌ لِمَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ إِيمَانًا [ص:773] وَأَكْثَرَ مِنْهُ إِذْ كُلِّفَ مِنَ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يُكَلَّفْ هُوَ. وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ نَوَى أَنْ يَكْفُرَ غَدًا لِمِيرَاثٍ طَمِعَ أَنْ يُصِيبَهُ أَوْ غَيْرُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ كَافِرٌ، قِيلَ لَهُمْ: فَكَيْفَ أَخَرَجْتُمُ الْمُؤْمِنَ مِنْ إِيمَانِهِ بِنِيَّتِهِ أَنْ يَكْفُرَ غَدًا فَهَلْ أَخَرَجْتُمُ الْكَافِرَ مِنْ كُفْرِهِ بِنِيَّتِهِ أَنْ يُؤْمِنَ غَدًا؟ فَإِنْ قَالُوا: بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا يَكْفُرُ غَدًا فَقَدْ تَرَكَ الْخُضُوعَ، وَالْإِنْكَارَ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ فَمِنْ ثَمَّ أَكْفَرْنَاهُ، وَالْكَافِرَ أَخَّرَ الْإِذْعَانَ لِلَّهِ وَالْخُضُوعَ لَهُ وَنَوَاهُ فَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ مِنْ كُفْرِهِ. قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَفِي وَقْتِهِ مُذْعِنٌ خَاضِعٌ إِذْ لَمْ يَتَعَجَّلِ الْكُفْرَ فَيَعْتَقِدُهُ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ الْكُفْرَ وَلَزِمَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ فَلَمْ يَدَعْهُ، وَلَوْ زَايَلَهُ الْخُضُوعُ مَا أَخَّرَ الْكُفْرَ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَوْلَا مُزَايَلَةُ الْخُضُوعِ لَهُ لَآمَنَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَوَى أَنْ يَخْضَعَ بَعْدَ وَقْتِهِ فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يَخْضَعَ بَعْدَ وَقْتِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ كُفْرِهِ فَكَذَلِكَ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَخْضَعَ بَعْدَ وَقْتِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ إِيمَانِهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ أَوْرَدَ النِّيَّةَ بِخُضُوعٍ يَتَأَخَّرُ عَلَى أَنَّهَا لَازِمٌ، وَالْمُؤْمِنُ أَوْرَدَ لِلَّهِ تَائِبًا مُتَأَخِّرًا عَلَى خُضُوعٍ لَازِمٍ فَلَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَحْكُمُوا عَلَيْهِمَا بِحَالَيْهِمَا فِي وَقْتَيْهِمَا اللَّذَيْنِ هُمَا فِيهِمَا أَوْ بِحَالَيْهِمَا اللَّذَيْنِ لَمْ يَأْتِيَا، وَلَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَأُخْرَى أَيْنَ وَجَدْتُمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي عَيْنِهَا إِيمَانٌ أَوِ الْخُضُوعُ فِي عَيْنِهِ إِيمَانٌ إِذَا كَانَ الْكَافِرُ مُنْكِرًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ نَاو لَا يَكْذِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَدْ ثَبَتُّمُ الْإِرَادَةَ وَالْخُضُوعَ إِيمَانًا وَزَوَالَهُمَا كُفْرًا، فَلَمْ يَنْفَعِ الْكَافِرَ إِذْ لَمْ يَتَعَجَّلْهَا فَهَلَّا نَفَعَتِ الْمُؤْمِنَ إِذْ تَعَجَّلَهَا فَقَدْ أَكْفَرْتُمْ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ بِالنِّيَّةِ لِأَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لَعَلَّهُ لَا يَفْعَلُهُ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِي الْقِيَاسِ أَنْ شَهِدَ لِلْكَافِرِ بِالْإِيمَانِ بِنِيَّتِهِ الَّتِي قَدَّمَهَا كَمَا لَمْ يَنْفَعِ الْمُؤْمِنَ مَعْرِفَتُهُ وَقَوْلُهُ بِلِسَانِهِ، وَخَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالنِّيَّةِ لِلْكُفْرِ. فَكَذَلِكَ لَا يُكَفِّرُ الْكَافِرَ إِنْكَارُهُ بِقَلْبِهِ وَتَكْذِيبُهُ بِلِسَانِهِ مَعَ النِّيَّةِ الَّتِي قَدَّمَهَا أَنْ يُؤْمِنَ غَدًا. فَإِنْ هُمْ سَأَلُونَا، فَقَالُوا: مَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِي ذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا الْمَعْرِفَةَ وَحْدَهَا، وَلَا الْقَوْلَ وَحْدَهُ لَأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا الْمُنَافِقِينَ يُقِرُّونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَهُمْ كَافِرُونَ، وَوَجَدْنَا الْيَهُودَ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِقُلُوبِهِمْ، وَهُمْ كَافِرُونَ فَلَمَّا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ فِي عَيْنِهَا إِذَا انْفَرَدَتْ لَا إِيمَانَ، وَكَانَ الْقَوْلُ إِذَا انْفَرَدَ لَا إِيمَانُ فَإِذَا ضُمَّا لَمْ يَكُونَا إِيمَانًا إِلَّا بِشَرِيطَةِ نِيَّتِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْئَيْنِ يَنْفَرِدَانِ خَارِجَيْنِ مِنْ بَعْضِ الْأَجْنَاسِ ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ فَيَدْخُلَانِ فِي غَيْرِ جِنْسِهِمَا إِلَّا أَنْ يَزِيدَ فِيهِمَا مَعْنًى وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَتْ بِمَعْرِفَةٍ تَسْبِقُ عَلَى كِتَابٍ سُمِعَ كَمَعْرِفَةِ الْيَهُودِ لَا مَعْرِفَةُ بَيَانٍ أَوْجَبَهَا الِاضْطِرَارُ فَإِبْلِيسُ عَايَنَ مَا لَمْ يَجِدْ لِلشَّكِّ فِيهِ مَسَاغًا يُعْرَفُ ثُمَّ أَبَى السُّجُودَ، وَإِنَّمَا الْمَعْرِفَةُ الَّتِي هِيَ إِيمَانٌ هِيَ مَعْرِفَةُ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَهَيْبَتِهِ، فَتَعَظُّمُ الْمَعْرِفَةِ تُعَظِّمُ الْقَدْرَ مَعْرِفَةٌ فَوْقَ مَعْرِفَةِ الْإِقْرَارِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الْمُصَدِّقُ الَّذِي لَا يَجِدُ مَحِيصًا عَنِ الْإِجْلَالِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ وَلَا يَصْفُو لِنَفْسِهِ رِيبَةَ الْكُفْرِ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْكُفْرِ اسْتِهَانَةٌ بِالرَّبِّ وَالِاسْتِهَانَةُ ضِدُّ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْهَيْبَةِ فَإِذَا عَظُمَتْ مَعْرِفَتُهُ تَعْظِيمَ قَدْرِهِ لَمْ تَبُحْ نَفْسُهُ بِنِيَّةِ الْكُفْرِ وَلَوْ قُطِعَ أَعْضَاؤُهُ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ هَذَا الْمُؤْمِنُ لَمَّا نَوَى الْكُفْرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْكُفْرَ وَيَعْتَقِدُهُ لَدَيْنَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ تَدَيُّنٍ حَتَّى صَغُرَ قَدْرُ الرَّبِّ عِنْدَهُ فَاسْتَهَانَ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُصَدِّقٍ وَلَا مُؤْمِنٍ لِأَنَّ التَّعْظِيمَ لَا يُقَارِنُ الِاسْتِهَانَةَ وَالتَّصْدِيقَ لَا يُقَارِنُ نِيَّةَ التَّكْذِيبِ وَكَيْفَ يَفْتَرِقَانِ وَهُمَا ضِدَّانِ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَوْ كَانَ بَعَثَهُ عَلَى نِيَّةِ الْإِيمَانِ مَعْرِفَتُهُ لِلَّهِ بِتَحْقِيقِهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مَا أَخَّرَ ذَلِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَفِي تَأْخِيرِهِ ذَلِكَ أَمْنٌ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَهَانَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ لَا مَحَالَةَ وَكِلَاهُمَا كَافِرَانِ بِغَيْرِ الْجَوَابِ الَّذِي أَجَبْتُمْ. فَبِذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ يُوجِبُ الْإِجْلَالَ لِلَّهِ وَالتَّعْظِيمَ لَهُ، وَالْخَوْفَ مِنْهُ وَالتَّسَارُعَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ عَلَى قَدْرِ مَا وَجَبَ فِي الْقَلْبِ فِي عَظِيمِ الْمَعْرِفَةِ وَقَدْرِ الْمَعْرُوفِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُقَالُ لَهُمْ: قَوْلُكُمْ إِنَّ الْقَوْلَ بِاللِّسَانِ إِيمَانٌ مَعَ الْمَعْرِفَةِ أَيُّهُمَا أَصْلٌ لِلْآخَرِ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الْقَوْلَ بِاللِّسَانِ أصل للإيمان، فَقَدْ أَوْجَبُوا لِلْمُنَافِقِينَ أَصْلَ الْإِيمَانِ إِذْ يَشْهَدُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ قَالُوا: آمَنَّا، فَقَالَ: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] فَأَخْبَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ أَوَّلَهُ عَلَى الْقَلْبِ فَقَالَ: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وَقَالَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] فَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى إِكْفَارِ مَنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُنْكِرٌ. وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْمَعْرِفَةَ أَصْلُ الْإِيمَانِ. قِيلَ لَهُمْ: فَالْإِقْرَارُ أَصْلٌ ثَانٍ مُضَافٌ إِلَيْهِ أَوْ فَرْعٌ لَهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: أَصْلٌ ثَانٍ، قِيلَ لَهُمْ: فَمَنْ جَاءَ بِالْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْأَصْلِ الثَّانِي لِطَلَبِ دُنْيَا أَوِ اسْتِكْبَارٍ عَنِ اتِّبَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يَزُولُ عَنْ رِيَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إِلَّا أَنَّهُ عَارِفٌ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا حَالُهُ عِنْدَكُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: كَافِرٌ، قِيلَ لَهُمْ: كَافِرٌ لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ أَوْ قَدْ جَاءَ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ فَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَلْبِ هُوَ قَوْلُ اللِّسَانِ إِذْ كَانَ زَوَالُ الْمَعْرِفَةِ هُوَ تَرْكُ الْقَوْلِ، وَهَذَا التَّنَاقُضُ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ إِذَا أَقَرَّ بِاللِّسَانِ كَانَ عَارِفًا مِنْ قَبْلِ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا بِقَلْبِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَجَامَعَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ الْقَوْلَ بِاللِّسَانِ فَكَذَلِكَ تُجَامِعُ الْمَعْرِفَةُ تَرْكَ الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ، وَلَوْ كَانَ فِي زَوَالِ الْمَعْرِفَةِ زَوَالُ الْقَوْلِ وَكَانَ لَا يُقِرُّ بِاللِّسَانِ مُنْكَرًا كَمَا لَمْ يَعْرِفُ الْقَلْبُ مُنْكَرًا بِاللِّسَانِ أَبَدًا عَلَى قِيَاسِ مَا قُلْتُمْ. فَإِنْ قَالُوا: الْإِقْرَارُ فَرْعٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْمَعْرِفَةُ. قِيلَ لَهُمْ: فَتَرْكُ الْفَرْعِ يَذْهَبُ بِالْأَصْلِ أَوْ يَبْقَى الْأَصْلُ عَلَى حَالِهِ، وَأَزَالَ الْفَرْعَ؟ فَإِنْ قَالُوا: يَذْهَبُ الْأَصْلُ، قِيلَ لَهُمْ: فَالْأَصْلُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي زَوَالِهِ زَوَالُ الْفَرْعِ فَقَدْ وَجَدْنَاهُ مُقِرًّا مُنْكَرًافَكَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ عَارِفٌ مُنْكِرٌ. فَإِنْ قَالُوا: هُوَ عَارِفٌ تَارِكٌ لِلْإِقْرَارِ بِلِسَانِهِ. قِيلَ: وَلَمْ يُسَمِّهِ اللَّهُ مُؤْمِنًا مَعَ تَرْكِ الْإِقْرَارِ بِلِسَانِهِ. وَقِيلَ لَهُمْ: إِبْلِيسُ إِنَّمَا كَفَرَ بِتَرْكِ الْفَرْعِ، وَلَمْ تَنْفَعْهُ الْمَعْرِفَةُ وَلَيْسَ الْقَوْلُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهُ فَرْعٌ مُضَافٌ إِلَيْهَا بِالِاسْمِ لَا مِنْ جِنْسِهَا، وَإِنَّمَا الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ يَكُونُ عَنْهَا وَلَيْسَ هُوَ بِهَا، وَلَا مِنْ جِنْسِهَا لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ، وَالْحُرُوفَ، وَالْحَرَكَاتِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الضَّمِيرِ فِي شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِفَرْعٍ عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، فَمَا أَنْكَرْتُمْ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ جِنْسِ الْمَعْرِفَةِ وَلَكِنْ عَنْهَا يَكُونُ. فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ بَيْنَهُمَا فُرْقَانًا، فَمَا الْفُرْقَانُ؟ اللُّغَةُ يَدْعُونَهَا فِي مَجَازِ اللُّغَاتِ أَوْ حَقِيقَةُ مَعْنًى؟ فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ يَقُولُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ: فُلَانٌ صَدَقَنِي بِلِسَانِهِ فَسَمَّوُا الْإِقْرَارَ تَصْدِيقًا. قِيلَ لَكُمْ: لَيْسَ يَخْلُو مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَعْنِي بِقَوْلِهَا صَدَقَنِي فُلَانٌ بِلِسَانٍ أَيْ أَنَّهُ آمَنَ بِقَوْلٍ بِلِسَانِهِ، وَقَلْبُهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ، أَوْ تَكُونَ تَعْنِي أَنَّهُ صَدَقَنِي بِقَلْبِهِ فَآمَنَ بِقَوْلِي ثُمَّ عَبَّرَ لِي عَمَّا فِي قَلْبِهِ أَنِّي صَادِقٌ عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَتْ تَعْنِي أَنَّهُ آمَنَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْإِيمَانُ بِاللِّسَانِ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مُنْكِرًا وَإِنْ كَانَتْ إِنَّمَا تَعْنِي أَنَّهُ إِنَّمَا عَبَّرَ عَمَّا فِي قَلْبِهِ فَقَدْ دَلَّلَ بِذَلِكَ أَنَّ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ بِالْمُعَبِّرَةِ عَنْهُ، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا مَعْنًى ثَالِثٌ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَالْآخَرُ تَحْقِيقٌ لِمَا فِي قَلْبِهِ. قِيلَ لَكُمْ: تَحْقِيقٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ آمَنَ أَوِ الْإِيمَانُ قَائِمٌ فِي اللِّسَانِ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَائِمٌ فِي اللِّسَانِ فَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ قَالُوا: تَحْقِيقٌ لَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَإِلَّا عَانَدُوا اللُّغَةَ وَخَالَفُوا الْفُرْقَانَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فِي الْقَلْبِ وَأَخْبَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَيْسَ بِإِيمَانٍ إِذْ قَالَ: لَمْ تُؤْمِنُوا. فَقَدْ دَلَّ أَنَّ قَوْلَ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِإِيمَانٍ فِي عَيْنِهِ حَتَّى يَكُونَ عِبَارَةً عَمَّا فِي الْقَلْبِ. وَأَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُهَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ صَدَقْتَ فِي أَنَّ لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ أَنَّهُ إِقْرَارٌ بِلِسَانِهِ وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ لَهُ لِرَهْبَةٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِحَقِّهِ فَذَلِكَ مِنْهُ كَذِبٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِمَا يَقُولُ أَوْ يَكُونُ عَارِفًا بِذَلِكَ بِقَلْبِهِ مُصَدِّقًا لَهُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَمَّا فِي قَلْبِهِ تَحْقِيقُ إِيمَانِهِ بِقَلْبِهِ فَيَقُولُونَ قَدْ آمَنَ بِمَا قَالَ، وَصَدَّقَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَ مِنْهُ حَقَّهُ فَقَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ الَّذِي عَلَيْكَ لِي فَخَلَعَهُ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ أَوْ وَزَنَ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَقَالُوا: قَدْ صَدَّقَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ حَقَّهُ، وَلَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ مَا أَعْطَاهُ فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ تَحْقِيقًا لِمَا فِي الْقَلْبِ يَدُلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُصَدِّقٌ بِاللَّهِ وَبِمَا قَالَ فَكَذَلِكَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ الْمُفْتَرَضَةِ هِيَ مُحَقِّقَةٌ لِلتَّصْدِيقِ مُكَمِّلَةٌ لَهُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ إِنَّمَا يَكْمُلُ إِيمَانُهُ بِأَنْ يَرْفَعَ لِسَانَهُ وَيَضَعُهُ بِالتَّوْحِيدِ فَكَذَلِكَ يَكْمُلُ إِيمَانُهُ بِأَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فِي التُّرَابِ تَوْحِيدًا لَهُ بِذَلِكَ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُمَا كِلَاهُمَا جَارِحَتَانِ غَيْرُ الْقَلْبِ وَغَيْرُ عَمَلِهِ وَلَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ إِلَّا ادِّعَاءُ اللُّغَةِ الَّتِي قَدْ تَدَاوَلَتْهَا الْعَرَبُ بَيْنَهَا، يُرِيدُ بِهِ الْعِبَارَةَ بِعَيْنِهَا أَنَّ الْإِقْرَارَ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ، وَقَدْ يُسَمَّى فِعْلُ الْجَوَارِحِ أَيْضًا تَصْدِيقًا، لَوْ قَالَ قَائِلٌ لِرَجُلٍ: إِنَّ فُلَانًا قَتَلَ وَلَدَكَ فَشَدَّ عَلَى قَاتِلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُخْبِرِ لَهُ صَدَقْتَ لَشَهِدَتِ الْقُلُوبُ أَنَّهُ قَدْ صَدَّقَهُ بِفِعْلِهِ وَمَعَ شَهَادَتِهِمَا فَهِيَ عَالِمَةٌ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ تَحْقِيقٌ لِتَصْدِيقِ قَلْبِهِ لَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ إِيمَانٌ بِالْقَلْبِ وَمِنْ ذَلِكَ تَصْدِيقًا مِنْهُمْ تَحْقِيقًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَلَمْ يُخْبِرْنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: صَدَقْتَ هُوَ عَلَيْنَا ثُمَّ سَجَدُوا، وَأَبَى إِبْلِيسُ أَنْ يَسْجُدَ وَلَمْ يَقُلْ إِنَّكَ لَمْ تَأْمُرْنِي بِالسُّجُودِ فَكَانَ إِبَاؤُهُ كُفْرًا لَا أَنَّهُ جَحَدَ بِلِسَانِهِ فَكَانَ سُجُودُهُمْ إِيمَانًا كَمَا كَانَ إِبَاؤُهُ كُفْرًا فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ إِذَا أَقَرَّ شَهِدَتِ الْقُلُوبُ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلظَّاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعُوا بِالْغَيْبِ وَهُمْ عَارِفُونَ أَنَّ قَوْلَ اللِّسَانِ لَيْسَ هُوَ الْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا فِي الْقَلْبِ، وَلَنْ تَجِدُوا بَيْنَ ذَلِكَ فُرْقَانًا إِلَّا بِالْمُكَابَرَةِ. وَيُقَالُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ سَوَّغْنَا لَكُمْ أَنَّ الْعِبَارَةَ عَمَّا فِي الْقَلْبِ بِالْإِقْرَارِ هُوَ فِي عَيْنِهِ إِيمَانٌ كَالْمَعْرِفَةِ بِالْقَلْبِ، أَرَأَيْتُمْ هَذَا الْإِقْرَارَ الَّذِي هُوَ إِيمَانٌ مَتَى يَكُونُ إِيمَانًا إِذَا كَانَ كَافِرًا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَقَرَّ فَبَدَّلَ الْجَحْدَ الْأَوَّلَ أَوْ أَقَرَّ كَانَ إِيمَانًا أَوْ إِذَا جَاءَ بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا عَلَى غَيْرِ جَحْدٍ فَأَتَى بِالْإِقْرَارِ فِي وَقْتِ الْبُلُوغِ أَوْ خَلَقَهُ اللَّهُ بَالِغًا فَأَقَرَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ إِيمَانًا فَمَنْ كَانَ جَاحِدًا مِنْ قَبْلُ فَقَدْ أَخْرَجُوا الْمَلَائِكَةَ وَآدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَكُلَّ نَاشِئٍ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَنْ يَكُونَ آمَنَ بِاللَّهِ قَطُّ، وَلَا يَقُولُ هَذَا أَحَدٌ. وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ إِيمَانٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ جَاحِدًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا أَوْ خُلِقَ بَالِغًا بِغَيْرِ طُفُولِيَّةٍ كَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ. قِيلَ لَهُمْ: فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَمْ يُسَمَّ إِقْرَارًا إِلَّا أَنَّهُ اعْتِرَافٌ لِلرَّبِّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَبِمَا قَالَ، أَوْ لِأَنَّهُ اعْتِرَافٌ، وَهُوَ وَاجِبٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ اعْتِرَافٌ فِي عَيْنِهِ لَا أَنَّهُ أَوْجَبَهُ. قِيلَ لَهُمْ: فَكُلَّمَا جَاءَ بِالِاعْتِرَافِ فَهُوَ إِيمَانٌ. وَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ اعْتِرَافٌ وَأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَهُ. قِيلَ لَهُمْ: فَكُلَّمَا جَاءَ بِهِ اعْتِرَافًا وَاجِبًا فَهُوَ إِيمَانٌ. فَإِنْ قَالُوا: لَا، نَاقَضُوا قَوْلَهُمْ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبٍ صَادِقٍ فَقَدْ أَقَرَّ، وَمَعْنَى أَقَرَّ: اعْتَرَفَ، فَإِذَا كَانَ هَذَا إِيمَانًا فَكُلَّمَا وَحَّدَ اللَّهَ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَمُوتَ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُعْتَرِفٌ عَنْ قَلْبٍ صَادِقٍ فَهُوَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ يُوَحِّدُ فِيهَا يَزْدَادُ إِيمَانًا، وَكُلُّ وَقْتٍ يَشْتَغِلُ قَلْبُهُ بِالْمَعَاصِي فَلَا يَنْشَرِحُ لِلْقَوْلِ بِالِاعْتِرَافِ، وَلَا يَعْظُمُ فِي قَلْبِهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَيَفْزَعُ إِلَى تَوْحِيدِهِ فَهُوَ أَنْقَصُ مِنْهُ فِي الْحَالِ الْأُولَى الَّتِي عَظَّمَ بِقَلْبِهِ الْمُعْتَرِفِ بِهِ حَتَّى حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِلِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ نَقْصًا بِتَصْدِيقِهِ بِقَلْبِهِ، أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ لَا بَاطِلٌ، وَلَكِنَّهُ نَقَصَ مِنْ تَرْكِهِ الِاعْتِرَافَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ كَالتَّشَهُّدِ وَالذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِهِ الْيَوْمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مِنْ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ التَّكْرَارَ لِلتَّوْحِيدِ لَيْسَ هُوَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْإِيمَانِ. قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ ثَبَتُّمْ عَنْ ضَمَائِرِكُمِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ إِنَّمَا يَكُونُ تَوْحِيدًا وَإِيمَانًا مَعَ الْوُجُوبِ أَفَرَأَيْتُمُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّوْحِيدَ فِي الْأَذَانِ أَتَوْحِيدٌ لَهُ؟ وَكَذَلِكَ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ بِالْحَمْدِ إِذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فَقَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَأَقَرَّ أَنَّهُ رَبُّ الْخَلَائِقِ، وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مُفْتَرَضَةٍ، وَكَذَلِكَ التَّلْبِيَةُ أَوَّلَ مَا يُحْرِمُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَرَّةً فَكَذَلِكَ جَمِيعًا كُلُّهُ إِيمَانٌ إِنْ كَانَ كُلُّ اعْتِرَافٍ وَاجِبٍ يَكُونُ إِيمَانًا. فَإِنْ قَالُ

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #799

799 - وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا صَدَقَةُ أَبُو الْمُغِيرَةِ وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الدَّقِيقِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، عَنْ سُمَيْرِ بْنِ نَهَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ» قَالُوا: وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَتَى قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِيمَانًا. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِّينَاهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَقُولُ لِبَعْضٍ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنُ سَاعَةً، يَعْنِي نَذْكُرُ اللَّهَ. وَالذِّكْرُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِيمَانٌ مَتَى أَتَوْا بِهِ ازْدَادُوا إِيمَانًا

أَبِي هُرَيْرَةَ، ← سُمَيْرِ بْنِ نَهَارٍ، ← مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ← صَدَقَةُ أَبُو الْمُغِيرَةِ وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الدَّقِيقِيُّ، ← مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ← مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ← وقد

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 799

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #800

800 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، ثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَكِيمِ الصَّنْعَانِيِّ، قَالَ: «ذُكِرَ لِي أَنَّ التَّلْبِيَةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ يُجَدَّدُ بِهَا الْإِيمَانُ، وَيَثْبُتُ بِهَا الْإِسْلَامُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ فَهُوَ وَتَصْدِيقُ الْقَلْبِ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَعْيَانِهِمَا [ص:789]. يُقَالُ لَهُمْ: كَيْفَ يَخْتَلِفُ شَيْئَانِ فِي أَعْيَانِهِمَا وَيَتَّفِقَانِ فِي الِاسْمِ مِنْ جِهَةِ مَا اخْتَلَفَا؟ فَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي اللُّغَةِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: دِينِي وَدِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ، وَفِعْلُ مُحَمَّدٍ غَيْرُ فِعْلِهِ لِأَنَّ ضَمِيرَهُ غَيْرَ ضَمِيرِهِ، وَقَوْلَهُ غَيْرَ قَوْلِهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّمَا يَقُولُ الْقَائِلُ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ دِينِي، وَلَا يُرِيدُ أَنَّ ضَمِيرَ مُحَمَّدٍ هُوَ ضَمِيرِي لِأَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ فِي مَجَازِ اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَمْرِ بِهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، وَالْآخَرُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى، فَأَمَّا الظَّاهِرُ فِي اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْمَجَازِ، فَقَوْلُ الْمُسْلِمِينَ: جَاءَنَا مُحَمَّدٌ بِالْإِيمَانِ، وَشَرَحَ لَنَا الْإِيمَانَ، وَجَاءَنَا بِالدِّينِ فَإِنَّمَا يَعْنُونَ بَيَانَ الْإِيمَانِ وَتَفْسِيرَهِ كَيْفَ هُوَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ فَسَّرَ لَنَا مَا الْإِيمَانُ فَسُمِّيَ تَفْسِيرُ الْإِيمَانِ إِيمَانًا، فَأَمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّمَا الْإِيمَانُ فِعْلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ فِعْلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَسَمَّى اللَّهُ الدَّلَالَةَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْأَمْرِ بِهِ إِيمَانًا، وَالْإِيمَانُ فِي عَيْنِهِ فِعْلُ الْمُؤْمِنِ كَمَا يَقُولُ: جَاءَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَاسْتَخْرَجَهَا لَنَا، وَالصَّلَاةُ فِي عَيْنِهَا لَيْسَتْ بِالْأَمْرِ [ص:790] وَبِالشَّرْحِ، وَلَكِنَّهَا الْمَأْمُورُ بِهَا الْمَشْرُوحَةُ لِلْعِبَادِ لِأَنَّهَا فِي عَيْنِهَا افْتِتَاحٌ بِتَكْبِيرٍ، وَقِرَاءَةٌ، وَرُكُوعٌ، وَسُجُودٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ الْأَمْرِ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: دِينِي وَدِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ يرِيدُ أَنِّي أَدِينُ بِالدِّينِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واحداً إِنَّمَا يَعْنِي أَنَّا قَدْ صَلَّيْنَا الصَّلَاةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا جَمِيعًا إِلَّا أَنَّ حَرَكَاتَهُ وَسُكُونَهُ فِي الصَّلَاةِ هِيَ حَرَكَاتِي وَسُكُونِي وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنًى وَاحِدًا لَكَانَ دِينِي وَدِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ فِعْلَهُ فِعْلِي بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لَكَانَ لِي مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا لَهُ فَسَاوَيْتُهُ فِي الْأَجْرِ مِنَ اللَّهِ، وَلَا يَقُولُ هَذَا مُسْلِمٌ فَكَذَلِكَ لَمْ يَعْنِ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ بَلِ الْقَوْلُ فِي عَيْنِهِ حُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ وَصَوْتٌ وَحَرَكَاتٌ، وَالتَّصْدِيقُ فِي الْقَلْبِ عَقْدُ ضَمِيرٍ لَا صَوْتٌ، وَلَا حُرُوفٌ، وَلَا حَرَكَاتٌ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ تَصْدِيقًا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ التَّصْدِيقُ قَوْلًا، فَكَانَ مَنْ قَالَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْمُنَافِقِينَ قَدْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْهُمْ تَصْدِيقًا. قَالَ: وَيُقَالُ لَهُمْ أَخْبِرُونَا عَنِ الْإِيمَانِ: هُوَ بِعَيْنِهِ لَا يَتَقَلَّبُ أَبَدًا أَمْ لِلطَّاعَةِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؟ [ص:791] فَإِنْ قَالُوا: بِعَيْنِهِ، قِيلَ لَهُمْ: فَلَا يَتَقَلَّبُ أَبَدًا مَا كَانَتِ الْعَيْنُ مَوْجُودَةً. فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ السَّبْتَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَشُحُومَ الْبُطُونِ وَكُلَّ ذِي ظُفُرٍ فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُحَرَّمًا، وَكَانُوا بِالْإِيمَانِ بِهِ مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ حَرَّمَتْهُ بَعْدَمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، مَا حُكْمُهُمْ عِنْدَكُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: كُفَّارًا، قِيلَ لَهُمْ: فَالْأَمْرُ الَّذِي كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا لَوْ أَتَى بِهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كُفْرًا، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِعَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ لَمَا انْقَلَبَ أَبَدًا فَقَدْ ثَبَتَ أََنَّهُ لِِلطَّاعَةِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا بِعَيْنِهِ. إِنْ كَانَ فِي حَالٍ مِنْهُمْ إِيمَانًا، ثُمَّ صَارَ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى كُفْرًا فَقَدْ ثَبَتُوا أَنَّهُ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ كَيْفَ مَا قَلَبَهُمُ اللَّهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِيمَانًا، وَكَانَ تَرْكُهُ كُفْرًا. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوا فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ. قِيلَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ قَالُوا حِينَ حَوَّلَهُمُ اللَّهُ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ: اللَّهُ صَادِقٌ بِهِمَا جَمِيعًا، وَقَدْ صَدَّقْنَا بِقَوْلِهِ فَآمَنَّا بِهِ، وَلَكِنَّا نُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا كُنَّا [ص:792] أَوَّلًا مَخَافَةَ عَيْبِ النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا بَدَّلَ دِينَهُمُ اللَّهَ صَادِقٌ، وَأَنَّهُ قَدْ نَسَخَهَا. فَإِنْ قَالُوا: هُمْ كُفَّارٌ، قِيلَ: وَلِمَ؟ . فَإِنْ قَالُوا: لِيُذْعِنُوا وَيَخْضَعُوا بِالطَّاعَةِ. قِيلَ لَهُمْ: وَأَيْنَ وَجَدْتُمْ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ إِيمَانًا، وَهُمْ يَقُولُونَ: نَعَمْ هُوَ عَلَيْنَا حَقٌّ نُقِرُّ بِهِ وَنُصَدِّقُ، وَلَكِنَّا نُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَرَاهَةَ اللَّائِمَةِ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُقِرُّوا بَعْدُ، قِيلَ لَهُمْ: لَمْ يُقِرُّوا بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُقِرُّوا بِالْفِعْلِ، قِيلَ لَهُمْ: فَالْإِقْرَارُ بِالْفِعْلِ إِنَّمَا هُوَ إِرَادَةٌ يُعَبِّرُوا عَنْهَا، أَنَّا نَفْعَلُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا كَفَرُوا فِي قَوْلِكُمْ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ إِرَادَةٌ وَوَعْدٌ بِالْقَوْلِ أَنْ يَفْعَلُوا، وَهُنَا خِلَافُ مَا ادَّعَيْتُمْ فِي اللُّغَةِ. وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ هَلْ كَفَرَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ تَرَكَ إِيمَانًا بِتَحْلِيلِهِ الْخَمْرَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ وَبِالْقُرْآنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ أَقَرَّ بِاللَّهِ [ص:793] وَبِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْخَمْرَ عَلَيْهِ حَرَامٌ ثُمَّ اسْتَحَلَّهَا هَلْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أَمْ بِالْخَمْرِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، قِيلَ: فَمَا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْتَتِيبَهُ مِنْهُ؟ أَيَسْتَتِيبُهُ مِنْ تَحْلِيلِ الْخَمْرِ أَمْ يَسْتَتِيبُهُ مِنَ الْجَحْدِ بِاللَّهِ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ لَةِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا بِعَيْنِهِ. إِنْ كَانَ فِي حَالٍ مِنْهُمْ إِيمَانًا، ثُمَّ صَارَ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى كُفْرًا فَقَدْ ثَبَتُوا أَنَّهُ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ كَيْفَ مَا قَلَبَهُمُ اللَّهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِيمَانًا، وَكَانَ تَرْكُهُ كُفْرًا. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوا فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ. قِيلَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ قَالُوا حِينَ حَوَّلَهُمُ اللَّهُ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ: اللَّهُ صَادِقٌ بِهِمَا جَمِيعًا، وَقَدْ صَدَّقْنَا بِقَوْلِهِ فَآمَنَّا بِهِ، وَلَكِنَّا نُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا كُنَّا أَوَّلًا مَخَافَةَ عَيْبِ النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا بَدَّلَ دِينَهُمْ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ، وَأَنَّهُ قَدْ نَسَخَهَا. فَإِنْ قَالُوا: هُمْ كُفَّارٌ، قِيلَ: وَلِمَ؟ . فَإِنْ قَالُوا: لِيُذْعِنُوا وَيَخْضَعُوا بِالطَّاعَةِ. قِيلَ لَهُمْ: وَأَيْنَ وَجَدْتُمْ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ إِيمَانًا، وَهُمْ يَقُولُونَ: نَعَمْ هُوَ عَلَيْنَا حَقٌّ نُقِرُّ بِهِ وَنُصَدِّقُ، وَلَكِنَّا نُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَرَاهَةَ اللَّائِمَةِ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُقِرُّوا بَعْدُ، قِيلَ لَهُمْ: لَمْ يُقِرُّوا بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُقِرُّوا بِالْفِعْلِ، قِيلَ لَهُمْ: فَالْإِقْرَارُ بِالْفِعْلِ إِنَّمَا هُوَ إِرَادَةٌ يُعَبِّرُوا عَنْهَا، أَنَّا نَفْعَلُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا كَفَرُوا فِي قَوْلِكُمْ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ إِرَادَةٌ وَوَعْدٌ بِالْقَوْلِ أَنْ يَفْعَلُوا، وَهُنَا خِلَافُ مَا ادَّعَيْتُمْ فِي اللُّغَةِ. وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ هَلْ كَفَرَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ تَرَكَ إِيمَانًا بِتَحْلِيلِهِ الْخَمْرَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ وَبِالْقُرْآنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ أَقَرَّ بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْخَمْرَ عَلَيْهِ حَرَامٌ ثُمَّ اسْتَحَلَّهَا هَلْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أَمْ بِالْخَمْرِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، قِيلَ: فَمَا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْتَتِيبَهُ مِنْهُ؟ أَيَسْتَتِيبُهُ مِنْ تَحْلِيلِ الْخَمْرِ أَمْ يَسْتَتِيبُهُ مِنَ الْجَحْدِ بِاللَّهِ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِرُّ بِجَمِيعِ الْفَرَائِضِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ زَعَمُوا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْإِقْرَارُ بِجَمِيعِ الدِّينِ، وَالْكُفْرَ بِهَا الْكُفْرُ بِجَمِيعِ الدِّينِ مَعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ مِنْ تَحْلِيلِ الْخَمْرِ. أَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِمَا سِوَاهَا فَقَدْ كَفَّرُوهُ وَفِيهِ أَكْثَرُ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بَعْدَ اسْتِحْلَالِهِ الْخَمْرَ: الزِّنَا حَلَالٌ ازْدَادَ بِذَلِكَ كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِ الْأَوَّلِ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ يَزْدَادُ كُفْرًا وَلَا يَكُونُ بِازْدِيَادِهِ الْكُفْرَ تَارِكًا لِلْإِيمَانِ فَقَدْ أَصَابُوا لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ إِيمَانًا فَهُوَ إِذَا رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْخَلَّةِ لَمْ يُصِبْ بِهَا إِيمَانًا. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ يَزْدَادُ كُفْرًا إِلَى كُفْرٍ بِلَا تَرْكِ إِيمَانٍ قَدْ يَزْعُمُ أَنَّ الشَّمْسَ رَبَّهُ ثُمَّ يُضِيفُ إِلَيْهَا الْقَمَرَ فَيَزْدَادُ كُفْرًا، وَلَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ إِيمَانًا [ص:794]. قُلْنَا: لَيْسَ عَنْ كَافِرٍ لَمْ يُؤْمِنْ بِشَيْءٍ سَأَلْنَاكُمْ، إِنَّمَا سَأَلْنَاكُمْ عَنْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ رَبَّهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ أَيْضًا رَبَّهُ هَلْ تَرَكَ إِيمَانًا بِالتَّوْحِيدِ، وَلَمْ يُنْكِرِ الْخَالِقَ فَإِنَّمَا يُصَابُ الْإِيمَانُ بِتَرْكِ الْكُفْرِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَنْفِي الشِّرْكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ وَحْدَهُ وَيَنْفِي الشَّرِيكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، وَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ وَرَبُّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يُقِرَّ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا وَيُؤْمِنَ بِهِ، وَمِنْهُ يُسْتَتَابُ وَلَا يُقَالُ لَهُ: أَقِرَّ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُكَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُقَالُ لَهُمْ: خَبِّرُونَا عَمَّنِ اعْتَقَدَ أَنَّ لِلَّهَ وَلَدًا، ثُمَّ عَبَّرَ بِلِسَانٍ عَمَّا فِي قَلْبِهِ هَلِ الْعَقْدُ مِنْهُ كُفْرٌ مِنْهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ قَوْلُهُ: لِلَّهِ وَلَدٌ أَوْ شَرِيكٌ أَوْ لَيْسَ بِإِلَهٍ إِذَا قَالَهُ مُقِرًّا بِلِسَانِهِ عَمَّا فِي قَلْبِهِ هَلْ يَكُونُ الْعِبَارَةُ مِنْهُ بِذَلِكَ كُفْرًا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، قِيلَ لَهُمْ: فَكَذَلِكَ إِقْرَارُهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَكُونُ إِيمَانًا. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ إِقْرَارَهُ الْأَوَّلَ إِيمَانٌ وَتَكْرَارَهُ لَيْسَ بِإِيمَانٍ [ص:795]. قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ. فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: عِبَارَةٌ كَعِبَارَةٍ أَوَّلُهَا الْمُبْتَدَأُ بِهَا كُفْرٌ، وَالثَّانِي لَا كُفْرَ وَهَذَا التَّنَاقُضُ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إِيمَانٌ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْإِقْرَارِ، قِيلَ لَهُمْ: فَقَدِ ازْدَادَ الْعَبْدُ إِيمَانًا فَإِذَا أَمْسَكَ عَنِ التَّكْرَارِ وَكَرَّرَ غَيْرُهُ كَانَ هَذَا الْمُكَرِّرُ أَكْثَرَ إِيمَانًا مِنَ الَّذِي لَمْ يُكَرِّرْهُ، وَقَدْ دَخَلْتُمْ فِي أَعْظَمِ مِمَّا عِبْتُمْ عَلَى مُخَالِفِيكُمْ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ الْفَرْضَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَجَعَلْتُمْ أَنْتُمُ النَّافِلَةَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَقَدْ ثَبَتُّمُ التَّطَوُّعَ إِيمَانًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: تَرْكُهُ كُفْرٌ، إِذْ كَانَ ضِدُّهُ إِيمَانًا. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ تَكْرَارَهُ فِي الْفَرَائِضِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِيمَانٌ، وَلَا يَكُونُ التَّكْرَارُ فِي التَّطَوُّعِ إِيمَانًا. قِيلَ لَهُمْ: وَإِذَا جَاءَ بِفَرِيضَةٍ كَالصَّلَاةِ فِيهَا التَّشَهُّدُ وَالذِّكْرُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ خَوْفُ اللَّهِ وَطَلَبُ رِضَاهُ ثُمَّ ضَيَّعَهَا مِنَ الْغَدِ أَيُضَيِّعُهَا وَهُوَ عَلَى خَوْفِهِ الْأَوَّلِ وَخُضُوعِهِ لِلَّهِ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ نَقَصَ مِنْ إِيمَانِهِ إِذْ زَالَ خَوْفُهُ الْأَوَّلُ وَرَغْبَتُهُ الَّتِي هَاجَتْهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ تَكْرَارُهُ مِنْ إِيمَانِهِ فِي فَرْضٍ وَلَا غَيْرِهِ [ص:796]. قِيلَ لَهُمْ: فَكَذَلِكَ لَيْسَ تَكْرَارُ الْكَافِرِ الْجَحْدَ بِلِسَانِهِ وَإِضَافَتَهُ إِلَى اللَّهِ الْوَلَدَ وَالشَّرِيكَ مِنْ كُفْرِهِ. فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ هُوَ مِنْ كُفْرِهِ، قِيلَ لَهُمْ: فَمَا جَعَلَ أَوَّلَ الْجَحْدِ بِلِسَانِهِ كُفْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ الْجَحْدَ الثَّانِي بِلِسَانِهِ كُفْرًا وَهُمَا وَاحِدٌ فِي مَعْنَاهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ، وَالنَّهْيُ عَنْهُمَا ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا هُمَا عِبَارَةٌ عَنِ الْجَحْدِ فَلَئِنْ كَانَ كِلَاهُمَا جَحْدًا، وَاحِدُهُمَا كُفْرٌ، وَالْآخَرُ لَيْسَ بِكُفْرٍ لَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا كِلَاهُمَا كُفْرًا وَاحِدُهُمَا جَحْدٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِجَحْدٍ، إِذْ لَا مَعْنَى لِلْكُفْرِ إِلَّا الْجَحْدُ، وَهَلْ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ رَجُلًا لَوْ جَحَدَ رَجُلًا حَقَّهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَجَحَدَهُ أَنْ يُقَالَ كُلَّمَا سَأَلَهُ حَقَّهُ جَحَدَهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ كَفَرَهُ حَقَّهُ، فَلَا فُرْقَانَ بَيْنَ الْجَحْدَيْنِ. فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْأَوَّلَ كُفْرٌ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِكُفْرٍ فَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ اللُّغَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَأْتُوا بِحُجَّةٍ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْأَوَّلَ، وَالْآخَرَ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْكُفْرَ عَقْدٌ فِي الْقَلْبِ، وَلَيْسَ الْجَحْدُ بِاللِّسَانِ مِنَ الْكُفْرِ فِي شَيْءٍ، فَكَذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ إِيمَانٌ وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ مِنَ الْإِيمَانِ فِي شَيْءٍ. فَإِنْ قَالُوا: بَيْنَهُمَا فُرْقَانٌ، سُئِلُوا عَنِ الْفُرْقَانِ، وَلَنْ يَأْتُوا بِهِ [ص:797]. وَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَمَّنْ كَانَ يُوَحِّدُ اللَّهَ فِي الْفَتْرَةِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ هَلِ ازْدَادَ إِيمَانًا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ كَذَلِكَ مَنْ كَانَ يَكْفُرُ بِاللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَفَرَ بِهِ فَقَدِ ازْدَادَ كُفْرًا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، كِلَاهُمَا يَزْدَادُ، هَذَا الْكَافِرُ يَزْدَادُ كُفْرًا، وَهَذَا الْمُؤْمِنُ يَزْدَادُ إِيمَانًا، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَخْرُجَا مِنْ بَابِ تَصْدِيقٍ وَجَحْدٍ. قِيلَ لَهُمْ: أَلَيْسَ هُوَ جَحْدٌ بَعْدَ جَحْدٍ فَكَذَلِكَ إِذَا كَرَّرَ الْجَحْدَ فَتَكْرَارُهُ كُلُّهُ كُفْرٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: إِذَا أَتَى بِجَحْدَيْنِ فِي أَوَّلِ الْبِدَايَةِ لِمَعْنَيَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ كَانَ كُفْرًا فَإِذَا أَتَى بِجَحْدَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ كَانَتِ الْبِدَايَةُ كُفْرًا، وَالثَّانِي لَيْسَ بِكُفْرٍ. قِيلَ لَهُمْ: هَذَا تَحَكُّمٌ، فَأْتُوا بِلُغَةٍ أَوْ مَعْقُولٍ وَنَحْنُ مُوجِدُوهُمْ فِي اللُّغَةِ مِثْلَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَامَّةَ إِذَا سَمِعَتِ النَّصْرَانِيَّ تَشْهَدُ أَنَّ لِلَّهَ وَلَدًا، قَالُوا لَهُ: تَكَلَّمْتَ بِالْكُفْرِ، وَهَذَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ الْكُفْرُ، وَإِنْ كَانَ يُكَرِّرُهَا إِنْ بَلَغَ مِائَةَ سَنَةٍ فَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِالْكُفْرِ مُكَرِّرٌ فَكَذَلِكَ الْمُكَرِّرُ لِلشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّسَالَةِ يَتَكَلَّمُ بِالْإِيمَانِ أَبَدًا [ص:798]. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَحَكَى عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مِنْ أُسْتَاذِي الْمُرْجِئَةِ: النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ كَالدَّابَّةِ الْبَلْقَاءِ لَا يُسَمَّى بَلْقَاءَ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا اللَّوْنَانِ السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ فَإِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُسَمِّ الدَّابَّةَ بَلْقَاءَ، وَلَا يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّوْنَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ بَلْقَاءَ فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي الدَّابَّةِ سُمِّيَا بَلْقَاءَ، فَكَذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ إِذَا انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُسَمَّيَا إِيمَانًا وَلَا يُسَمَّى الْإِنْسَانُ بِهِ مُؤْمِنًا، فَإِذَا اجْتَمَعَا سُمِّيَا إِيمَانًا، وَيُسَمَّى الْمُؤْمِنُ بِاجْتِمَاعِهِمَا مُؤْمِنًا. قَالُوا: وَذَلِكَ أَيْضًا كَالنَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ لَا يَتَحَلَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا حَلَقَا. فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ضَرَبْتُمُوهُمَا هُمَا عَلَيْكُمْ لَا لَكُمُ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إِذَا انْفَرَدَتْ بِأَحَدِ اللَّوْنَيْنِ لَمْ تُسَمَّ بَلْقَاءَ أَبَدًا، وَلَا يُسَمَّى اللَّوْنُ بَلْقَاءَ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الدَّابَّةِ، وَأَنْتُمْ قَدْ تُسَمُّونَ الْمُؤْمِنَ مُؤْمِنًا إِذَا اعْتَقَدَ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِيمَانَ بِالْقَلْبِ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ إِذَا كَانَ أَخْرَسَ أَوْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْفِعْلَ مِنْهُ إِيمَانًا [ص:799]، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ مَرَّةً ثُمَّ سَكَتَ عَنِ الْكَلَامِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَبَدًا لَكَانَ عِنْدَكُمْ مُؤْمِنًا، وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ الْبَلْقَاءَ زَالَ عَنْهَا الْبَيَاضُ وَبَقِيَ السَّوَادُ وَبَقِيَ الْبَيَاضُ لَزَالَ عَنْهَا اسْمُ الْبَلَقِ، فَلَمْ يُسَمَّ بَلْقَاءَ أَبَدًا، وَلَمْ يُسَمَّ اللَّوْنُ الْوَاحِدُ إِذَا بَقِيَ بَلْقَاءَ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الْمَوْلُودُ عَلَى الْإِيمَانِ النَّاشِئُ عَلَيْهِ الْمُعْتَقِدُ لِلْمَعْرِفَةِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ هُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ أَبَدًا وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ نُتِجَتْ وَلَوْنُهَا كُلُّهَا بَيَاضٌ لَا سَوَادَ فِيهِ أَوْ سَوَادٌ لَا بَيَاضَ فِيهِ لَمْ يُسَمَّ بَلْقَاءَ أَبَدًا، فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الدَّابَّةُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ، وَالْبَلَقُ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ إِذَا افْتَرَقَ مَعْنَاهُمَا، وَلِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِقْرَارَ فِعْلَانِ يَزُولُ أَحَدُهُمَا وَيَثْبُتُ الْآخَرُ، وَفِعْلُ الْقَلْبِ يُسَمَّى تَصْدِيقًا فِي اللُّغَةِ إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ لَهُ مُعْتَقِدًا لِلْمَعْرِفَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْقَلْبِ خَاضِعًا مُذْعِنًا، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْهُ إِيمَانًا وَلَوْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ إِيمَاءً وَلَمْ يُعْلَمْ مَا فِي قَلْبِهِ يُسَمَّى مُؤْمِنًا وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْإِقْرَارُ مِنْهُ إِيمَانًا، وَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْإِيمَانِ، وَجَرَى عَلَى فَاعِلِهِ اسْمُ الْمُؤْمِنِ وَأَحْكَامِهِ فَكَانَ مُؤْمِنًا فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ مَعًا، وَالدَّابَّةُ إِذَا ظَهَرَ فِيهَا أَحَدُ اللَّوْنَيْنِ [ص:800]، وَلَمْ يَظْهَرِ الْآخَرُ لَمْ يُسَمَّ بَلْقَاءَ، وَلَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ اللَّوْنُ الْمُنْفَرِدُ بَلْقَاءَ أَبَدًا، فَقَدِ افْتَرَقَ مَعْنَى الْإِيمَانِ وَاسْمُهُ مِنْ مَعْنَى الْبَلَقِ فِي الدَّابَّةِ وَاسْمُهُ، وَفَارَقَ الْمُؤْمِنُ الدَّابَّةَ الْبَلْقَاءَ فِي الِاسْمِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِثْلُ الْآخَرِ. وَأَمَّا ضَرْبُكُمُ الْمَثَلَ بِالنَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ فَذَلِكَ أَبْعَدُ فِي الْمَثَلِ، وَلَيْسَ يَخْلُو ضَرْبُكُمُ الْمَثَلَ بِهِمَا مِنْ أَنْ تَكُونُوا مَثَّلْتُمُ النَّوْرَةَ وَالزَّرْنِيخَ بِالْإِيمَانِ أَوْ بِالْمُؤْمِنِ فَإِنْ كَانَ بِالْمُؤْمِنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ جِسْمَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فَيَكُونُ مِنْهُمَا الْإِيمَانُ كَالنَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ يَكُونُ مِنْهُمَا الْحَلْقُ وَهَذَا مُحَالٌ مِنَ الْكَلَامِ. وَإِنْ تَكُونُوا مَثَّلْتُمُوهُمَا بِالْإِيمَانِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ جِنْسِ صَاحِبِهِ وَلَا جَوْهَرِهِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ كَانَ مِنْهُمَا الْحَلْقُ فَإِنْ يَكُنِ الْحَلْقُ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ فَالْإِيمَانُ إِذًا مَعْنًى مُتَوَلِّدٌ عَنِ الْإِقْرَارِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ وَالْمَعْرِفَةُ بِإِيمَانٍ كَمَا أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِزَرْنِيخٍ وَلَا نَوْرَةٍ. وَإِنْ تَكُونُوا مَثَّلْتُمُوهُمَا عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْحَلْقَ يَتَوَلَّدُ عَنْهُمَا كَالطَّاعَةِ يَتَوَلَّدُ عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ فَقَدْ جَعَلْتُمُ [ص:801] اثْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي أَعْيَانِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاسْمٍ غَيْرِ اسْمِ الْآخَرِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا غَيْرُهُمَا، فَالْإِيمَانُ إِذًا اثْنَانِ يُوجِبَانِ الطَّاعَةَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِكُمْ. فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُسَمَّى حَالِقًا حَتَّى يَجْتَمِعَا فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ وَالْمَعْرِفَةُ لَا يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِيمَانًا حَتَّى يَجْتَمِعَا. قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الْحَلْقَ فِعْلٌ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُمَا سُمِّيَا بِهِ حَالِقَانِ لَا لِأَعْيَانِهِمَا حِينَ اجْتَمَعَا، وَأَنْتُمْ تُسَمُّونَ الْإِقْرَارَ وَالْمَعْرِفَةَ إِيمَانًا فِي أَنْفُسِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّدْ عَنْهُمَا طَاعَةٌ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُمَا إِذَا اجْتَمَعَا كَانَ الْحَلْقُ مِنْ فِعْلِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَحْلِقَا فَالِاسْمُ لَهُمَا ثَابِتٌ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ وَالْمَعْرِفَةُ. قِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُمَا لَا يَحْلِقَانِ، وَلَا يَكُونُ لَهُمَا الِاسْمُ ثَابِتًا حَتَّى يَجْتَمِعَا مَعَ الْمَاءِ وَهُوَ جِسْمٌ ثَالِثٌ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ وَالْمَعْرِفَةُ لَا يُسَمَّيَانِ إِيمَانًا حَتَّى يَجْتَمِعَ مَعَهُمَا جِسْمٌ ثَالِثٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُقَالُ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِمُخَالِفِيكُمْ أَيْضًا أَنْ يَضْرِبُوا مَثَلًا لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ [ص:802] لِطَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَقُولُونَ: مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ لِلْمَشْيِ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ لَا يُمْشَى وَلَا يَطْلِقُ الْبَطْنَ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهِ أَخْلَاطٌ شَتَّى فَيُسَمَّى مُمْشِيًا، فَهَلْ تَجِدُونَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ فُرْقَانًا فِيمَا مَثَّلُوا وَمَثَّلْتُمْ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا بِحَقِّ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ إِذَا أَتَى بِهِمَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَلَيْسَ يَكُونُ يُسَمَّى مُؤْمِنًا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَلْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَتْرُكُهُ فِي الثَّانِي؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، حَتَّى يَدُومَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَتُوبَ. قِيلَ لَهُمْ: فَإِنْ عَرَضَتْ بِهِ الْعَوَارِضُ الْمُشَكِّكَةُ عَنْ عَوَارِضِ الشَّيْطَانِ أَوْ حِجَاجُ أَهْلِ الضَّلَالَةِ، هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ، وَيَحْبِسَ نَفْسَهُ عَلَى إِيمَانِهِ، وَلَا يَدَعْ قَلْبَهُ يَرْكَنُ إِلَى زِينَةِ غُرُورٍ مِنْ حُجَّةِ عَدُوٍّ وَلَا تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ، وَيَصْبِرُ عَلَى إِيمَانِهِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَلَوْ تَرَكَ الصَّبْرَ عَلَى إِيمَانِهِ، أَلَيْسَ كَانَ كَافِرًا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ: قِيلَ لَهُمْ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ بِالصَّبْرِ عَلَى إِيمَانِهِ يَكُونُ مُؤْمِنًا كَمَا لَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِنَّمَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ [ص:803]. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ يَقُومُ بِالْمُؤْمِنِ وَهُوَ غَيْرُهُ. قِيلَ لَهُمْ: لَمْ نَسْأَلْكُمْ عَنْ قِيَامِ فِعْلٍ بِفَاعِلٍ إِنَّمَا سَأَلْنَاكُمْ عَنْ فِعْلٍ لَا يَكُونُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالصَّبْرِ فِيهَا عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَالصَّبْرُ هُوَ إِمْسَاكُ الْجَوَارِحِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَذَلِكَ مِنْ صَلَوَاتِهِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ إِقْبَالَهُ وَتَرْكَهُ الْإِدْبَارَ عَنِ الْقِبْلَةِ وَصَمْتَهُ عَنِ الْكَلَامِ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَصْبِرْ عَنْ ذَلِكَ كَانَ خَارِجًا مِنَ الصَّلَاةِ. فَكَذَلِكَ الصَّابِرُ عَنْ إِيمَانِهِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ فَيَعْتَقِدَ سِوَاهُ أَوْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِرَبِّهِ فَصَبْرُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِيمَانِهِ لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ الصَّبْرُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ الْإِيمَانِ فَكَذَلِكَ كُلُّ صَبْرٍ هُوَ لِلَّهِ طَاعَةٌ فَهُوَ إِيمَانٌ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ صَبْرٌ إِيمَانًا، وَصَبْرٌ لَا إِيمَانٌ، جَازَ أَنْ يَكُونَ تَصْدِيقٌ إِيمَانًا، وَتَصْدِيقٌ لَا إِيمَانٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا وَجَبَ لِاسْمٍ فَهُوَ وَاجِبٌ أَبَدًا مَا كَانَ الِاسْمُ يَثْبُتُ بِثُبُوتِهِ، وَيَزُولُ بِزَوَالِهِ، فَالصَّبْرُ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ فَأَصْلُ الصَّبْرِ عَلَى إِمْسَاكِ الْإِيمَانِ، وَضِدُّهُ تَرْكُهُ، وَيَقَعُ بَدَلَهُ الْكُفْرُ، وَالْفَرْعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَمَعْنًى مِنْهُ الصَّبْرُ عَلَى أَدَاءِ [ص:804] الْمَفْرُوضِ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْضٌ، وَكَذَلِكَ الْيَقِينُ، وَالْحُبُّ، وَالرَّجَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرِّضَا، وَالتَّوَكُّلُ فَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ سَأَلَ سَائِلٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ: هَلْ لِلَّهِ دِينٌ مَنْ أَصَابَهُ كَانَ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا؟ فَيُقَالُ لَهُ: نَعَمْ دِينُ اللَّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ لَهُ أَصْلٌ مَنْ أَصَابَهُ كَانَ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا بِالْخُرُوجِ مِنْ مِلَلِ الْكُفْرِ، وَالدُّخُولِ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ الْأَصْلُ فَرْعٌ وَهُوَ الْقِيَامُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَكَمَالُ الْأَصْلِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْقَائِمِ فَإِنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ فَقَدِ انْتَقَصَ مِنَ الْفَرْعِ وَلَمْ يَزَلِ الْأَصْلُ. فَإِنْ قَالَ: بَيِّنْ لَنَا الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ؟ قِيلَ لَهُ: الْأَصْلُ: التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ وَالْخُضُوعُ لِلَّهِ بِإِعْطَاءِ الْعَزْمِ لِلْأَدَاءِ بِمَا أَمَرَ بِهِ مُجَانِبًا لِلِاسْتِنْكَافِ، وَالِاسْتِكْبَارِ، وَالْمُعَانَدَةِ، وَالْفَرْعُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ، وَالْخَوْفِ لَهُ وَالرَّجَاءِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِي يَبْعَثُهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ فَإِذَا أَدُّوا الْفَرَائِضَ وَاجْتَنَبُوا الْمَحَارِمَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ فَقَدِ اجْتَمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الْمُفْتَرَضُ [ص:805]. ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ وَلَيْسَتِ النَّوَافِلُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ الْإِيمَانَ وَلَمْ يُبِحْ تَرْكَهُ، فَجَعَلَ جَحْدَهُ كُفْرًا. فَقَالُوا: مَنْ جَحَدَ بِفَرِيضَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَوْ جَحَدَ بِنَافِلَةٍ مِنَ النَّوَافِلِ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا، وَالْكُفْرُ ضِدُّ الْإِيمَانِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمُفْتَرَضُ، وَأَنَّ النَّوَافِلَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْإِيمَانِ لَكَانَ مَنْ جَحَدَ بِهَا كَافِرًا. قَالُوا: وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّوَافِلَ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يُمِيطُوا الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَحْفُرُوا الْآبَارَ وَيَتْرُكُوهَا مَفْتُوحَةً يَقَعُ فِيهَا الضَّعِيفُ وَالْمَكْفُوفُ وَالصَّبِيُّ، وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا الْعُذْرَةَ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَدُوسُهَا النَّاسُ وَيَتَأَذَّوْنَ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا السِّبَاعَ فِي الطَّرِيقِ يَنْهَشُ النَّاسَ وَيُجَرِّحُهُمْ. قَالُوا: فَإِنَّمَا عَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ [ص:806]. وَقَالُوا: لَوْ كَانَ التَّنَفُّلُ مِنَ الْإِيمَانِ مَا كَمُلَ إِيمَانُ أَحَدٍ أَبَدًا، وَلَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَكَانَ كُلُّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مَنْ لَقِيَهُ لَقِيَهُ نَاقِصَ الْإِيمَانِ. قَالُوا: وَهَذَا شَتْمٌ لِرُسُلِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَإِيجَابُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، وَلَا لَهُ نِهَايَةٌ، وَاللَّهُ لَا يَأْمُرُ بِمَا لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ، وَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ الْفَرَائِضَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَتِ النَّوَافِلُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنَّهَا بِرٌّ وَإِحْسَانٌ وَقُرْبَةٌ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ وَاحِدٌ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ فَأَصْلُهُ مُفْتَرَضٌ، وَفَرْعُهُ مِنْهُ مُفْتَرَضٌ، وَمِنْهُ لَا مُفْتَرَضٌ، فَأَمَّا الْمُفْتَرَضُ فَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِقُلُوبِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مَحْدُودٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُوجِبُ إِلَّا مَعْلُومًا يَسْتَوْجِبُ الثَّوَابَ مَنْ أَتَاهُ، وَيَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ مَنْ قَصَّرَ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمٍ، وَالْبَاقِي مِنَ الْإِيمَانِ هُوَ نَافِلَةٌ لَمْ يَفْتَرِضْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْإِيمَانُ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَمْ يَقُمْ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا عَنْ تَصْدِيقٍ بِاللَّهِ، وَبِمَا وَعَدَ وَتَوَعَّدَ فَكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ اللَّهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَدْرُ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ بَعَثَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ [ص:807]، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا عَظُمَ فِي قُلُوبِهِمْ بَذَلُوا لَهُ الْمَجْهُودَ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعُوا، لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَمَنْ يَقُلْ بِهَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَدْ نَاقَضَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَةِ عَنِ التَّصْدِيقِ إِيمَانًا فَكُلُّ طَاعَةٍ عَنْ تَصْدِيقٍ إِيمَانٌ. وَإِنَّمَا خَالَفَتْنَا الْمُرْجِئَةُ بِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ، وَقُلْنَا: لَا، بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلطَّاعَةِ، ثُمَّ نَاقَضَتْ مِنَّا فِرْقَةٌ، فَقَالُوا: هُوَ اسْمٌ لِبَعْضِ الطَّاعَةِ لَا لِكُلِّ الطَّاعَةِ، وَإِنَّمَا بِالْمُفْتَرَضِ يَخْرُجُ تَارِكُهَا، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا فَرْضٌ كَانَتْ إِيمَانًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ إِيمَانًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا طَاعَةٌ لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا مُفْتَرَضَةٌ فَقَدْ نَاقَضَ مَنْ جَعَلَ طَاعَةً إِيمَانًا، وَطَاعَةً لَا إِيمَانَ، وَمَنْ تَدَبَّرَ الْإِيمَانَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُفْتَرَضُ مِنْهُ لَهُ غَايَةٌ لِأَنَّ الَّذِي آمَنَ الْعِبَادُ بِهِ لَا غَايَةَ عِنْدَهُمْ فِي الْكَمَالِ وَالْإِجْلَالِ وَالْهَيْبَةِ، فَلَوْ آمَنُوا بِهِ كَمَا يَحِقُّ لَهُ لَعَرَفُوهُ كَمَا يَحِقُّ لَهُ، وَلَوْ عَرَفُوهُ كَمَا يَحِقُّ لَهُ لَسَاوَوْهُ بِالْعِلْمِ بِنَفْسِهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُسَاوِيهِ مَا يَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا كَانُوا لَا يُسَاوُوهُ بِالْعِلْمِ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ لَيْسَتْ لَهَا غَايَةٌ. فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ لَيْسَ لَهُ غَايَةٌ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ أَصْلُ [ص:808] الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ مِنْ رَأْفَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ لَهُمُ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ مَا لَا يُجْهِدُهُمْ وَلَا يَسْتَفْرِغُ طَاقَتَهُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَوِ افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ لَكَانَ إِيمَانًا مُفْتَرَضًا، وَلَوْ تَقَطَّعَ عِبَادُهُ مَا بَلَغُوا غَايَةَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ سَلْمَانَ لِحُجْرٍ: «لَوْ تَقَطَّعْتَ أَعْضَاءً مَا بَلَغْتَ الْإِيمَانَ» ، وَصَدَقَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَعْرُوفِ غَايَةٌ عِنْدَ الْعَارِفِينَ فَيَكُونُ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ غَايَةٌ

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي #801

801 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ لِحَجَرٍ: «يَا ابْنَ أُمِّ حُجَيَّةَ لَوْ تَقَطَّعْتَ أَعْضَاءً مَا بَلَغْتَ الْإِيمَانَ»

سَلْمَانُ لِحَجَرٍ ← أَبِي إِسْحَاقَ ← الْاَعْمَشِ ← يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ← مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 801

Previous
234
Next

مُّجَاھِدٍ ← ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ← شِبْلٌ، ← رَوْحٌ، ← إِسْحَاقُ

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 793

الْحَسَنُ، ← كَمَا رُوِيَ،

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 798

الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَكِيمِ الصَّنْعَانِيِّ، ← عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ، ← بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ ← إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ← مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى

تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي · بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّب · Hadith 800

All Chapters1. Book1. The first obligatory ordinance after devotion to worshiping God, so he made the first obligatory ordinance that he stipulated in the prayer after worship.2. Chapter on the mention of interpreted reports that faith and Islam are faithfulness and submission by heart and tongue, and by deed2. What is evidence of its assumption of Abraham against him and for our Prophet, prayer and peace3. The door does not commit adultery when a fornicator commits adultery while he is believing3. Assuming them on Ishmael, Isaac, Jacob, and Zachariah, upon them be prayers and peace4. So I decided upon Solomon, upon him and upon our Prophet, the prayers and peace of Allah be upon him.4. Chapter in a Hadith Explanation: “Religion is Advice.” Abu Abdullah said: This is a summary of the same chapter on the same interpretation of faith and Islam.5. The story of David’s sin, prayers and peace be upon him5. Chapter on the expiation of the neglector of prayer.6. Assuming it is upon the people who pray and peace be upon him6. Chapter mentioning the prohibition on killing those who pray, and permitting the killing of one who does not pray