Friday, Rabiʻ I 2, 1448 AH · Aug 14, 2026

Preserving the Prophetic ﷺ tradition for every generation

favorite Support This Mission
logo

Hadith Nabawi

logo

Hadith Nabawi

    SearchBooksTopicsNarratorsTerminologyAbout
person Sign in

About

  • Our Mission
  • Methodology
  • Team
  • Contact

Resources

  • FAQ
  • Book Catalog
  • Narrator Database
  • Topics

Contribute

  • Become a Translator
  • Report an Error
  • Donate
  • GitHub

Legal

  • Terms of Use
  • Privacy Policy
  • License

Follow Us تابعنا

fin@X

Daily Hadith, scholarly articles, and updates from the team.

© 2026 Hadith Nabvi Platform · A project by Learning SoulsHadith e Nabawai (PBUH)
الإبانة الكبرى لابن بطة

Al Abana Al Kubra Ibn Betta

3,053 Hadith139 Chapters
Read Book arrow_right_alt
IntroductionChaptersHadithsNarratorsAuto Biography

Chapters

الإبانة الكبرى لابن بطة #2436

Daif

422 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَرَجِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ [ص:147] بِغَيْرِ عِلْمٍ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ

ابْنِ عَبَّاسٍ ← سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ← عَبْدُ الْأَعْلَى ← أَبُو عَوَانَةَ، ← يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ← الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ← أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَرَجِ الْأَنْبَارِيُّ

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2436

الإبانة الكبرى لابن بطة #2437

423 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، قَالَ: نا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا الصَّبَّاحُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ [ص:148] عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِئَةٍ خَرَجَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينَ، كَانَ حَبَسَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَزَائِرِ الْبُحُورِ، فَيَذْهَبُ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ يُجَادِلُونَهُمْ بِمُشْتَبَهِ الْقُرْآنِ، وَعُشْرٌ بِالشَّامِ»

أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ← عَطِّيَةَ الْعَوْفِيِّ ← الصَّبَّاحُ بْنُ مُجَالِدٍ، ← بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ← أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ، ← أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2437

الإبانة الكبرى لابن بطة #2438

424 - حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّينَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُجَالِدٍ، قَالَا: نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ [ص:149] أَبِي صَفْوَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ عِلْمُنَا يَقْصُرُ عَمَّا بَيَّنَ لَنَا فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَرَأَ {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] " حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّينَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُجَالِدٍ، قَالَا: نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ [ص:149] أَبِي صَفْوَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ عِلْمُنَا يَقْصُرُ عَمَّا بَيَّنَ لَنَا فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَرَأَ {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] "

ابْنِ مَسْعُودٍ، ← أَبِي صَفْوَانَ، ← أَشْعَثَ، ← مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ← عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، ← مُحَمَّدُ بْنُ مُجَالِدٍ، ← أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّينَارِيُّ

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2438

الإبانة الكبرى لابن بطة #2439

425 - وَحَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ التُّوزِيُّ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ قَالَ: دَخَلْتُ دَارَ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَفِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْجَعْفَرِيُّ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي [ص:150] الْقُرْآنِ، فَخِفْتُ أَنْ يَعْلُقَ بِقُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: «يَكُونُ مَخْلُوقٌ بِلَا قَوْلٍ؟» قَالَ: لَا قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْقَوْلِ الَّذِي خُلِقَ بِهِ الْخَلْقُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: فَقَالَ: «مَا أَرَى الَّذِي تَكَلَّمَ فِي هَذَا إِلَّا شَيْطَانًا» قَالَ الشَّيْخُ: فَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ الْمُلْحِدَةِ أَلْقَتْ إِلَيْهِمُ الشَّيَاطِينُ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الْخُصُومَةَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَزَاغَتْ بِهِ قُلُوبُهُمْ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، فَقُلْ لِلْجَهْمِيِّ الضَّالِّ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَمَّاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قُرْآنًا وَفُرْقَانًا وَنُورًا وَهَدًى وَوَحْيًا وَتِبْيَانًا وَذِكْرًا وَكِتَابًا وَكَلَامًا وَأَمْرًا وَتَنْزِيلًا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُعَلِّمُنَا أَنَّهُ كَلَامُهُ مِنْهُ وَمُتَّصِلٌ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2]. وَقَالَ: {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجاثية: 1] فَلَكَ فِي أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهَا كِفَايَةٌ، فَقَدْ جَهِلْتَ وَغَلَوْتَ فِي دِينِ اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَافْتَرَيْتَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ حِينَ زَعَمْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَزَعَمْتَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَأنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرَهُ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِمَقَالَتِكَ وَيَتَّبِعْكَ عَلَى إِلْحَادِكَ وَضَلَالَتِكَ فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ، [ص:151] تُكَفِّرُهُ وَتَسْتَحِلُّ دَمَهُ، فَكُلُّ مَا قُلْتَهُ وَابْتَدَعْتَهُ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ، فَقَدْ أَكْذَبَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَرَدَّهُ عَلَيْكَ هُوَ وَرَسُولُهُ وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مِنْ عِبَادِ غِيَرَةٍ، وَإِنَّمَا الْتَمَسْنَا دَعْوَاكَ هَذِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ نَجِدْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا ادَّعَيْتَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونُ}، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْ تَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131]، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْ تَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ. . .} [الحج: 77] إِلَى قَوْلِهِ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78]، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْ تَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13][ص:152] وَقَالَ {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] وَقَالَ تَعَالَى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [هود: 1] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقِيمَةِ} [البينة: 5] وَقَالَ: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وَقَالَ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وَقَالَ {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] وَقَالَ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] فَمِثْلُ هَذَا وَشِبْهُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، قَدْ قَرَأْنَاهُ وَفَهِمْنَاهُ، فَلَمْ نَجِدْ لِبِدْعَتِكَ هَذِهِ فِيهِ ذِكْرًا وَلَا أَثَرًا، وَلَا دَعَا اللَّهُ عِبَادَهُ وَلَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا زَعَمْتَ أَنَّهُ تَوْحِيدُهُ وَدِينُهُ [ص:153] أَفَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَغْفَلَ هَذَا أَمْ نَسِيَهُ حَتَّى ذَكَرْتَهُ أَنْتَ وَأَنْبَهْتَهُ عَلَيْهِ؟ فَقَدْ أَكْذَبَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64]، وَقَالَ {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] أَمْ عَسَاكَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ فِي دِينِهِ، وَكَتَمَ مَا أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ؟ فَإِنَّ فِي جُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ مَا قَدْ قُلْتَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا وَكُلُّ ذَلِكَ فَقَدْ أَكْذَبَكَ اللَّهُ فِيهِ. فَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ. . .} [الأعراف: 157] إِلَى قَوْلِهِ: {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]. وَقَالَ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وَقَالَ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ [ص:154] رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]. وَقَالَ: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]. وَقَالَ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 94] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: " مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: 67] " الْآيَةَ ثُمَّ الْتَمَسْنَا هَذِهِ الضَّلَالَةَ الَّتِي اخْتَرَعْتَهَا وَزَعَمْتَ أَنَّهَا الشَّرِيعَةُ الْوَاجِبَةُ وَالدِّينُ الْقَيِّمُ وَالتَّوْحِيدُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرَهُ بِأَنْ يَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فِي سُنَّةِ الْمُصْطَفَى، وَمَا دَعَا إِلَيْهِ أُمَّتَهُ وَقَاتَلَ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ، فَمَا وَجَدْنَا لِذَلِكَ أَثَرًا وَلَا إمَارَةً وَلَا دَلَالَةً. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ " فَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ أَنَّهَا سِتٌّ بِضَلَالَتِكَ هَذِهِ [ص:155] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، حُرِّمَتْ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ " وَقَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ " وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115][ص:156] فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ، وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ وَإِجْمَاعُ الْمُؤْمِنِينَ وَسَبِيلُهُمْ تُخَالِفُكَ، وَتَدُلُّ عَلَى ضَلَالَتِكَ، وَعَلَى إِبْطَالِ مَا ادَّعَيْتَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَكَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ هُوَ التَّوْحِيدُ وَالدِّينُ، الذي شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ، فَقَدْ بَطَلَ الْآنَ مَا ادَّعَيْتَهَ مِنْ قَوْلِكَ: إِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَبَانَ كَذِبُكَ وَبُهْتَانُكَ لِلْعُقَلَاءِ فَأَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ خَلْقِ مَا خَلَقَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّا نَحْنُ قَدْ أَوْجَدْنَاكَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَخْبَارٍ صَحِيحَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْهُ، وَفِيهِ صِفَاتُهُ وَأَسْمَاءُهُ، وَأَنَّهُ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا مِنْ أَسْمَائِهِ، وَلَا مِنْ عِلْمِهِ، وَلَا مِنْ قُدْرَتِهِ، وَلَا مِنْ عَظَمَتِهِ، وَلَا مِنْ عِزَّتِهِ مَخْلُوقَةً وَرَأَيْنَاكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَنْفِي التَّشْبِيهَ عَنِ اللَّهِ بِقَوْلِكَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَرَأَيْنَاكَ شَبَّهْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِأَضْعَفَ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ كَلَامَ الْعِبَادِ مَخْلُوقٌ، وَأَسْمَاءَهُمْ مَخْلُوقَةٌ، وَعِلْمَ النَّاسِ مَخْلُوقٌ، وَقُدْرَتَهُمْ وَعِزَّتَهُمْ مَخْلُوقَةٌ، فَأَنْتَ بِالتَّشْبِيهِ أَحَقُّ وَأَخْلَقُ، وَأَنْتَ فَلَيْسَ تَجِدُ مَا قُلْتَهُ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَا مَأْثُورًا عَنْ صَحَابَتِهِ، وَلَا عَنْ أَحَدِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ لَجَأَ الْجَهْمِيُّ إِلَى آيَاتٍ مِنَ الْمُتَشَابِهِ جَهِلَ عِلْمَهَا، فَقَالَ: قُلْتَ: [ص:157] ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3]، وَقَوْلِهِ: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، وَزَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقٌ، فَنَزَعَ بِآيَةٍ مِنَ الْمُتَشَابِهِ يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُلْحِدَ فِي تَنْزِيلِهَا، وَيَبْتَغِيَ الْفِتْنَةَ فِي تَأْوِيلِهَا فَقُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ مَنَعَكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ الْفَهْمَ فِي الْقُرْآنِ حِينَ جَعَلْتَ كُلَّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقًا، وَأَنَّ كُلَّ جَعَلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ هُوَ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَمِنْ هَاهُنَا بُلِيتَ بِهَذِهِ الضَّلَالَةِ الْقَبِيحَةِ، حِينَ تَأَوَّلْتَ كِتَابَ اللَّهِ بِجَهْلِكَ وَهَوَى نَفْسِكَ وَمَا زَيَّنَهُ لَكَ شَيْطَانُكَ، وَأَلْقَاهُ عَلَى لِسَانِكَ إِخْوَانُكَ، وَذَلِكَ أَنَّا نَجِدُ الْحَرْفَ الْوَاحِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعَانِيهِ مُخْتَلِفَةٌ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهَا لِكَثْرَتِهَا وقَصَدْنَا لِذِكْرِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَجْتَ بِهَا. فَ {جَعَلَ} [الأنعام: 1] فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى خَلَقَ، فجعل من الْمَخْلُوقِينَ، عَلَى مَعْنَى وَصَفَ مِنْ أَوْصَافِهِمْ، وَقَسَمَ مِنْ أَقْسَامِهِمْ، وَ (جَعَلَ) أَيْضًا عَلَى مَعْنَى فَعَلَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَا يَكُونُ خَلْقًا وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْخَلْقِ، فَتَفَهَّمُوا الْآنَ ذَلِكَ وَاعْقِلُوهُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91]، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَاهُنَا بِمَعْنَى: وَصَفُوهُ بِغَيْرِ وَصْفِهِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ حِينَ عَضُوهُ وَمَيَّزُوهُ فَقَالُوا: [ص:158] إِنَّهُ شِعْرٌ، وَإِنَّهُ سِحْرٌ، وَإِنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ، وَإِنَّهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} [الأنعام: 100]، وَقَالَ: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: 19]، وَقَالَ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} [النحل: 62]، وَقَالَ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتَ سُبْحَانَهُ} [النحل: 57]، وَقَالَ: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] لَا يَعْنِي ذَلِكَ وَلَا تَخْلُقُوا، وَقَالَ: {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا} [فصلت: 9]، وَقَالَ: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا} [النحل: 56]، وَقَالَ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} [الرعد: 33][ص:159] فَهَذَا كُلُّهُ (جَعَلَ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: (خَلَقَ)، وَ (جَعَلَ) مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى فَعَلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [البقرة: 19] لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: يَخْلُقُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ، وَقَالَ: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} [الكهف: 96]، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: خَلَقَهُ نَارًا، وَقَالَ: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} [الأنبياء: 58]، أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُمْ جُذَاذًا؟ وَ (جَعَلَ) فِي مَعْنَى (خَلَقَ) فِي مَعْنَى مَا كَانَ مِنَ الْخَلْقِ مَوْجُودًا مَحْسُوسًا، فَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]. فَجَعَلَ هَاهُنَا فِي مَعْنَى خَلَقَ لَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ يَرَاهُمَا النَّاسُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} [النحل: 78] وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي بَنِي آدَمَ وَقَالَ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12]، يَعْنِي: خُلِقَتَا، وَهُمَا مَوْجُودَانِ [ص:160] مَعْرُوفَانِ بِإِقْبَالِهِمَا وَإِدْبَارِهِمَا، فَهَلْ يُعْرَفُ الْقُرْآنُ بِإِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ؟ وَقَالَ: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح: 16] مَعْنَاهُ خَلَقَ، وَالشَّمْسُ نُورٌ وَحَرٌ وَهِيَ تُرَى، فَهَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ؟، وَقَالَ {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} [المدثر: 12]، يَعْنِي: خَلَقْتُ، وَالْمَالُ مَوْجُودٌ يُوزَنُ وَيُعَدُّ وَيُحْصَى وَيُعْرَفُ، فَهَلْ يُوزَنُ الْقُرْآنُ؟، وَقَالَ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا} [نوح: 19] وَهِيَ مَوْجُودَةٌ، يُمْشَى عَلَيْهَا وَتُحْرَثُ، فَهَلْ يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَهَذَا كُلُّهُ عَلَى لَفظِ (جَعَلَ) وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْخَلْقِ، وَقَدْ ذَكَرَ مَعْنَى الْجَعْلِ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْخَلْقِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: 103] لَا يَعْنِي: مَا خَلَقَ [ص:161] اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، لِأَنَّهُ هُوَ خَلَقَ الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ النَّاسَ بِاتِّخَاذِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ، فَهَذَا لَفْظُ (جَعَلَ) عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَقَالَ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] لَا يَعْنِي: خَالِقُكَ، لِأَنَّ خَلْقَهُ قَدْ سَبَقَ إِمَامَتَهُ، وَقَالَ لِأُمِّ مُوسَى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] لَا يَعْنِي وَخَالِقُوهُ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَخْلُوقًا، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُرْسَلًا بَعْدَ خَلْقِهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمَنَّا} [إبراهيم: 35] لَا يَعْنِي: رَبِّ اخْلُقْ هَذَا الْبَلَدَ، لِأَنَّ الْبَلَدَ قَدْ كَانَ مَخْلُوقًا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ {هَذَا الْبَلَدَ} [إبراهيم: 35]؟ وَقَالَ: {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء: 15]، لَا يُرِيدُ: حَتَّى خَلَقْنَاهُمْ حَصِيدًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40] لَا يَعْنِي: رَبِّ اخْلُقْنِي، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128]، وَلَمْ يُرِيدَا: وَاخْلُقْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ لِأَنَّ خَلْقَهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِمَا، فَهَذَا وَنَحْوُهُ فِي الْقُرْآنِ [ص:162] كَثِيرٌ، مِمَّا لَفْظُهُ (جَعَلَ) عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] إِنَّمَا جَعَلَهُ عَرَبِيًّا لِيُفْهَمَ وَيُبَيَّنَ لِلَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [مريم: 97]؟ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44]، يَقُولُ: أَعَرَبِيٌّ مُحَمَّدٌ وَعْجَمِيٌّ كَلَامُهُ بِالْقُرْآنِ؟ فَجَعَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. كَذَلِكَ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103]؟ وَقَالَ: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]، وَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ} [الشورى: 52]، فَإِنَّمَا يَعْنِي: أَنْزَلْنَاهُ نُورًا، تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: 8]. وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا [ص:163] مُبِينًا} [النساء: 174]، وَقَالَ: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهَدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: 91]، فَقَدْ بُيِّنَ لِمَنْ عَقَلَ وَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ أَنَّ (جَعَلَ) فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَ (جَعَلَ) أَيْضًا بِمَعْنَى (خَلَقَ)، وَأَنَّ قَوْلَهُ {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] هُوَ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ). فَبِأَيِّ حُجَّةٍ وفِي أَيِّ لُغَةٍ زَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ كُلَّ (جَعَلَ) عَلَى مَعْنَى (خَلَقَ)؟ أَلَمْ يَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِيْنَ} [القصص: 5]؟ أَفَتَرَى الْجَهْمِيَّ يَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص: 5] إِنَّمَا يُرِيدُ: أَنْ نَخْلُقَهُمْ أَئِمَّةً؟ أَفَتُرَاهُ يَخْلُقُهُمْ خَلْقًا آخَرَ بَعْدَ خَلْقِهِمُ الْأَوَّلِ؟ فَهَلْ يَكُونُ مَعْنَى (الْجَعْلِ) هَاهُنَا مَعْنَى (الْخَلْقِ)؟ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 18] لَا يَعْنِي: [ص:164] ثُمَّ خَلَقْنَا لَهُ جَهَنَّمَ، لِأَنَّ جَهَنَّمَ قَدْ تَقَدَّمَ خَلْقُهَا، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تُخْلَقُ حِينَ يَفْعَلُ الْعَبْدُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ جُعِلَتْ دَارَهُ وَمَسْكَنَهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ خَلْقُهَا. وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} [الأنفال: 37]، وَقَالَ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية: 21]، وَقَالَ: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] وَقَالَ: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل: 124]، يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَفَيَظُنُّ الْجَهْمِيُّ الْمُلْحِدُ أَنَّمَا أَرَادَ: إِنَّمَا خُلِقَ السَّبْتُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَقَدْ عَلِمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّ السَّبْتَ مَخْلُوقٌ فِي مُبْتَدَأِ الْخَلْقِ قَبْلَ كَوْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَبْلَ نُوحٍ، وَقَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا جُعِلَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَسْبِتُوا السَّبْتَ خَاصَّةً، فَهَذَا عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّ مِنَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ مِنَ الَّذِينَ {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ [ص:165] مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 198]، فَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَأَنْزَلَهُ عَرَبِيًّا لِتَفْقَهَ الْعَرَبُ، وَلِتُتَّخَذَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] وَلَمْ يُرِدْ عَرَبِيًّا فِي أَصْلِهِ وَلَا نَسَبِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَرَبِيًّا فِي قِرَاءَتِهِ. وَمِنْ أَوْضَحِ الْبَيَانِ مِنْ تَفْرِيقِ اللَّهِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن: 1]، أَلَا تَرَاهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن: 2]، وَلَوْ شَاءَ تَعَالَى: لَقَالَ: «خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَالْقُرْآنَ»، وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ بِالصِّدْقِ لِيُفْهَمَ وَلِيُفَصَّلَ كَمَا فَصَلَّهُ. فَخَالَفَ ذَلِكَ الْجَهْمِيُّ وَكَفَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَجِدْهُ فِي كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَلْ وُجِدَ وَرُوِيَ خِلَافُ قَوْلِ الْجَهْمِيِّ، حَيْثُ عَابَ اللَّهُ أَقْوَامًا بِمِثْلِ فِعْلِ الْجَهْمِيِّ فِي هَذَا، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ}، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُرُوهُ لِمَنْ عَبَدُوا خَلْقًا فِي الْأَرْضِ وَلَا شِرْكَ لَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ قَالَ: {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [الأحقاف: 4] يَعْنِي: مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ، أَيْ: ائْتُونِي [ص:166] بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا تَجِدُونَ فِيهِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4]، أَيْ: رِوَايَةٍ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] فَسَلَكَ الْجَهْمِيُّ فِي مَذْهَبِهِ طَرِيقَ أُولَئِكَ، وَقَالَ فِي اللَّهِ وَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، وَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَتَعَدَّى مَا أَخَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْمِيثَاقِ عَلَى خَلْقِهِ حِينَ قَالَ: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}، وَقَالَ: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} [الأنعام: 93] وَمِنْ أَبْيَنِ الْبَيَانِ وَأَوْضَحِ الْبُرْهَانِ مِنْ تَفْرِيقِ اللَّهِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْقُرْآنِ قَوْلُهُ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، فَتَفَهَّمُوا هَذَا الْمَعْنَى، هَلْ تَشُكُّونَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ} [الأعراف: 54] أَرَادَ أَنَّ لَهُ بَعْضَ الْخَلْقِ؟ بَلْ قَدْ دَخَلَ الْخَلْقُ كُلُّهُ فِي الْخَلْقِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ أَيْضًا غَيْرَ الْخَلْقِ لَيْسَ هُوَ خَلْقًا، لَمْ يَدْخُلْ فِي الْخَلْقِ وَهُوَ (الْأَمْرُ)، فَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ خَارِجٌ مِنَ الْخَلْقِ، فَالْأَمْرُ أَمْرُهُ وَكَلَامُهُ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ فَهَمَ عَنِ اللَّهِ وَعَقَلَ أَمْرَ اللَّهِ أَنَّكَ تَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذِكْرَ الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إِذَا كَانَا فِي مَوْضِعٍ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ، وَإِذَا كَانَا شَيْئَيْنِ غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ [ص:167] وَأَسْمَاؤُهُ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعْنَاهُ مُتَّفِقٌ، فَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} [يوسف: 78]، فَلَمْ يَفْصِلْ بِالْوَاوِ حِينَ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ شَيْئًا وَاحِدًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ؟ وَقَالَ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5]، فَلَمَّا كَانَ هَذَا كُلُّهُ نَعْتَ شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمْ يَفْصِلْ بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ بِالْوَاوِ، ثُمَّ قَالَ: {وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5]، فَلَمَّا كَانَ الْأَبْكَارُ غَيْرَ الثَّيِّبَاتِ فَصَلَ بِالْوَاوِ، لِأَنَّ الْأَبْكَارَ وَالثَّيِّبَاتِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وَقَالَ أَيْضًا فِيمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِأَسْمَاءِ مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَفْصِلْهُ بِالْوَاوِ، وَقَالَ: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23]، {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24]، فَلَمَّا كَانَ هَذَا كُلُّهُ شَيْئًا وَاحِدًا لَمْ يَفْصِلْ بِالْوَاوِ، وَكَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا وَاوٌ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ غَيْرَ الثَّانِي، وَالثَّانِي غَيْرَ الثَّالِثِ، وَقَالَ فِيمَا هُوَ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. . .} [الأحزاب: 35] إِلَى [ص:168] آخِرِ الْآيَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ الْمُسْلِمَاتِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ الْمُسْلِمَاتِ، لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وَقَالَ: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} [الأنعام: 162]، فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ غَيْرَ النُّسُكِ، وَالْمَحْيَا غَيْرَ الْمَمَاتِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ. وَقَالَ: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} [فاطر: 19]، فَفَصَلَ هَذَا كُلَّهُ بِالْوَاوِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ وَمَعَانِيهِ. وَقَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا} [عبس: 27]، فَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ غَيْرَ صَاحِبِهِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْحَدَائِقُ غُلْبًا شَيْئًا وَاحِدًا، أَسْقَطَ بَيْنَهُمَا الْوَاوَ، وَقَالَ أَيْضًا: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَار خَلِفَةً} [الفرقان: 62]، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ غَيْرَ النَّهَارِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، كَمَا قَالَ {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [إبراهيم: 33]، فَلَمَّا كَانَ الشَّمْسُ غَيْرَ الْقَمَرِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَعَقَلَهُ وَأَرَادَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَهِدَايَتَهُ، [ص:169] فَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ غَيْرَ الْخَلْقِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، فَقَالَ {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ والْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، فَالْأَمْرُ أَمْرُهُ وَكَلَامُهُ، وَالْخَلْقُ خَلْقٌ، وَبِالْأَمْرِ خَلَقَ الْخَلْقَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِمَا شَاءَ وَخَلَقَ بِمَا شَاءَ، فَزَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ خَلْقٌ، وَالْخَلْقَ خَلْقٌ، فَكَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] إِنَّمَا هُوَ الْإِلَهُ الْخَلْقُ وَالْخَلْقُ، فَجَمَعَ الْجَهْمِيُّ بَيْنَ مَا فَصَلَهُ اللَّهُ. وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الْجَهْمِيُّ، لَكَانَ قَوْلُ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِخَلْقِ رَبِّكَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ هُوَ كَلَامُهُ قَوْلُهُ: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} [الطلاق: 5]، فَيُسَمِّي اللَّهُ الْقُرْآنَ أَمْرَهُ، وَفَصَلَ بَيْنَ أَمْرِهِ وَخَلْقِهِ، فَتَفَهَّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} [سبأ: 12]، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ خَلْقِنَا. وَقَالَ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: 25]، وَلَمْ يَقُلْ بِخَلْقِهِ، لِأَنَّهَا لَو قَامَتْ بِخَلْقِهِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ مُعْجِزَاتِ قُدْرَتِهِ، وَلَكِنْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أَنْ يَقُومَ الْمَخْلُوقُ بِالْخَالِقِ، وَبِأَمْرِ الْخَالِقِ قَامَ الْمَخْلُوقُ، وَقَالَ: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] فَبِدَعْوَةِ [ص:170] اللَّهِ يَخْرُجُونَ. وَاحْتَجَّ الْجَهْمِيُّ بِآيَةٍ انْتَزَعَهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، فَهَلْ يُدَبَّرُ إِلَّا مَخْلُوقٌ؟ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَكُونُ لَفْظُهُ وَاحِدًا بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَجَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، فَإِنَّمَا يَعْنِي: يُدَبِّرُ أَمْرَ الْخَلْقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدَبِّرَ كَلَامَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكِيمٌ عَلِيمٌ، وَكَلَامُهُ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا تَدْبِيرُ الْكَلَامِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ فِي كَلَامِهِمُ الْخَطَأُ وَالزَّلَلُ، فَهُمْ يُدَبِّرُونَ كَلَامَهُمْ مَخَافَةَ ذَلِكَ وَيَتَكَلَّمُونَ بِالْخَطَأِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى الصَّوَابِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخْطِئُ وَلَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى وَلَا يُدَبِّرُ كَلَامَهُ، وَقَالَ تَعَالَى {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ بَعْدُ} [الروم: 4]، يَقُولُ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلِ الْخَلْقِ وَمِنْ بَعْدِ الْخَلْقِ، وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} [الطلاق: 5]، يَعْنِي: هِدَايَةٌ هَدَاكُمُ اللَّهُ بِهَا، وَالْهِدَايَةُ عِلْمُهُ، وَالْعِلْمُ مِنْهُ وَمُتَّصِلٌ بِهِ، كَمَا أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ مُتَّصِلٌ بِعَيْنِ الشَّمْسِ، فَإِذَا غَابَتْ عَيْنُ الشَّمْسِ ذَهَبَ الشُّعَاعُ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الدَّائِمُ الْأَبَدِيُّ الْأَزَلِيُّ، وَعِلْمُهُ أَزَلِيٌّ، وَكَلَامُهُ دَائِمٌ لَا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ وَلَا يَزُولُ، ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ لِيُضِلَّ بِهِ الضُّعَفَاءَ وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرُونَا عَنِ الْقُرْآنِ، هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَوْ لَا شَيْءَ؟ [ص:171] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ: لَا شَيْءَ، فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ شَيْءٌ , فَيَظُنُّ حِينَئِذٍ أَنَّهُ قَدْ ظَفَرَ بِحُجَّتِهِ وَوَصَلَ إِلَى بُغْيَتِهِ، فَيَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ {خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ} [الأنعام: 102]، وَالْقُرْآنُ شَيْءٌ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ، لِأَنَّ الْكُلَّ يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، فَيُقَالُ لَهُ: أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْكُلَّ يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ ذَلِكَ وَأَكْذَبَكَ الْقُرْآنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسٌ لَا تَدْخُلُ فِي هَذَا الْكَلِّ، وَكَذَلِكَ كَلَامُهُ شَيْءٌ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا قَالَ {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وَقَالَ {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58]. فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا نَفْسَ لَهُ، فَقَدْ أَكْذَبَكَ الْقُرْآنُ وَرَدَّ عَلَيْكَ قَوْلَكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، وَقَالَ {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28]، وَقَالَ {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41]، وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ عِيسَى [ص:172] {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]. فَقَدْ عَلِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ حَقٌّ، وَمَا قَالَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَأَنَّ لِلَّهِ نَفْسًا، وَأَنَّ نَفْسَهُ لَا تَمُوتُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] لَا تَدْخُلُ فِي هَذَا نَفْسُ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ كَلَامُهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَخْلُوقِ، كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنَ الْأَنْفُسِ الَّتِي تَمُوتُ، وَقَدْ فَهِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ، وَنَفَسَ اللَّهِ، وَعَمَلَ اللَّهِ، وَقُدْرَةَ اللَّهِ، وَعِزَّةَ اللَّهِ، وَسُلْطَانَ اللَّهِ، وَعَظَمَةَ اللَّهِ، وَحِلْمَ اللَّهِ، وَعَفْوَ اللَّهِ، وَرِفْقَ اللَّهِ، وَكُلَّ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ، وَأَنَّهَا كُلَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْخَالِقِ وَمِنَ الْخَالِقِ، فَلَيْسَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، لَا كَلَامُهُ، وَلَا عِزَّتُهُ، وَلَا قُدْرَتُهُ، وَلَا سُلْطَانُهُ، وَلَا عَظَمَتُهُ، وَلَا جُودُهُ، وَلَا كَرَمُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ بِقَوْلِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ صِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِهِ، أَزَلِيَّةٌ بِأَزَلِيَّتِهِ، دَائِمَةٌ بِدَوَامِهِ، بَاقِيَةٌ بِبَقَائِهِ، لَمْ يَخْلُ رَبُّنَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَ الْجَهْمِيُّ صِفَاتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إِبْطَالَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اعْتِقَادُهُ فِي إِثْبَاتِ الْإِيمَانِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: [ص:173] أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ آنِيَّتَهُ لِيَكُونَ بِذَلِكَ مُبَايِنًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ صَانِعًا. الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ وَحْدَانِيَّتَهُ، لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَهُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُقَرِّبُهُ وَيُوَحِّدُهُ بِالْقَوْلِ الْمُطْلَقِ قَدْ يُلْحِدُ فِي صِفَاتِهِ، فَيَكُونُ إِلْحَادُهُ فِي صِفَاتِهِ قَادِحًا فِي تَوْحِيدِهِ، وَلِأَنَّا نَجِدُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَاطَبَ عِبَادَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَالْإِيمَانِ بِهَا، فَأَمَّا دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِآنِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، فَلَسْنَا نَذْكُرُ هَذَا هَاهُنَا لِطُولِهِ وَسَعَةِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْجَهْمِيَّ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الْإِقْرَارَ بِهِمَا وَإِنْ كَانَ جَحْدُهُ لِلصِّفَاتِ قَدْ أَبْطَلَ دَعْوَاهُ لَهُمَا. وَأَمَّا مَحَاجَّةُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ فِي مَعْنَى صِفَاتِهِ الَّتِي أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوهُ بِهَا، [ص:174] فَبِالْآيَاتِ الَّتِي اقْتَصَّ فِيهَا أُمُورَ بَرِيَّتِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا أَخْرَجَهَا عَلَيْهِمْ مِنْ حُسْنِ الْقَوَامِ وَتَمَامِ النِّظَامِ، وَخَتَمَ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا بِذِكْرِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس: 37] فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ التَّدْبِيرَ الْعَجِيبَ الَّذِي دَبَّرَ بِهِ أَمْرَهَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْ

الإبانة الكبرى لابن بطة #2440

426 - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرٍو النَّزَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْعَطَّافُ بْنُ مُسْلِمٍ، [ص:227] قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ بِشْرٍ، وَدُبَيْسٌ الصَّائِغُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فَرْقَدٍ، قَالُوا: قَالَ لَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْمَكِّيُّ الْكِنَانِيُّ: أَرْسَلَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونُ فَأَحْضَرَنِي، وَأَحْضَرَ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ الْمِرِّيسِيَّ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَحَبُّوا أَنْ تَجْتَمِعَا وَتَتَنَاظَرَا، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِي فَأَصِّلَا فِيمَا بَيْنَكُمَا أَصْلًا إِنِ اخْتَلَفْتُمَا فِي فَرْعٍ رَجَعْتُمَا إِلَى الْأَصْلِ، فَإِنِ انْقُضِي فِيمَا بَيْنَكُمَا أَمْرُهُ إِلَّا كَانَتْ لَكُمَا عَوْدَةٌ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: " قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي رَجُلٌ لَمْ يَسْمَعْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَلَامِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، وَقَدْ سَمِعَ كَلَامَ بِشْرٍ وَدَارَ فِي مَسَامِعِهِ، فَصَارَ دَقِيقُ كَلَامِهِ جَلِيلًا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِي بَعْضِ كَلَامِي دِقَّةٌ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَأُقَدِّمُ مِنْ كَلَامِي شَيْئًا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَدِقُّ عَلَى سَامِعِهَا وَلَا تُغْبِي إِذَا طَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ قَالَ: وَنَزَّهْتُهُ أَنْ أُوَاجِهَهُ بِهَا " فَقَالَ: قُلْ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ. قَالَ: " قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ مَنْ أَلْحَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَاحِدًا أَوْ زَائِدًا، لَمْ يُنَاظَرْ بِالتَّأْوِيلِ وَلَا بِالتَّفْسِيرِ وَلَا بِالْحَدِيثِ " قَالَ: فَبِمَ يُنَاظَرُ؟ [ص:228] قُلْتُ لَهُ: " بِالتَّنْزِيلِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] " وَقَالَ: {إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء: 45]، وَقَالَ لِلْيَهُودِ حِينَ ادَّعَتْ تَحْرِيمَ أَشْيَاءَ لَمْ يُحَرِّمْهَا: {قُلْ فَأَتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّأْوِيلُ وَالتَّفْسِيرُ لِمَنْ قَرَأَ التَّنْزِيلَ، فَأَمَّا مَنْ أَلْحَدَ فِي تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ وَخَالَفَهُ، لَمْ يُنَاظَرْ بِتَأْوِيلِهِ وَلَا بِالْحَدِيثِ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: " فَقَالَ الْمَأْمُونُ: أَوْ يُخَالِفُكَ فِي التَّنْزِيلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يُخَالِفُنِي فِي التَّنْزِيلِ، أَوْ لَيَتْرُكَنَّ قَوْلَهُ " قَالَ: فَقَالَ: سَلْهُ. قُلْتُ لَهُ: «يَا بِشْرُ مَا حُجَّتُكَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؟ انْظُرْ أَحَدَّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِكَ فَارْمِنِي بِهِ، وَلَا تَكُنْ بِكَ حَاجَةٌ إِلَى مُعَاوَدَةٍ»، فَقَالَ: قَوْلُهُ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]. قَالَ: " فَقُلْتُ لِلْمَأْمُونِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَخَذَ بِمِكْيَالٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ بِهِ " فَقَالَ لِي: ذَاكَ يَلْزَمُهُ. [ص:229] فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ؟ فَقَالَ لِي: لَا. قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عِلْمِ اللَّهِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، فَقَالَ: فِي الْبَقَرَةِ {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255]، وَقَالَ فِي النِّسَاءِ {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]، وَقَالَ {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: 14]، وَقَالَ فِي فَاطِرَ {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11]، وَقَالَ فِي سَجْدَةِ الْمُؤْمِنِ {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] أَفَمُقِرٌّ أَنْتَ أَنَّ لِلَّهَ عِلْمًا كَمَا أَخْبَرَ عَنْ عَلِمِهِ أَوْ تُخَالِفُ التَّنْزِيلَ؟ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: " فَحَادَ بِشْرٌ عَنْ جَوَابِي وَأَبَى أَنْ يُصَرِّحَ بِالْكُفْرِ، فَيَقُولُ: لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ، فَأَرْجِعُ بِالْمَسْأَلَةِ وَعِلْمِ مَا يَلْزَمُهُ فَأَقُولُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عِلْمِ اللَّهِ دَاخِلٍ فِي قَوْلِهِ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، فَلَزَمَ الْحَيْدَةَ وَاجْتَلَبَ كَلَامًا لَمْ أَسْأَلْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ لَا يُجْهَلُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَكُونُ الْخَبَرُ عَنِ [ص:230] الْمَعْنَى قَبْلَ الْإِقْرَارِ بِالشَّيْءِ يُقِرُّ أَنَّ لِلَّهَ عِلْمًا، فَإِنْ سَأَلْتُهُ مَا مَعْنَى الْعِلْمِ لَيْسَ هَذَا مِمَّا أَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَيُجِيبُ بِهَذَا إِنْ كَانَ هَذَا جَوَابًا حَادَ عَنِ الْجَوَابِ وَلَزِمَ سَبِيلَ الْكُفَّارِ، فَقَالَ لِي بِشْرٌ: وَتَعْرِفُ الْحَيْدَةَ؟، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، إِنِّي لَأَعْرِفُ الْحَيْدَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهِيَ سَبِيلُ الْكُفَّارِ الَّتِي اتَّبَعْتَهَا " فَقَالَ لِيَ الْمَأْمُونُ: وَالْحَيْدَةُ نَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَفِي سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي اللُّغَةِ. فَقَالَ لِي: فَأَيْنَ هِيَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: " قُلْتُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ لِقَوْمِهِ: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 73]، فَكَانُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَنْ يَقُولُوا: يَسْمَعُونَنَا حِينَ نَدْعُو أَوْ يَنْفَعُونَنَا أَوْ يَضُرُّونَنَا، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْمَعُ قَوْلَهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا، أَوْ يَقُولُوا: لَا يَسْمَعُونَنَا حِينَ نَدْعُو وَلَا يَضُرُّونَنَا وَلَا يَنْفَعُونَنَا، فَيَنْفُوا عَنْ آلِهَتِهُمُ الْمَقْدِرَةَ، فَبِأَيِّ الْخَبَرَيْنِ أَجَابُوا كَانَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَحَادُوا عَنْ جَوَابِهِ وَاجْتَلَبُوا كَلَامًا مِنْ غَيْرِ فَنِّ كَلَامِهِ، فَقَالُوا: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74]، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا جَوَابًا عَنْ مَسْأَلَةِ إِبْرَاهِيمَ، [ص:231] وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ لِمُعَاوِيَةَ وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَكَادُ يَتَفَقَّا شَحْمًا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الشَّحْمَةُ يَا مُعَاوِيَةُ، لَعَلَّهَا مِنْ نَوْمَةِ الضُّحَى وَرَدِّ الْخَصْمِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذًا تَصُونُنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَقَدْ صَدَّقَ بِشْرٌ أَنَّ اللَّهَ لَا يُجْهَلُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ أَنْ يُقِرَّ بِالْعِلْمِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَبَى أَنْ يُقِرَّ بِهِ وَحَادَ عَنْ جَوَابِي إِلَى نَفْيِ الْجَهْلِ، فَلْيَقُلْ: إِنَّ لِلَّهَ عِلْمًا وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَجْهَلُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ بِشْرٌ فَقُلْتُ: يَا بِشْرُ أَنَا وَأَنْتُ نَقُولُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَجْهَلُ، وَأَنَا أَقُولُ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَأَنْتَ تَأْبَى أَنْ تَقُولَ، فَدَعْ مَا تَقُولُ، وَأَقُولُ مَا لَا يَقُولُ وَلَا أَقُولُ، وَإِنَّمَا مُنَاظَرَتِي إِيَّاكَ فِيمَا أَقُولُ وَلَا تَقُولُ، أَوْ تَقُولُ وَلَا أَقُولُ، قَالَ: وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَأْبَى أَنْ يُقِرَّ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا، وَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْهَلُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ نَفْيَ السُّوءِ لَا يُثْبَتُ الْمِدْحَةَ، وَكُنْتُ مُتَّكِئًا عَلَى أُسْطُوَانَةٍ، قُلْتُ: هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةُ لَا تَجْهَلُ وَلَا تَعْلَمُ، فَلَيْسَ نَفْيُ الْجَهْلِ بِإِثْبَاتٍ لِلْعِلْمِ، فَإِثْبَاتُهُ مَا أَثْبَتَ اللَّهُ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُثْبِتُوا مَا أَثْبَتَ اللَّهُ، وَيَنْفُوا مَا نَفَى اللَّهُ، وَيُمْسِكُوا حَيْثُ أَمْسَكَ اللَّهُ. ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَمْدَحِ اللَّهُ مَلَكًا وَلَا نَبِيًّا وَلَا مُؤْمِنًا بِنَفْيِ [ص:232] الْجَهْلِ، بَلْ دَلَّ عَلَى إِثْبَاتِ الْعِلْمِ، فَقَالَ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ {كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 11]، وَلَمْ يَقُلْ: لَا يَجْهَلُونُ. وَقَالَ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لَمْ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]. وَقَالَ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وَلَمْ يَقُلِ: الَّذِينَ لَا يَجْهَلُونَ، فَمَنْ أَثْبَتَ الْعِلْمَ نَفَى الْجَهْلَ، وَمَنْ نَفَى الْجَهْلَ لَمْ يُثْبِتِ الْعِلْمَ، فَمَا اخْتَارَ بِشْرٌ لِلَّهِ اخْتَارَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا مِنْ حَيْثِ اخْتَارَ لِمَلَائِكَتِهِ وَلُرُسِلِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا يَكُونُ مَاذَا؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْأَلْهُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، أَدَاخِلٌ هُوَ فِي جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ حِينَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَكُلُّ مَنْ تَقَدَّمَ وُجُودُهُ عِلْمَهُ فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ فِيمَا بَيْنَ وُجُودِهِ إِلَى حُدُوثِ عِلْمِهِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، فَيَكُونُ بِشْرٌ قَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ "، فَقَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَحْسَنْتَ أَحْسَنْتَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ "، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى بِشْرٍ، فَقَالَ: يَأْبَى عَلَيْكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ إِلَّا أَنْ تُقِرَّ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا، " ثُمَّ قَالَ لِي أَمِيرُ [ص:233] الْمُؤْمِنِينَ: تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. " قَالَ: وَتَقُولُ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا؟ قُلْتُ: «نَعَمْ». قَالَ: تَقُولُ أَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ؟ قُلْتُ: «نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ» قَالَ: فَتَقُولُ أَنَّ لِلَّهِ سَمْعًا وَبَصَرًا كَمَا قُلْتَ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا؟ قَالَ: " قُلْتُ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ " فَقَالَ لِي: فَرِّقْ بَيْنَ هَذَيْنِ، قَالَ: فَأَقْبَلَ بِشْرٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَفْقَهَ النَّاسِ يَا أَعْلَمَ النَّاسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [ص:234] وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]. قَالَ: " قُلْتُ: قَدْ قَدَّمْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا احْتَجَجْتُ بِهِ أَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا أَثْبَتَ اللَّهُ وَيَنْفُوا مَا نَفَى اللَّهُ، وَيُمْسِكُوا مَا أَمْسَكَ اللَّهُ، فَأَخْبَرَنِي اللَّهُ أَنَّهُ عَالِمٌ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ عَالِمٌ بِقَوْلِهِ {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام: 73]، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِقَوْلِهِ {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: 14]، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، فَقُلْتُ بِالْخَبَرِ وَلَمْ يُخْبِرْنِي أَنَّ لَهُ سَمْعَا وَبَصَرًا، فَأَمْسَكْتُ " فَقَالَ الْمَأْمُونُ: مَا هُوَ مُشَبَّهًا، لَا تَكْذِبُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ لِي بِشْرٌ: فَمَا مَعْنَى الْعِلْمُ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ وَرَدَا عَلَيْكَ فَقَالَا مَا مَعْنَى الْعِلْمِ؟ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا بِالطَّلَاقِ أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ اللَّهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَّ الْعِلْمَ غَيْرُ اللَّهِ، مَا كَانَ جَوَابُكَ؟ قُلْتُ: أَمَّا مَسْأَلَتُكَ إِيَّايَ مَا مَعْنَى الْعِلْمِ، فَإِنَّكَ تَسْأَلُنِي عَمَّا لَمْ يُخْبِرْنِي اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يُخْبِرْ أَحَدًا، فَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ أَعْلَمْ كَمَا أَمَرَ الشَّيْطَانُ، فَأَوْلَى الْأَمْرَيْنِ بِي أَنْ أُمْسِكَ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ، وَأَمَرَنِي الشَّيْطَانُ أَنْ أَقُولَهُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطْنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا [ص:235] لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]. وَقَالَ {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168] ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بِشْرًا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أُفْحِمَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَوَابٌ، فَيَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ لِي أَنْ أُجِيبَ عَنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ إِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ سَأَلَ بِشْرًا عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَأَنَا وَبِشْرٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَسْأَلَتِي وَمَسْأَلَتِهِ عَلَى غَيْرِ السَّوَاءِ، سَأَلْتُهُ عَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ وَوَقَّعَهُ عَلَيْهِ بِالْإِعْلَامِ وَتَعَبَّدَهُ بِالْإِيمَانِ لِقَوْلِهِ {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [الشورى: 15]، فَأَبَى أَنْ يُقِرَّ بِهِ، وَسَأَلَنِي عَنْ مَعْنَى الْعِلْمِ وَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنِّي وَعَنْهُ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَيَّ لَوْ كَانَ بِشْرٌ يَعْلَمُ أَوْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا الْعِلْمُ، فَأَمَّا مَا نَجْتَمِعُ أَنَا وَبِشْرٌ وَالْخَلْقُ فِي الْجَهْلِ بِمَعْرِفَتِهِ، فَلَمْ يَكُنِ الضَّرَرُ دَاخِلًا عَلَيَّ دُونَهُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا وَلِمُؤْمِنٍ أَنْ يُجِيبَ فِيهَا، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمْسَكَ عَنْ أَنْ يُخْبِرَ كَيْفَ عِلْمُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَكَلَّفَهُ وَلَا يُخْبِرَ عَنْهُ وَلَا لِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ سَمِيعًا بَصِيرًا، قُلْنَا، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ: سَمْعٌ وَبَصَرٌ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: " وَقُلْتُ لِبِشْرٍ: حِينَ تَسْأَلُنِي مَا مَعْنَى الْعِلْمِ وَتُشِيرُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، هَلْ تَجُوزُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؟ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44]، فَلَوْ وَرَدَ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَحَلَفَ أَحَدُهُمْ أَنَّ الْأَقْلَامَ خَشَبٌ، وَحَلَفَ الْآخَرُ أَنَّهَا قَصَبٌ، [ص:236] وَحَلَفَ الْآخَرُ أَنَّهَا خُوصٌ، كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُمَيِّزَ بَيْنَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ؟ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]، فَلَوْ وَرَدَ عَلَيَّ رَجُلَانِ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الزُّهَرَةُ، وَحَلَفَ الْآخَرُ أَنَّهُ الْمُشْتَرِي، أَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَنْظُرَ بَيْنَ هَذَيْنِ أَيُّهُمَا الْمُصِيبُ مِنَ الْمُخْطِئِ؟ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44]، فَلَوْ أَنَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ حَلَفُوا فَقَالَ أَحَدُهُمُ: الْمُؤَذِّنُ مَلَكٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ إِنْسِيٌّ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ جِنِّيٌّ، كَانَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ كَيْفَ ذَلِكَ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَنِ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَصِلَ الْخَبَرَ بِتَفْسِيرٍ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، كَيْفَ تَجُوزُ الْمَسْأَلَةُ فِي اللَّهِ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ؟ " قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: " وَرَأَيْتُهُ قَدْ حَارَ فِي يَدَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ احْتَجَّ بِشْرٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، فَلْيُعْطِ بِالْمِكْيَالِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ إِنْ كَانَ صَادِقًا " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]، {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] وَقَالَ {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28][ص:237] وَقَالَ {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41]، فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ نَفْسًا. وَقَالَ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت: 57]، فَلَوْ أَنَّ مُلْحِدًا أَلْحَدَ عَلَيَّ وَعَلَى بِشْرٍ، فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَأَنَّ لَهُ نَفْسًا، مَا كَانَتِ الْحُجَّةُ لِي وَلَهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَالَ بِشْرٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ نَفْسَ ضَمِيرٍ أَوْ تَوَهَّمَ جَارِحَةٍ؟ فَقُلْتُ: كَمْ أُلْقِيَ إِلَيْكَ أَنِّي أَقُولُ بِالْخَبَرِ وَأُمْسِكُ عَنْ عِلْمِ مَا سُتِرَ عَنِّي، وَإِنَّمَا أَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ نَفْسًا كَمَا قَالَ، فَلْيَكُنْ مَعْنَاهَا عِنْدَكَ مَا شِئْتَ، أَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت: 57]؟ إِلَى كَمْ تَفِرُّ إِلَى الْمَعَانِي؟ انْظُرْ هَلْ أَجْرِي مَعَكَ حَيْثُ تَجْرِي؟ قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُونُ: وَيْحَكَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ كَيْفَ هَذَا؟ قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِأَخْبَارٍ خَاصَّةٍ وَعَامَّةٍ، فَفِيهَا مَا يَكُونُ مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ الْعُمُومِ وَمَعْنَاهَا مَعْنَى الْعُمُومِ، وَمِنْهُ خَبَرٌ مَخْرَجُ لَفْظِهِ مَخْرَجٌ خَاصٌّ وَمَعْنَاهُ مَعْنًى خَاصٌّ، مِنْهُمَا خَبَرَانِ مُحْكَمَانِ لَا يَنْصَرِفَانِ بِإِلْحَادِ مُلْحِدٍ، وَمِنَ الْقُرْآنِ خَبَرٌ مَخْرَجُ لَفْظِهِ خَاصٌّ وَمَعْنَاهُ عَامٌّ، وَخَبَرٌ مَخْرَجُ لَفْظِهِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، وَفِي هَذِهِ دَخَلْتِ الشَّبَهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُعْرَفْ خَاصَّ الْقُرْآنِ [ص:238] وَعَامَّهُ، فَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي مَخْرَجَهُ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ عَامٌّ، فَقَوْلُهُ: {وَلَهُ كُلٌّ شَيْءٍ} [النمل: 91] فَجَمَعَ هَذَا الْخَبَرَ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَهُ، فَمَخْرَجُهُ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ عَامٌّ، أَمَّا الْخَبَرٌُ الَّذِي مَخْرَجُهُ خَاصٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ فَمَا قَدَّمَ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَفِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13]، فَلَمْ يَتَوَهَّمْ مُؤْمِنٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنَى آدَمَ وَعِيسَى " وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي مَخْرَجُهُ خَاصٌّ وَمَعْنَاهُ عَامٌّ، فَهُوَ قَوْلُهُ {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النجم: 49]، فَهُوَ رَبُّ الشِّعْرَى وَغَيْرِ الشِّعْرَى. وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي مَعْنَاهُ خَاصٌّ، فَهُوَ قَوْلُهُ {إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34]، إِنَّمَا كَانَ مَعْنَاهُ خَاصًّا، لِأَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ لَمْ تُعْنَ، وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ عَلَى مَعَانِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ، لَمْ يَتْرُكْهَا أَشْبَاهًا عَلَى النَّاسِ، وَلَكِنْ بَيَانُهَا خَاصٌّ لِقَوْمٍ يَفْهَمُونَ، وَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرًا مَخْرَجُ لَفْظِهِ خَاصٌّ وَمَعْنَاهُ عَامٌّ، بَيَّنَ فِي أَكْثَرِ ذَلِكَ مَا بَيَّنَهُ بِأَحَدِ بَيَانَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الْجُمْلَةِ شَيْئًا فَيَكُونُ بَيَانًا لِلنَّاسِ أَكْمَلِهِمْ. أَوْ يُقَدِّمَ خَبَرًا خَاصًّا فَلَا يُعْنِيهِ، فَإِذَا أَنْزَلَ خَبَرًا عَامًا لَمْ يَتَوَهَّمْ عَالِمٌ أَنَّهُ عَنِيَ فِي خَبَرِهِ الْعَامَّ خِلَافَ مَا خَصَّهُ وَنَصَّهُ. [ص:239] وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي بَيَّنَ لَهُ عَلَى الْعُمُومِ ثُمَّ يَسْتَثْنِي مَا لَمْ يُعِنِهِ، فَهُوَ قَوْلُهُ {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14]، فَعَقَلَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ الْأَلْفَ سَنَةٍ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا نُوحٌ فِي قَوْمِهِ قَبْلَ الطُّوفَانِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14]، فَكَانَ ابْتِدَاءُ لَفْظِهِ عَامًّا وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ بِالِاسْتِثْنَاءِ. وَأَمَّا الْخَبَرُ الْخَاصُّ الَّذِي لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْخَبَرُ الْعَامُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي إِبْلِيسَ {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]، وَقَالَ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فَعَقَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ، عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ إِبْلِيسَ بِقَوْلِهِ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، لِمَا قَدَّمَ فِيهِ مِنَ الْخَبَرِ الْخَاصِّ بِالْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لِأَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الَّذِي لَا يَعْنِي حَتَّى يُخْرِجَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ مُحَاشَاةٍ، فَيُقَدِّمُ فِيهِ خَبَرًا كَقَوْلِهِ {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31]. قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنْجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}، فَاسْتَثْنَى لُوطًا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَاسْتَثْنَى امْرَأَةَ لُوطٍ مِنْ آلِ لُوطٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل: 57] وَقَالَ [ص:240] {مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [العنكبوت: 33]، فَخَصَّ الْمَرْأَةَ بِالْهَلَاكِ، وَأَنْزَلَ خَبَرًا مَخْرَجُهُ مَخْرَجٌ عَامٌّ، وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، فَقَالَ {إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34]، فَعَقَلَ الْمُؤْمِنُونَ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ امْرَأَةَ لُوطٍ بِالنَّجَاةِ، لِمَا قَدَّمَ فِيهَا مِنَ الْخَبَرِ الْخَاصِّ بِالْهَلَكَةِ، وَكَذَلِكَ حِينَ قَدَّمَ فِي نَفْسِهِ خَبَرًا خَاصًّا، فَقَالَ {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58]. ثُمَّ قَالَ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت: 57] لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ عَنَى نَفْسَهُ، وَكَذَلِكَ حِينَ قَدَّمَ فِي قَوْلِهِ خَبَرًا خَاصًّا، فَقَالَ {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، فَدَلَّ عَلَى قَوْلِهِ بِاسْمِ مَعْرِفَةٍ وَعَلَى الشَّيْءِ بِاسْمِ نَكْرَةٍ فَكَانَا شَيْئَيْنِ مُتَفَرِّقِينَ، فَقَالَ {إِذَا أَرَدْنَاهُ} [النحل: 40] وَلَمْ يَقُلْ: إِذَا أَرَدْنَاهُمَا وَلَمْ يَقُلْ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا ثُمَّ قَالَ كُنْ فَيَكُونُ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالشَّيْءِ الْمَخْلُوقِ. ثُمَّ قَالَ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، فَعَقَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ قَوْلَهُ فِي جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ حِينَ قَدَّمَ فِيهِ خَبَرًا أَنَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا غَلَطَ بِشْرٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِخَاصِّ الْقُرْآنِ وَعَامِّهِ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: " ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بِشْرًا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ، وَإِجْمَاعَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " [ص:241] فَقَالَ: أَوَفَعَلَ ذَلِكَ؟. قُلْتُ: «نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُوقِفُكَ عَلَيْهِ السَّاعَةَ». فَقَالَ لِي: كَيْفَ؟. قُلْتُ: " إِنَّ الْيَهُودَ ادَّعَتْ تَحْرِيمَ أَشْيَاءَ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] فَإِذَا تُلِيَتِ التَّوْرَاةُ فَلَمْ يُوجَدْ مَا ادَّعُوا، كَانَ إِمْسَاكُ التَّوْرَاةِ مُسْقِطًا لِدَعْوَاهُمْ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِبِشْرٍ: اتْلُ بِمَا قُلْتَ قُرْآنًا وَإِلَّا فَإِنَّ إِمْسَاكَ الْقُرْآنِ بِمَا تَدَّعِي مُسْقِطٌ لِدَعْوَاكَ، وَكَذَلِكَ تَنْظُرُ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَّا كَانَ إِمْسَاكُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْقِطٌ لِدَعْوَاهُ، وَأَمَّا خِلَافُهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ اخْتَلَفُوا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَخَارِجِ الْأَحْكَامِ، فَلَمْ يُخَطِّئْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَهُمْ مِنْ أَنْ يُبَدِّعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَبْعَدُ، وَهُمْ مِنْ أَنْ يُكَفِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّأْوِيلِ أَبْعَدُ، وَبِشْرٌ ادَّعَى عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا كَلِمَةً تَأَوَّلَهَا، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ مَنْ خَالَفَهُ كَافِرٌ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ إِجْمَاعِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ بِشْرٌ: مَا ادَّعَيْتُ إِلَّا نَصَّ التَّنْزِيلِ. قَالَ: " قُلْتُ لَهُ: هَاتِ، فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِكَ إِنْ كَانَ مَعَكَ تَنْزِيلٌ وَمَنْ خَالَفَ فَكَافِرٌ " قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: أَوَلَا تَقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا نَصَّ الْقُرْآنِ؟ [ص:242] قُلْتُ: لَا، لِأَنَّهُ إِذَا تَأَوَّلَ فَلِخَصْمِهِ أَنْ يَتَأَوَّلَ مَعَهُ. قَالَ: فَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: وَمِنْ أَيْنَ لَكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذَا الْحَصِيرَ مَخْلُوقٌ؟ قُلْتُ: هُوَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَنْعَامَ وَخَلَقَ الشَّجَرَةَ، وَهَذَا الْحَصِيرُ مِنَ الشَّجَرِ وَمِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ، فَمَعَكَ أَنْتَ شَيْءٌ تُخْبِرُنِي أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ؟. قَالَ بِشْرٌ: مَعِيَ نَصُّ الْقُرْآنِ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَكَيْفَ لَمْ تَأْتِنِي بِهِ أَوَّلًا حِينَ قُلْتُ لَكَ: ارْمِنِي بِأَحَدَّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ نَعَمْ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا وَكُلُّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا، فَقَدْ قَالُوا مَعَكَ بِالتَّنْزِيلِ وَلَمْ يُخَالِفُوا التَّنْزِيلَ، وَأَنْتَ إِنَّمَا كَفَّرْتَ الْقَوْمَ بِمَعْنَى جَعَلَ لِأَنَّ مَعْنَى جَعَلَ عِنْدَكَ مَعْنَى خَلَقَ. قَالَ بِشْرٌ: مَا بَيْنَ جَعَلَ وَخَلَقَ فَرْقٌ. قُلْتُ لِبِشْرٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ جَعَلَ عِنْدَكَ حَرْفٌ مُحْكَمٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنَى خَلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يُعْقَلُ جَعَلَ فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ إِلَّا مَعْنَى خَلَقَ. [ص:243] قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: 91]، مَعْنَاهُ مَعْنَى خَلَقْتُمْ؟ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكِمْ} [البقرة: 224]، مَعْنَاهُ: لَا تَخْلُقُوا؟ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63]. مَعْنَاهُ: لَا تَخْلُقُوا؟. قَالَ: فَقَالَ لِيَ الْمَأْمُونُ: فَمَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا رَجُلٌ جَاهِلٌ بِلُغَةِ قَوْمِكَ، إِنَّ جَعَلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى خَلَقَ، وَمَعْنَى تَصْيِيرِ غَيْرِ خَلَقَ، فَلَمَّا كَانَ خَلَقَ حَرْفًا مُحْكَمًا لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ صَنَاعَةِ الْعِبَادِ، لَمْ يَتَعَبَّدِ اللَّهُ الْخَلْقَ بِهِ، فَيَقُولُ: اخْلُقُوا أَوْ لَا تَخْلُقُوا، إِذْ لَمْ يَكُنِ الْخَلْقُ مِنْ صَنَاعَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَمَّا كَانَ جَعَلَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى خَلَقَ وَهُوَ مَعْنًى تَفَرَّدَ اللَّهُ بِهِ دُونَ الْخَلْقِ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَى غَيْرِ الْخَلْقِ، خَاطَبَ الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيِ عَنْهِ، أَفَقَالَ: اجْعَلُوا وَلَا تَجْعَلُوا؟ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] وَقَوْلِهِ {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87]، وَلَمَّا كَانَ جَعَلَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ مِنَ اللَّهِ: مَعْنَى خَلَقَ، وَمَعْنَى تَصْيِيرِ غَيْرِ خَلَقَ، لَمْ يَدَعْ ذَلِكَ لَبْسًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ص:244] حَتَّى جَعَلَ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ عَلَمًا وَدَلِيلًا، فَفَرَّقَ بَيْنَ مَعْنَى جَعَلَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى مَعْنَى خَلَقَ وَبَيْنَ جَعَلَ الَّذِي مَعْنَاهُ غَيْرُ مَعْنَى خَلَقَ، فَأَمَّا مَعْنَى جَعَلَ الَّذِي هُوَ عَلَى مَعْنَى خَلَقَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِهِ مُفَصَّلًا وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْمٍ يَفْهَمُونَ، وَأَنْزَلَ الْقَوْلَ مُفَصَّلًا يَسْتَغْنِي السَّامِعُ إِذَا أُخْبِرَ عَنْهُ أَنْ يُوصِلَ الْكَلِمَةَ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}، فَسَوَاءٌ قَالَ: جَعَلَ أَوْ خَلَقَ. وَقَوْلُهُ {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] وَقَوْلُهُ {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [النحل: 78]، فَهَذَا وَمَا كَانَ عَلَى مِثَالِهِ عَلَى مَعْنَى خَلَقَ. وَأَمَّا جَعَلَ الَّذِي مَعْنَاهُ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْخَلْقِ فَهَذَا مِنَ الْقَوْلِ الْمُوصِلِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51]، كَقَوْلِهِ [ص:245] {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ}، فَلَمَّا قَالَ {جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} [ص: 26] لَمْ يَدَعِ الْكَلِمَةَ إِذْ لَمْ تَكُنْ عَلَى مَعْنَى خَلَقَ حَتَّى وَصَلَهَا بِقَوْلِهِ {خَلِيفَةً} [البقرة: 30] وَقَوْلُهُ {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص: 7]، فَلَمْ يَأْمُرْهَا أَنْ تَلْقِيَهُ فِي الْيَمِّ إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ قَالَ {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، فَقَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ مَخْلُوقًا وَلَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا حَتَّى جَعَلَهُ مُرْسَلًا. وَقَوْلُهُ {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143]، وَقَدْ كَانَ الْجَبَلُ مَخْلُوقًا قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ دَكًّا، فَهَذَا وَمَا عَلَى مِثَالِهِ مِنَ الْقَوْلِ الْمُوصِلِ، فَنَرْجِعُ أَنَا وَبِشْرٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرَآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3]، فَمَا كَانَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُوصِلِ، فَهُوَ كَمَا قُلْتُ أَنَا: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، بِأَنْ صَيَّرَهُ عَرَبِيًّا، وَأَنْزَلَهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُصَيِّرْهُ أَعْجَمِيًّا فَيُنْزِلُهُ بِلُغَةِ الْعَجَمِ. وَإِنْ كَانَ الْمَوْصِلِ كَقَوْلِهِ {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]، فَهُوَ كَمَا قَالَ بِشْرٌ. وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِلُغَةِ أَهْلِ اللِّسَانِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي وَلَدًا، لَكَانَ يَعْقِلُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَخْلُقَ لَهُ وَلَدًا، إِذْ لَمْ يَصِلِ الْكَلِمَةَ بِكَلِمَةٍ ثَانِيَةٍ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَلَدِي، كَانَ هَذَا الْكَلَامُ لَا يُتِمُّ [ص:246] بِهَذَا الْإِخْبَارُ عَنْهُ، حَتَّى يَقُولُ: اجْعَلْهُ صَالِحًا، اجْعَلْهُ تَقِيًّا، فَيُعْقَلُ عَنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُصَيِّرَهُ بَارًّا، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْلُقَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ خَلَقَهُ. أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 127]، وَلَمْ يَرْفَعَا الْقَوَاعِدَ إِلَّا وَهُمَا مَخْلُوقَانِ، وَحِينَ قَالَا {وَاجْعَلْنَا} [البقرة: 128]، لَمْ يُدْرِكَا الْمَسْأَلَةَ حَتَّى قَالَ {مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128]. فَهَذَا وَمَا كَانَ عَلَى أَمْثَالِهِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْخَلْقِ. ثُمَّ أَقْبَلَ الْمَأْمُونُ عَلَى بِشْرٍ، فَقَالَ: كَلِّمْ عَبْدَ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَ أُكَلِّمُهْ؟ هَذَا رَجُلٌ يَقُولُ بِالْأَخْبَارِ وَأَنَا أَقُولُ بِالْقِيَاسِ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: وَهَلْ دِينُنَا إِلَّا الْأَخْبَارُ؟. قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقِيَاسِ لَمْ يَفْتِنِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ لِي الْقَوْلُ بِهِ، وَكَانَ جَلَسَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ مِنَ الْخَصْمِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كَانَ لِبَشَرٍ غُلَامَانِ، وَأَنَا لَا آخُذُ عِلْمَهُمَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا عَنْهُ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا خَالِدٌ وَالْآخَرُ يَزِيدُ، فَكَتَبَ إِلَيَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ كِتَابًا يَقُولُ فِي كُلِّ كِتَابٍ مِنْهَا: ادْفَعْ هَذَا الْكِتَابِ إِلَى خَالِدٍ غُلَامِي، [ص:247] وَكَتَبَ إِلَيَّ مِائَةً وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ كِتَابًا يَقُولُ فِي كُلِّ كِتَابٍ مِنْهَا: ادْفَعْ هَذَا الْكِتَابِ إِلَى يَزِيدَ، وَلَا يَقُولُ: غُلَامِي، وَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا، فَقَالَ: ادْفَعْ هَذَا الْكِتَابَ إِلَى يَزِيدَ وَإِلَى خَالِدٍ غُلَامَيَّ، وَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا وَاحِدًا يَقُولُ فِيهِ: خَالِدٌ غُلَامِي وَيَزِيدُ، وَلَمْ يَقُلْ: غُلَامَيَّ، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ دَفَعْتُ الْكِتَابَ إِلَى يَزِيدَ وَإِلَى خَالِدٍ غُلَامِكَ، فَلَقِيَنِي فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَكْتُبْ إِلَيَّ أَنَّكَ دَفَعْتَ الْكِتَابَ إِلَى خَالِدٍ وَيَزِيدَ غُلَامَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ كَتَبْتَ إِلَيَّ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ كِتَابًا تَقُولُ: ادْفَعْ هَذَا الْكِتَابَ إِلَى يَزِيدَ، وَلَا تَقُولُ فِيهَا: غُلَامِي، وَكَتَبْتَ إِلَيَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ كِتَابًا تَقُولُ فِيهَا: إِلَى خَالِدٍ غُلَامِي. فَقَالَ لِي بِشْرٌ: فَرَّطْتَ، فَحَلَقْتُ أَنَا: إِنَّ بِشْرًا فَرَّطَ وَحَلَفَ بِشْرٌ أَنِّي فَرَّطْتُ، أَيُّنَا كَانَ الْمُفَرِّطُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ الْمَأْمُونُ: إِذَا كَانَ هَكَذَا، فَبِشْرٌ الْمُفَرِّطُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَنَا عَنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةِ مَوْضِعٍ، فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ خَلْقِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْإِنْسَانِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1]، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْإِنْسَانِ، وَزَعَمَ بِشْرٌ أَنَّ اللَّهَ فَرَّطَ فِي الْكِتَابِ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا، وَعَلَيْهِ يُخْبِرُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو كَامِلٍ الْخَادِمُ أَنَّ الْمَأْمُونَ كَانَ يَقُولُ: مَا مَرَّ بِكُمْ مِثْلُ الْمَكِّيِّ قَطُّ فِي خَالِدٍ وَيَزِيدَ، [ص:248] فَأَمَرَ لَهُ يَعْنِي: لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَ أَنْ تَجْرِيَ لَهُ الْأَرْزَاقُ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَأْمُونِ بَعْدُ أَشْيَاءُ لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذَا الْكِتَابِ

الإبانة الكبرى لابن بطة #2441

427 - قَالَ أَبُو أَيُّوبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرٍو: وَأَخْبَرَنِي الْعَطَّافُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَعَنْ غَيْرِهِمْ، مِنْ أَصْحَابِ الْمَكِّيِّ: أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ، قَالَ: " اجْتَمَعْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ فَجَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُنَاظَرَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لِي بَعْدَمَا جَرَى بَيْنَنَا: وَيْحَكَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ، قُلِ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَوَاللَّهِ لَأُوطَأَنَّ الرِّجَالَ عَقَبِكَ، وَلَا نُوهِنُ بِاسْمِكَ، فَإِنْ لَمْ تَقُلْ، فَانْظُرْ مَا يَنْزِلُ بِكَ مِنِّي "، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْقُلُوبَ لَا تَرُدُّ بِالرَّغْبَةِ وَلَا بِالرَّهْبَةِ، تُرَغِّبُنِي فَتَقُولُ: قُلْ حَتَّى أَفْعَلَ بِكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، انْظُرْ مَاذَا يَنْزِلُ بِكَ مِنِّي، فَيَمِيلُ إِلَيْكَ لِسَانِي وَلَا يَنْطِقُ لَكَ قَلْبِي، فَأَكُونُ قَدْ نَافَقْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: وَيْحَكَ، فَبِمَاذَا تَرُدُّ الْقُلُوبُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بِالْبَصَائِرِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَصِّرْنِي مِنْ أَيْنَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟. فَقَالَ لِي: صَدَقْتَ

غَيْرِهِمْ، مِنْ أَصْحَابِ الْمَكِّيِّ: ← هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، ← الْعَطَّافُ بْنُ مُسْلِمٍ، ← أَبُو أَيُّوبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرٍو

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2441

الإبانة الكبرى لابن بطة #2442

428 - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا طَالِبٍ " لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِمَّا أَدْخَلْتُ عَلَيْهِمْ حِينَ نَاظَرُونِي، قُلْتُ لَهُمْ: عِلْمُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ؟ قَالُوا: لَا. قُلْتُ: فَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران: 61] وَقَالَ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لِمَنِ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] هَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْعِلْمِ "

أَبُو طَالِبٍ أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ ← أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، ← أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ ← أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2442

الإبانة الكبرى لابن بطة #2443

429 - وَحَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بَدِينَا، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: [ص:250] قَالَ لَهُمْ يَعْنِي: الْمُعْتَصِمَ: كَلِّمُوهُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: «مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ»، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي عِلْمِ اللَّهِ، فَسَكَتَ. قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضهُمْ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] فَالْقُرْآنُ أَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25]، فَهَلْ دَمَّرَتْ إِلَّا مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: {مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] أَفَيَكُونُ مُحْدَثٌ إِلَّا مَخْلُوقًا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1]، فَالذِّكْرُ هُوَ الْقُرْآنُ، وَتِلْكَ لَيْسَ فِيهَا أَلِفٌ وَلَا لَامٌ "

أَبِي ← صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ← أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بَدِينَا ← أَبِي

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2443

الإبانة الكبرى لابن بطة #2444

430 - حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، بِنَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: هَذَا نَكْرَةٌ، «فَقَدْ يَكُونُ عَلَى جَمِيعِ الذِّكْرِ، وَالذِّكْرُ مَعْرِفَةٌ وَهُوَ الْقُرْآنُ»

أَبُو عَبْدِ اللهِ‏:‏ ← حَنْبَلٌ ← أَبُو عَمْرٍو حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2444

الإبانة الكبرى لابن بطة #2445

431 - وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الدَّرَّاجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ [ص:251] أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْخَلَّالُ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْوَرَّاقُ مِنَ الْمَوْصِلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ حِينَ دَخَلَ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَقَالَ: " احْتَجُّوا عَلَيَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ {مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2]، أَيْ: أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ، فَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1]، قُلْتُ: فَهُوَ سَمَّاهُ الذِّكْرَ، وَقُلْتُ: {مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2]، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْقُرْآنِ مُحْدَثًا، وَلَكِنْ {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1]، فَهُوَ الْقُرْآنُ، لَيْسَ هُوَ مُحْدَثًا "، قَالَ: فَبِهَذَا احْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ. [ص:252] وَاحْتَجُّوا عَلَيَّ: مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا كَذَا أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، قَالَ: " فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةً، إِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ، أَيْ: هِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُخْلَقَ، وَلَوْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً لَكَانَتِ السَّمَاءُ أَعْظَمَ مِنْهَا، أَيْ: فَلَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ، قَالَ: وَاحْتَجُّوا عَلَيَّ بِقَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، فَقُلْتُ: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: 49]، فَخَلَقَ مِنَ الْقُرْآنِ زَوْجَيْنِ {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] فَأُوتِيَتِ الْقُرْآنَ؟ فَأُوتِيَتِ النُّبُوَّةَ أُوتِيَتْ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25]، فَدَمَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ، إِنَّمَا دَمَّرَتْ مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ " قَالَ: وَقَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: أَيْنَ تَجِدُ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ؟ قُلْتُ: " {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف: 27] " فَسَكَتَ. وَقُلْتُ لَهُ: «بَيْنَ يَدَيِ الرَّئِيسِ»، وَجَرَى كَلَامٌ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: " اجْتَمَعْتُ أَنَا وَأَنْتَ أَنَّهُ كَلَامٌ وَقُلْتَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَهَاتُوا الْحُجَّةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ [ص:253] مِنَ السُّنَّةِ "، فَمَا أَنْكَرَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ وَلَا أَصْحَابُهُ أَنَّهُ كَلَامٌ. قَالَ: وَكَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُظْهِرُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ فَيُشَنَّعَ عَلَيْهِمْ

أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْخَلاَّلُ ← أَبُو عُمَرَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الدَّرَّاجُ،

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2445

الإبانة الكبرى لابن بطة #2446

432 - حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكَانَ إِذَا كَلَّمَنِي ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ لَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَى كَلَامِهِ، فَإِذَا كَلَّمَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْلَ وَالْكَلَامَ، قَالَ: " فَقَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ، لَئِنْ أَجَبْتَنِي لَآتِيَنَّكَ فِي حَشَمِي وَمَوَالِيَّ، وَلَأَطَأَنَّ بِسَاطَكَ، وَلَا نُوهِنُ بِاسْمِكَ يَا أَحْمَدُ اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، يَا أَحْمَدُ اللَّهَ اللَّهَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَكَانَ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَعْرِفُ، وَيَظُنُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُمْ»، فَيَقُولُ: يَا أَحْمَدُ إِنِّي عَلَيْكَ شَفِيقٌ، فَقُلْتُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا الْقُرْآنُ وَأَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَارُهُ، فَمَا وَضَحَ مِنْ حُجَّةٍ صِرْتُ إِلَيْهَا». قَالَ: فَيَتَكَلَّمُ هَذَا وَهَذَا. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ لَمَّا انْقَطَعَ وَانْقَطَعَ أَصْحَابُهُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَئِنْ أَجَابَكَ لَهُوَ أَحَبُّ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَمِائَةِ أَلْفٍ عَدَدًا مِرَارًا كَثِيرَةً. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " وَكَانَ فِيمَا احْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، قُلْتُ لَهُمْ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِي: أَلَيْسَ كُلُّ مَا دُونَ [ص:254] اللَّهِ مَخْلُوقٌ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: فَرَّقَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، فَمَا دُونَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَكَلَامُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ. " فَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، فَقُلْتُ لَهُمْ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1]، فَأَمْرُهُ كَلَامُهُ وَاسْتِطَاعَتُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، فَلَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَقَدْ نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ "،

حَنْبَلٌ ← حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2446

الإبانة الكبرى لابن بطة #2447

433 - قَالَ حَنْبَلٌ: وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " وَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ: زَعَمْتُمْ أَنَّ الْأَخْبَارَ تَرُدُّونَهَا بِاخْتِلَافِ أَسَانِيدِهَا، وَمَا يَدْخُلُهَا مِنَ الْوَهْمِ وَالضَّعْفِ، فَهَذَا الْقُرْآنُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقًا مِنْهُ لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرَ دَافِعٍ لِمَقَالَتِهِ وَلَا لِمَا حَكَى عَنْهُ فَقَالَ: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}، فَذَمَّ إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ أَنْ عَبْدَ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، فَهَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَكُمْ ". فَقَالُوا: شِبْهٌ شِبْهٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. [ص:255] فَقُلْتُ: " أَلَيْسَ هَذَا الْقُرْآنُ؟ هَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَكُمْ مَدْفُوعٌ، وَهَذِهِ قِصَّةُ مُوسَى، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى فِي كِتَابِهِ حِكَايَةً عَنْ نَفْسِهِ {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى} [النساء: 164]، فَأَثْبَتَ اللَّهُ الْكَلَامَ لِمُوسَى كَرَامَةً مِنْهُ لِمُوسَى، ثُمَّ قَالَ: يَا مُوسَى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعَبُدْنِي} [طه: 14]، فَتُنْكِرُونَ هَذَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْيَاءُ رَاجِعَةً تَرُدُّ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ هَذَا غَيْرُ اللَّهِ؟ وَقَالَ لَهُ {يَا مُوسَى لَا تَخَفْ} [النمل: 10]، {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] " فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِمُوسَى: أَنَا رَبُّكُ مَخْلُوقٌ، وَمُوسَى كَانَ يَعْبُدُ مَخْلُوقًا، وَمَضَى إِلَى فِرْعَوْنَ بِرِسَالَةِ مَخْلُوقٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: فَأَمْسَكُوا، وَأَدَارُوا بَيْنَهُمْ كَلَامًا لَمْ أَفْهَمْهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَالْقَوْمُ يَدْفَعُونَ هَذَا وَيُنْكِرُونَهُ، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا طَلَبَ الْكَلَامَ وَاشْتَهَاهُ إِلَّا أَخْرَجَهُ إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، لَقَدْ تَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ، وَاحْتَجُّوا بِشَيْءٍ مَا يَقْوى قَلْبِي وَلَا يَنْطِقُ لِسَانِي أَنْ أَحْكِيَهُ، وَالْقَوْمُ يَرْجِعُونَ إِلَى التَّعْطِيلِ فِي أَقَاوِيلِهِمْ، وَيُنْكِرُونَ الرُّؤْيَةَ وَالْآثَارَ كُلَّهَا، مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ هَكَذَا حَتَّى سَمِعْتُ مَقَالَاتِهِمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " قِيلَ لِي يَوْمَئِذٍ: كَانَ اللَّهُ وَلَا قُرْآنَ. فَقُلْتُ لَهُ: كَانَ اللَّهُ [ص:256] وَلَا عِلْمَ؟ فَأَمْسَكَ، وَلَوْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا عِلْمَ، لَكَفَرَ بِاللَّهِ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " وَقُلْتُ لَهُ يَعْنِي: لِابْنِ الْحَجَّامِ: يَا وَيْلَكَ، لَا يَعْلَمُ حَتَّى يَكُونَ فَعِلْمُهُ وَعِلْمُكَ وَاحِدٌ، كَفَرْتَ بِاللَّهِ عَالِمِ السِّرِّ وَأَخْفَى، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، عَلَّامِ الْغُيُوبِ، وَيْلَكَ، يَكُونُ عِلْمُهُ مِثْلَ عِلْمِكَ، تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «فَهَذِهِ أَلَيْسَتْ مَقَالَتُهُ؟» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " وَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ هَكَذَا. لَقَدْ جَعَلَ بُرْغُوثٌ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: الْجِسْمُ وَكَذَا وَكَلَامٌ لَا أَفْهَمُهُ، فَقُلْتُ: لَا أَعْرِفُ وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا، إِلَّا أَنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَا شِبْهَ لَهُ وَلَا عِدْلَ، وَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، فَيَسْكُتُ عَنِّي " قَالَ: فَقَالَ لِي شُعَيْبٌ: قَالَ اللَّهُ {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3]، أَفَلَيْسَ كُلُّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقًا؟ قُلْتُ: " فَقَدْ قَالَ اللَّهُ {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبياء: 58] أَفَخَلَقَهُمْ؟ {فَجَعَلَهُمْ [ص:257] كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 5]، أَفَخَلَقَهُمْ؟ أَفْكُلُّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقٌ؟ كَيْفَ يَكُونُ مَخْلُوقًا وَقَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْجَعْلُ، قَالَ: فَأَمْسَكَ

Previous
202122
Next

إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ التُّوزِيُّ، ← وَحَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ،

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2439

الْحُسَيْنُ بْنُ بِشْرٍ، وَدُبَيْسٌ الصَّائِغُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فَرْقَدٍ، ← أَبُو الْقَاسِمِ الْعَطَّافُ بْنُ مُسْلِمٍ، ← أَبُو أَيُّوبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرٍو النَّزَلِيُّ، ← أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ ← أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ بَطَّةِ ← الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْبُسْرِيِّ، ← الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ،

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2440

حَنْبَلٌ

الإبانة الكبرى لابن بطة · کتاب · Hadith 2447

All Chapters1. The Book of Faith1. The Book of Faith1. Door2. The Book of Destiny2. Chapter on Recalling News and Impacts That Invited Us to Compile and Compose this Book2. The Book of Destiny3. Written response to al-Jahmi3. The Chapter on what God Almighty presupposed by text in the revelation of obedience to the Messenger, may God’s prayers and peace be upon him3. Written response to al-Jahmi3. Written response to al-Jahmi4. The virtues of awakening b4. Chapter Mentioning the obedience of the Messenger of God, may God’s prayers and peace be upon him, the Sunnah, and beware of sects who oppose the Messenger of God, may God bless him and grant him peace, and warn people who oppose the Prophet, may God’s pr